رجائى عطية يكتب: توابع الفوضى (7)
ـــ
جريدة التحرير18/10/2012

الولاء للدستورلا للرئيس

     من العوارض التى طفت شخصنة الدولة .. ومنها صيغة اليمين التى أداها رئيس المخابرات .. فالولاء يجب أن يكون للدولة لا للأشخاص

     من العوارض التى طفت على السطح ، شخصنة الدولة ، أو شخصنة الأمور فى الدولة .. رأينا شيئا من ذلك فى صيغة اليمين المعدلة التى أدى بها القَسَمْ ـ رئيس المخابرات العامة وهيئة الأمن القومى ، فالولاء يجب أن يكون للدولة ونظامها ودستورها وقانونها ـ لا للأشخاص ، فمصر هى الباقية ، والأشخاص أياً كانوا إلى رحيل وزوال .
       وافتراض العصمة لغير الأنبياء غير جائز ، ولا محل له ، ونقل ولاء القَسَمْ إلى الشخص بدلاً من الدولة ، يحمل نذرًا يمكن أن تكون وخيمة إذا ما فرط من الوالى ما يدخله فى دوائر الخطأ والمساءلة والحساب ، وهو ما تجيزه وتنظمه دساتير العالم ، ومنها ـ فيما كان ـ دستور 1971 ، فقد كان يبيح محاكمة رئيس الجمهورية ، سواء عن الجرائم الجنائية ، أم عن ما قد يُعَد ـ لا قدر الله ـ خيانة عظمى !
       ماذا يفعل من أقسم بالولاء للشخص لا للدولة ، إذا ما خرج الوالى عن الدستور والشرعية ، أو فرط منه ما يستوجب مساءلته .. هل يساير فى الخطأ التزامًا بالقسم ، أم يبقى على ولائه للوطن الذى هو بكل المقاييس فوق الجميع ؟!!!
       شخصنة القَسَمْ فرع على شخصنة الدولة ، وهذا باب كبير للفوضى واضطراب الأمور وانبهام المقاييس . لقد أثير بمناسبة سفر الرئيس إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، أن الرئيس لم يفوض نائبه فى سلطاته ، وقال المتحدث الرسمى ـ فيما نقل عنه ـ أنه لا حاجة إلى ذلك مع ما تتيحه وسائل اتصالات العصر من إمكانيات تغنى ـ فى رأيه ـ عن هذا التفويض . وظنى أن الخطأ الأول فى هذا التصريح ، أن يعطى المتحدث لنفسه تفسير قرارات الرئيس ، فذلك قد يورد موارد الخطأ ، فضلاً عن كونه غير مقبول .  مهمة المتحدث الرسمى أن يتحدث بما يكلفه به الرئيس ، لا بما يرى هو أن يفسر به قرارات الرئيس .
      ربما كان للرئيس رأى فى عدم تفويض نائبه ، فإن كان ، فهو الذى يبديه بلا نيابة من أحد أو تطوع أحد . على أن ما أبداه المتحدث الرسمى لا يتفق مع موجبات التزام الموضوعية لا الشخصنة .. فتفويض نائب الرئيس حال غيابه عن البلاد ولأيام ،  أمر واجب تفرضه المبادئ الدستورية والقانون والمنطق ، فمن غير المقبول أن تبقى الأوطان ولأيام محرومة من رئاسة دستورية تواجه ما عساه يحدث ، ودنيا الاحتمالات لا ينقطع مداها ، ومن أجل ذلك رأينا نائب الرئيس الأمريكى جونسون يؤدى القسم على متن الطائرة ، بغير انتظار ـ ولو لدقائق ـ لحين هبوط الطائرة التى تقله إلى أرض المطار .
     والتعويل على وسائل العصر ، واتصالات العصر ـ تعويل ضرير فى غير محله .. وإمعان واعٍ أو غير واع فى الشخصنة .. فلا ضمان لاستمرار الاتصال فى كل الأوقات ، وانقطاعه وارد وحدث على المستوى الدولى لدى انقطاع الكابل البحرى من سنوات ، وحدث على المستوى المحلى فى ثورة يناير 2011 ، وتعليق التكليف على مثل هذه الاتصالات ينطوى إذن على أخطار ومحاذير ، سواء لعطل الاتصال ، أو تعذر التوصيل لاختلاف التوقيت بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية . وهو اختلاف يصل فارقه إلى نحو اثنتى عشرة ساعة ، فتكون الدنيا هنا فى منتصف الليل ، حين تكون هناك فى منتصف النهار ، وهذا عارض من عوارض إلقاء حمل هذه المهام التى قد تكون عاجلة وخطيرة ، على اتصال قد يحدث وقد يتعذر وقد يستحيل أن يحدث !!
      المفترض أن العلّة الأساسية لمنصب نائب الرئيس ، أن يحل محل الرئيس حال غيابه ، فقد لا تكون له حاجة ـ أو حاجة كبيرة ، فى وجود الرئيس بالبلاد  ، بينما تكون الحاجة إليه حالة ضرورة ، ولازمة ، إذا كان الرئيس غائبًا عن البلاد . ومواجهة هذا الواقع لا يجوز أن تكون إلاّ بناء على أسس موضوعية لا على اختيارات شخصية ، قد تصيب وقد تخطئ ، وقد تحسن وقد تسىء . وهذه الأسس الموضوعة توجب ، هى والدستور ، أن يفوض الرئيس نائبه فى سلطاته فى كل وقت يغيب فيه عن البلاد . هذا فرض لا يجوز أن يترك للخيارات أو المقادير . فمصائر الأوطان أهم وأخطر من أن تترك للتصرف الشخصى أو تعتمد على لطف المقادير !!

البصيرة فى العفو

     لا يصادر أحد على حق الثورة المصرية فى ممارسة العفو .. على انها يجب أن تكون بصيرة بما تفعل

     تعرف النظم القانونية نوعين من العفو ، العفو عن العقوبة ويكون بقرار من رئيس الدولة ، والعفو الشامل ولا يكون إلاّ بقانون صادر عن السلطة التشريعية ، وهو لا يقف عند العفو عن العقوبة ، وإنما يمتد إلى آثارها ، ويمحو الإدانة ذاتها .
     والعفو بنوعيه ، يكون فى الأحوال العادية تداركا لعدل فات ، أو ظلم وقع ، أو دواع إنسانية
أو اجتماعية أو قانونية طرأت . وفحوى ذلك أن فكرة " العدالة " هى الحاضرة الدافعة للعفو عن العقوبة أو العفو الشامل فى الأحوال والظروف العادية .

     بيد أن العفو ـ بنوعيه ـ المصاحب أو التالى للثورات ، قد يخرج عن هذا الإطار التقليدى ، لينصف النظام الجديد ـ سياسيًا ـ من آثار النظام السابق . ولذلك كانت نوعية الجرائم التى ينصرف إليها العفو هى فقط الجرائم السياسية ، باعتبارها مدار الخلاف أو الاختلاف بين النظام الجديد الذى امتلك المقادير ، والنظام السابق الذى ولى أو أزيح .
     ولا يصادر أحد , ولا يمكن أن يصادر , على حق الثورة المصرية وما بعدها , فى ممارسة العفو بتوعية , سواء النابع عن فكرة العدالة وإعادة السواء بعامة , أم النابع عن مطالب الثورة والنظام الجديد فى شأن جبر ما حدث من مساءلات عن الجرائم السياسية التى كان مرعياً فى إثارتها والمسائلة عنها أغراضأو مطالب النظام الذى رحل .
     على أن ممارسة هذه السلطة , وهى بغض النظر عن الالتباسات التى نجمت عن الفوضى ومست القواعد المفترض أن ترعاها المبادئ الدستورية ويكفلها القانون ـ يجب أن تكون بصيرة بما تفعل , مميزة بين العفو الذى يرعى عدالة فاتت , وله ضوابطه لأنه مراجعة قد لا تكون حميدة أو صائبة لأحكام قضائية لها حجيتها واحترامها , وبين العفو الذى ينصف النظام الجديد من سياسات النظام الآفل , وهو إنصاف قد
لا ينبع عن فكرة العدالة , وإنما حافزه السياسة . ولذلك قصره العارفون على العقوبات أو الأحكام الصادرة فى جرائم سياسية .

       تقرير العفو بنوعيه ، قديم فى دساتير وقوانين الدولة المصرية التى تتعرض الآن لما يشبه هدمًا كاملاً لبناء وقوام الدولة .. فقد كانت المادة 68 من قانون سنة 1904 ( للعقوبات ) ـ تنص على أن حق العفو هو للخديوى يستعمله بعد أخذ رأى ناظر الحقانية وذلك بالنسبة للعفو من العقوبة ، أما بالنسبة للجريمة ـ أو ما صار يوصف لاحقًا بالعفو الشامل ـ فبعد أخذ رأى مجلس النظار .
       ونصت المادة 152 من دستور 1923 ، على أن العفو الشامل لا يكون إلاّ بقانون ، أما العفو عن العقوبة أو تخفيفها فكان للملك . ونصت المادة 127 من دستور 25 مارس 1964 ، على أن : " لرئيس الجمهورية حق العفو عن العقوبة أو تخفيضها ، أما العفو الشامل فلا يكون إلاّ بقانون " . ولم يخرج دستور 1971 عن هذا النص ، فنصت المادة 149 منه على أن : " لرئيس الجمهورية حق العفو عن العقوبة أو تخفيضها ، أما العفو الشامل فلا يكون إلاّ بقانون " ، وعلى ذلك أيضًا نصت الفقرة التاسعة من المادة 56 من الإعلان الدستورى الصادر 30 مارس 2011  .
       هذا وتكفلت المواد 74 ، 75 ، 76 من قانون العقوبات ببيان أحكام كل منهما ، فنصت المادة 74 عقوبات ، ولاتزال كما هى منذ سنة 1937 ، وهى تقابل المادة 68 من القانون 3/1904 سالف الإشارة   ـ نصت على أن : "  العفو عن العقوبة المحكوم بها يقتضى إسقاطها كلها أو بعضها ، أو إبدالها بعقوبة أخف منها مقررة قانونا . ولا تسقط العقوبات التبعية ولا الآثار الجنائية الأخرى المترتبة على الحكم بالإدانة ما لم ينص فى أمر العفو على خلاف ذلك " .
     ونصت المادة 75 ، المستبدلة بالقانون 95 لسنة 2003 ، وهو تعديل اقتصر على المسميات الجديدة للعقوبات بعد حذف مسمى " الأشغال الشاقة " ، نصت على أنه : " إذا صدر العفو بإبدال العقوبة بأخف منها تبدل عقوبة الإعدام بعقوبة السجن المؤبد . وإذا عفى عن محكوم عليه بالسجن المؤبد أو بدلت عقوبته وجب وضعه حتمًا تحت مراقبة البوليس مدة خمس سنين . والعفو عن العقوبة أو إبدالها إن كانت من العقوبات المقررة للجنايات لا يشمل الحرمان من الحقوق والمزايا المنصوص عنها فى الفقرات الأولى والثانية والخامسة والسادسة من المادة الخامسة والعشرين من هذا القانون . وهذا كله إذا لم يُنص فى العفو على خلاف ذلك " .
       ونصت المادة 76 على أن : " العفو الشامل يمنع أو يوقف السير فى إجراءات الدعوى أو يمحو حكم الإدانة . ولا يمس حقوق الغير إلاّ إذا نص القانون الصادر بالعفو على خلاف ذلك " .

 

العفو بنوعيه .. يكون فى الأحوال العادية تداركاً لعدل فات .. أو ظلم وقع .. أو دواع انسانية