رجائى عطية يكتب: توابع الفوضى (6)
ـــ
جريدة التحرير 30/9/2012

الإدارة الإخوانية القائمة على شئون البلاد لا تنتظر ولا تتمهل وإنما تعالجنا كل يوم بالجديد المنبئ عن تفشى الفوضى فى الحكم ذاته . 

لا يحتاج المراقب لتوابع الفوضى أن ينتظر ما سوف يُسفر عنه الحكم المتوقع بشأن مجلس الشورى وأثره على ما تعجل إهداره فى استهدافه للصحافة والصحفيين ، ولا أن ينتظر الأحكام المتوقع صدورها من القضاء الإدارى بشأن إقصاءات متعسفة واضحة الجور كحالة الأستاذ عبد الفتاح الجبالى رئيس مجلس إدارة الأهرام الذى استخدم حقه فى اللجوء بمظلمته إلى القضاء .. ولا يحتاج المراقب ـ تدليلاً على توابع الفوضى ـ أن ينتظر ما قد عساه يحكم به القضاء الإدارى بشأن الجمعية التأسيسية التى شاب البطلان قرار تشكيلها ، ولا ما لحق هذا التشكيل من أعضاء انسحبوا ولم يجر استعواضهم ، وآخرين عينوا فى الحكومة وفى مؤسسة الرئاسة بوظائف رئيسية ما بين مساعدين وهيئة استشارية إلى جوار الرئيس ، وقام التعارض بين مهامهم التنفيذية والرئاسية ، وبين ما ينبغى توفره فى أعضاء الجمعية التأسيسية من تجرد تام ليؤدوا واجبهم القومى بلا تأثر أو تعارض أو انحياز !!!
لا يحتاج المراقب إلى انتظار ما ستقذف به الأحكام المتوقعة من إثبات لتوابع الفوضى وما أفضت وتفضى إليه ، ولا ما سوف تأتى به الأيام ـ وربما أحكام قضائية ـ بشأن الإعلان الدستورى الذى أصدره الرئيس فى 12 أغسطس 2012 وأعطى به لنفسه ، فيما أعطى ، سلطة التشريع إلى جانب سلطات أخرى كثيرة منها الانفراد بتشكيل الجمعية التأسيسية إذا قام مانع ـ يحول بينها وبين القيام بمهمتها !
لا يحتاج المراقب إلى شىء من ذلك لتتضح له توابع الفوضى ، فالإدارة الإخوانية القائمة على شئون البلاد لا تنتظر ولا تتمهل ، وإنما تعاجلنا كل يوم بالجديد المنبئ عن تفشى الفوضى فى الحكم ذاته وفى الإدارة بغير ضوابط اللهم إلاَّ ضابط الأخونة .. حتى القَسَم المعتاد من عشرات السنين أن يكون معبراً عن احترام الدستور والقانون ، وعن الولاء للدولة لا لشاغل منصب ، رأينا رئيس المخابرات العامة وهيئة الأمن القومى، يوضع أمامه مصحف ليضع عليه يده فى إشارة لا تفوت إلى أسلوب القسم بالبيعة والولاء الذى يؤديه الإخوان فى جماعتهم ، وتملى عليه صيغة القسم التى أُدخلت عليها التعديلات التى خرجت به عن المعنى العام للولاء للدولة واحترام الدستور والقانون ، إلى الولاء الشخصى !!
طبعاً كمسلم لا اعتراض لى على "المصحف" .. فهو كتاب الله الذى أؤمن به كمسلم ، ولكنى أعلم من القرآن ذاته أنه حثنا على ألا نجعل منه أو من الله عرضة لأيماننا ، فقال عز وجل : " وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ " (البقرة 224) .. وقبل أن يعاجلنى أحد بأن هذا القسم تفرضه موجبات الوطن وحقوقه ، أجيب بأن هذه الموجبات والحقوق قد أقصيت بتعديل صيغة اليمين تعديلاً يسحب من صيغة الولاء للوطن وحقوقه العامة ، إلى ولاء شخصى وضع حالف اليمين فى حرج من رفض القسم به وربما خشية رد فعل هذا الرفض ، فانطبقت بذلك تحذيرات الآية القرآنية أن نجعل الله تعالى عرضةً لأيماننا !!
لم أصدق عينى حين أتانى على الفيس بوك صفحات من الطبعة الجديدة لكتاب التربية الوطنية للصف الأول الثانوى ، وتعجبت متى وكيف أتيح للإخوان إجراء هذا التعديل الخطير على مناهج التعليم .. فأمامى بالكتاب حديث متكرر عن الولاء للجماعة لا الولاء للوطن ، ومعنى الجماعة حاضر لا يغيب مقصوده عن اللبيب وغير اللبيب .. حتى وان تحايلت العبارات بذكر جماعة الأسرة ثم المدرسة ، فسرعان ما أفصحت وقالت : "الجماعة الدينية" ، لتعود إلى التمويه بجماعات العمل المهنية فى المؤسسة أو المصلحة الحكومية أو خارج العمل كالنقابات . فقد رجعت العبارات فى التو واللحظة لتفصح عن مرامها ومقصودها فتقول بحصر اللفظ : "إن الشعور بالانتماء إلى أعضاء الجماعة ينتج عن اندماج الإنسان مع الجماعة التى ينتمى إليها لأنها ترضى دوافعه وحاجاته مما يزيد من شعوره بالأمن وثقته بنفسه ورغبته فى الإنجاز".
ثم تقفى العبارات الإخوانية ، فتضيف وبحصر اللفظ أيضاً : "والمنتسب إلى جماعة عليه حق الولاء لها والتضحية من أجلها مهما كلفه الأمر"!!!
أعود فأقول متى أدخل الأخوان هذه التعديلات على كتاب التربية الوطنية ليتحول من تربية وطنية إلى تمهيد صارخ لبيعة إخوانية ؟! وما الذى ذهب بالكتاب من المطبعة الأميرية التى تطبع كل كتب وزارة التربية والتعليم ، وطبعت الطبعات السابقة من ذات هذا الكتاب ـ من الذى ذهب بالطبعة الجديدة 2012/2013 إلى " دار الرحمة " وهى مطبعة إخوانية ؟!! ثم إن هذه المعاجلة دالة على أنهم دخلوا إلى المسرح بوجبات جاهزة تامة التجهيز قبل تولى دست الحكم ..
وفى مقدمة هذه الوجبات الجاهزة ، تامة التجهيز ، الدستور المزمع الذى يتحاور حوله المخدوعون أو المنخدعين ، ظناً أو تصويراً أنهم يتناقشون ويتحاورون حول دستور ، بينما الدستور قابع سلفاً فى مكمنه فى انتظار لحظة الخروج به إلى استفتاء يطمئن الإخوان إلى قدرتهم فى السيطرة عليه !!!

فات ما فات رئيس الجمهورية أنه لا يملك وليس من سلطته تعديل إعلان 30 مارس 2011 الدستورى .
يبدو لى أنّ من توابع هوجة الفوضى بلا أى ضابط ، القرار الذى أصدره الرئيس فى 12 أغسطس 2012، ونشر بذات اليوم بالجريدة الرسمية ، وتضمن إلغاء الإعلان الدستورى المكمل ، وإصدار إعلان دستورى أعطى به الرئيس لنفسه بنفسه سلطات واسعة بالغة الاتساع ، نص فيما نص عليها فيه على السلطات المقررة بالمادة 56 من الإعلان الدستورى الصادر 30 مارس 2011 ، والذى أقسم الرئيس على احترامه ، ولا يزال سارياً حتى الآن وتصدر على مقتضاه القرارات الجمهورية التى تورده فى ديباجتها كمرجعية وسند لإصدار هذه القرارات.
والمادة 25 من هذا الإعلان الدستورى الصادر 30 مارس 2011 ، والمعمول به للآن ، ولم يعرض له قرار الرئيس فى 12 أغسطس 2012 بأى سوء ، تنص على أن :" رئيس الدولة هو رئيس الجمهورية ، ويسهر على تأكيد سيادة الشعب وعلى احترام الدستور وسيادة القانون وحماية الوحدة الوطنية والعدالة الاجتماعية وذلك على الوجه المبين بهذا الإعلان والقانون ، ويباشر فور توليه مهام منصبه الاختصاصات المنصوص عليها بالمادة (56) من هذا الإعلان عدا المبين فى البندين 1 و 2 منها ".
ويبدو واضحاً أنه فات فيما فات ـ لدى إصدار قرار رئيس الجمهورية 12 أغسطس 2012 ، وما تضمنه من إعلان دستورى من الرئيس إلى الرئيس ، فات الالتفات إلى أن هذا الإعلان الفردى الذى تعوزه المرجعية الدستورية والقانونية ـ يتصادم ويتعارض مع صريح نص المادة 25 من الإعلان الدستورى الأصيل الصادر 30 مارس 2011 ، التى استثنت صراحة سلطة التشريع والموازنة العامة ، والمبينة فى البندين 1، 2 واللذين استثناهما النص صراحة ـ من السلطات التى يباشرها الرئيس إلى أن يتم استكمال البناء الدستورى للدولة ، وفات فيما فات أن رئيس الجمهورية لا يملك وليس من سلطته تعديل الإعلان الدستورى 30 مارس 2011 ، وأن أى تعرض منه بالتعديل لأى مادة من مواد هذا الإعلان الدستورى يقع معدومًا لا أثر له فى القانون !
فأمامنا فى هذه الفوضى الضاربة الأطناب ، تعارض صارخ وتناقض زاعق بين الإعلان الدستورى الفردى من الرئيس إلى الرئيس الصادر 12 أغسطس 2012 بلا مرجعية دستورية أو قانونية ، وبين صريح نص المادة 25 من الإعلان الدستورى الأصلى الصادر 30 مارس 2011 ، والذى لا يزال معمولاً به ويتصدر ديباجة كافة القرارات الجمهورية التى يصدرها الرئيس.
فالإعلان الدستورى الفردى 12 أغسطس ، يعطى الرئيس سلطة التشريع التى حظر الإعلان الدستورى الأصلى الصادر 30 مارس 2011 إعطاءها إليه هى والموازنة العامة ـ وهذا التناقض لا يصطدم فقط بما أقسم الرئيس على احترامه ، وإنما يتعارض ويصطدم بإعلان دستورى أصلى قائم وسارى وله بلا مراء مرجعية غير متوافرة للإعلان الدستورى الفردى ، الأمر الذى يعنى طبقاً لقواعد التفسير ـ أن إعلان 12 أغسطس 2012 ـ قد ورد باطلاً على غير محل ، للحظر القائم فى إعلان 30 مارس 2011 الأصيل والسارى والمعمول به للآن والذى لا يملك الرئيس تعديله !
رب قائل يقول وقد ضربت الفوضى فى كل شىء ، ما الذى يمنع الرئيس من أن يلغى إعلان
30 مارس 2011 بدوره ، والجواب أن هذا الإلغاء معناه ضرب كل قواعد المشروعية التى تسير عليها البلاد منذ 30 مارس 2011 ، بما فى ذلك الانتخابات الرئاسية ذاتها ، فقد جرى ذلك كله وفق هذا الإعلان الدستورى الذى تضمن فيما تضمنه التعديلات الدستورية التى جرى الاستفتاء عليها فى 19 مارس 2011، وأقرها الشعب فى نتيجة الاستفتاء التى أعلنت 23 مارس ، ومثلت مع تغيير أرقام المواد فقط
ـ مثلت عصب الإعلان الدستورى الأساسى الصادر 30 مارس ، الأمر الذى لا يستقيم معه إلغاء هذا الإعلان الدستورى أو تعديل أى مادة من مواده الآن ، لما لذلك من توابع خطيرة تؤدى إلى انهيار تام لن ينجو منه شىء !!!
هذا التصادم والتعارض القائم ، له بالتأكيد توابع ، إنْ تراخى ظهورها اليوم فسوف تظهر باكر ، وسوف يؤدى ذلك إلى توابع وآثار تهدد كل ما يَجْرى ويُجْرى ، وتسدل أستاراً كثيفة لا يُعرف متى تنقشع ، على ثورة عقدنا الآمال عليها ، فأخذتها الفوضى إلى دروب ومسالك ما أنزل الله بها من سلطان . فهل من عقل يستنقذ مصر من وهدة هذه المخاوف المتبدية فى الأفق ، والتى لا يشيح عن رؤيتها بصير ؟!!!

Email : Rattia2@hotmail.com
www.ragai2009.com