رجائى عطية يكتب: توابع الفوضى (5)
ـــ
جريدة التحرير 28/9/2012

الفوضى أسفرت عن موقف تربصى بدا فى خطوات متلاحقة اتخذها رئيس الجمهورية لم يقرأها المجلس الأعلى للقوات المسلحة 

      أسفرت الفوضى المتراكمة التى حدثتك عن بعضها , عن موقف تربصى لم يعد خافياً على المراقبين , ولعل من تعبيراته الخطوات المتلاحقة التى اتخذها رئيس الجمهورية فيما يبدو أن قراءتها قد فاتت على المجلس الأعلى للقوات المسلحة . فإثر العمليات الصحفية التى أزاحت ووسدت بالصحف القومية رؤساء تحرير من الإخوان أو من الموالين لهم , وبات للصحافة القومية موقفاً كان بالطبع حصاد هذه التغييرات , ويدين لها بالولاء والمساندة .. تلتها تغييرات مقصودة بوزارة الداخلية , ثم قرارات عفو متتالية أصدرها الرئيس شملت محكوماً عليهم من الإخوان فضلاً عن محكوم عليهم بأحكام نهائية فى قضايا محل نظر , وشملت فيمن شملت تجار سلاح وذخائر , وجانحين مدانين فى جرائم خطيرة , ولم يقترن بإصدار العفو عنهم بحوث أمنية تستطلع مدى خطورة إطلاق سبيلهم على الأمن العام للبلاد , وقد ظهرت للإفراج عن بعضهم بوادر غير طيبة لم ينج رئيس الجمهورية نفسه من طلقات طائشة أطلقها صوبه السيد / وجدى غنيم قبل أن يجف مداد توقيع الرئيس على قرار العفو عنه , وتزامن مع خروج هذه الأرتال عمليات عنف جرت هنا وهناك ، حملت مؤشرات دلالات غير طيبة ، ووصل بعضها إلى حد اتهام بعض المعفى عنهم ـ حددت بعض المصادر أسماءهم ـ فى حادث رفح الذى استشهد فيه سبعة عشر من الصف ضباط والجنود المصريين .
      وفى تلاحق يورى بترتيب ما , جرت إقالة اللواء مراد موافى رئيس المخابرات العامة , مع أنه كان خليقاً بتلقى الشكر والثناء على قيامه بواجبه فى إبلاغ المختصين عما تناهى إلى المخابرات العامة عن تحرك وشيك فى سيناء ، فإذا كان إفصاحه عما أبلغ به قد أحرج آخرين ، فإن إقالته بدت وكأنها جزاءٌ على هذا الافصاح ، بدلا من إزجاء الشكر إليه على قيامه بالواجب فى الرصد والإبلاغ .
       تزامن مع تنحية اللواء موافى رئيس المخابرات العامة ، بقرار من الرئيس ، تنحية اللواء حمدى بدين مساعد وزير الدفاع وقائد الشرطة العسكرية ـ بطلب من الرئيس ، والذى أصدر قرارا آخر بتعيين قائد جديد للحرس الجمهورى ، ورئيس للديوان ، ثم عقد الرئيس اجتماعًا ليلاً فى ساعة متأخرة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة ترأسه باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة ، فيما بدا أنه إشارة مقصودة لسلطاته .
       تزامن مع هذه المتلاحقات ، زيارة أمير قطر الذى تثار تحفظات مصرية على أهدافه وأهداف ومشاريع قطر وأغراضها فى مصر ، ولم ينه زيارته إلاّ بإطلاق تصريح أنه سيودع مليارى دولار كوديعة بالبنك المركزى، ودعنا من أنه لم يودع سوى خمسمائة ألف ، فقد كان القصد هو البشارة الأميرية القطرية فى تلك الأيام ، التى كان من المفارقة ـ ولكنها لافتة ـ أنها قد اقترنت بعنف من نوع جديد ، جرى فيما بدا  أنه من أتباع الإدارة  ،ضد الإعلاميين على أبواب مدينة الإنتاج الإعلامى ، وآخر مورس على المتظاهرين ضد الرئيس عند المنصة والمقر الرئاسى ، صاحبه نزع الملابس والتعليق على الأشجار وأعمدة الإنارة !!!
      لست أريد أن أتوقف عند قرار إحالة المشير ورئيس الأركان إلى التقاعد ، فلا تزال أسرار وملابسات هذا القرار لم تكشف أو تنكشف بعد ، ولكن الأهم أن هذا القرار بإحالتهما للتقاعد ، وتغيير المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، قد واكبه قرار من الرئيس فى 12 أغسطس 2012 ، أصدر به إعلانًا دستوريًا ، ونشر بذات اليوم بالجريدة الرسمية  ( العدد32 مكرر ) ، وتضمن هذا القرار الجمهورى الذى لم يرد بديباجته أى مرجعية دستورية أو قانونية تعطى الرئيس سلطة إصدار إعلان دستورى ، ولا ما تضمنه هذا الإعلان الدستورىمن قرارات بالغة الأهمية بل والخطر ، فقد ألغى الإعلان الدستورى المكمل ، ومنح نفسه كافة السلطات المقررة فى المادة 56  من الإعلان الدستورى 30 مارس 2011 ، وفى مقدمتها سلطة التشريع ، ليجمع الرئيس فى يده فى سابقة غير مسبوقة ، بين السلطة التنفيذية ، والسلطة التشريعية ، ومن هذه السلطات ، سلطة العفو عن العقوبة أو تخفيفها ، مع أن قرارات العفو كانت قد صدرت بالفعل  ـ بلا مرجعية ولا سند ـ قبل هذا القرار الجمهورى الصادر 12 أغسطس 2012 ، كما تضمن هذا الإعلان الدستورى المخالف للقانون وللمبادئ الدستورية ، أن تكون للرئيس وحده ودون سواه ، سلطة تشكيل الجمعية التأسيسية إذا ما قام مانع يحول دون استكمال الجمعية التأسيسية الحالية لعملها . وهذا ، مع سلطة التشريع التى اجتمعت مع السلطة التنفيذية بيد الرئيس ، هو بيت القصيد !!!

                                                                       دولة القانون فى مهب الريح

هل المقدمات التى طفحت فى الفترة الأخيرة تبشر بإمكانية تشاور حقيقى فاعل لإنجاز << تأسيسية >> جديدة فى حيدة وتجرد ؟!   

رغم ما أوردتُه سلفا من أسباب بطلان قرار تشكيل الجمعية التأسيسية لوضع الدستور ، واطمئنانى لرؤيتى وسداد أسبابى سواء فيما لابس قرار التشكيل من صدوره ابتناء على قانون لم يصدر ، أم لاختياره أعضاءً من مجلسى الشعب والشورى خلافًا لحكم محكمة القضاء الإدارى الذى أدى إلى فض الجمعية التأسيسية الأولى ، أم لما لحق عملية استعواض بدلاء المنسحبين والمعتذرين من تعطيل وتضارب بسبب عدم وجود مجلس الشعب الذى كان منوطاً به هذا العمل ، الأمر الذى أدى إلى تقلص عدد الجمعية إلى 89 عضوا بدلاً من مائة كنص المادة 60 من الإعلان الدستورى 30 مارس ، فضلا عمّا أدى إليه تشكيل الوزارة وتعيين مساعدين وهيئة استشارية للرئيس ـ من قيام التعارض لعشرة آخرين من أعضاء الجمعية التأسيسية بين مقتضيات المناصب التى عينوا فيها بالحكومة أو إلى جوار الرئيس ، وبين واجباتهم فى الجمعية التأسيسية ومهامهم  فيها وما تقتضيه من تجرد !
         أقول إنه رغم ذلك ، فلست أعرف ما سوف تحكم به محكمة القضاء الإدارى بشأن قرار تشكيل الجمعية التأسيسية ، وما لحق تشكيلها بعده ـ ولكنى أعرف أن الحكم برفض الدعوى واستمرار
التأسيسية ، سيضع الدستور القادم أمام العوائق والمعضلات الناجمة عمّا ذكرته ، وأنه فى حالة الحكم بقبول الدعوى ووقف قرار تشكيل الجمعية التأسيسية ، فإن ذلك سوف يفتح أبوابًا  لن تنغلق للجدل حول سلطة الرئيس فى أن ينفرد وحده دون سواه بتشكيل التأسيسية الجديدة إعمالاً للسلطة التى منحها لنفسه بالمادة الثالثة بالإعلان الدستورى الذى أصدره فى 12 أغسطس
ـ بلا مرجعية دستورية أو قانونية !!
          فقد نصت المادة الثالثة من هذا الإعلان الدستورى ، على أنه فى حالة قيام مانع يحول دون استكمال الجمعية التأسيسية لعملها ، يشكل رئيس الجمهورية ـ وحده ـ خلال خمسة عشر يوما جمعية تأسيسية جديدة تمثل أطياف المجتمع بعد التشاور مع القوى الوطنية لإعداد مشروع الدستور الجديد خلال ثلاثة أشهر .. إلخ .
      فهل المقدمات التى طفحت فى الفترة الأخيرة ، تبشر بإمكانية قيام تشاور حقيقى فاعل مع القوى الوطنية لإنجاز هذا الاختيار فى حيدة وتجرد ، وهل سيغلب الإخلاص لمصر على الانحيازات الحزبية أو الطيفية ، ويتوافق الرئيس توافقاً حقيقياً مع أطياف المجتمع الوطنى على اختيار جمعية تأسيسية تعبر عن مجمل المصريين وتضم كفاءات حقيقية عالمة عارفة خبيرة قادرة على صناعة الدستور وأداء هذه المهمة الجليلة بوضع دستور يليق بالبلاد ويصلح لحكم مصر وتسيير دفتها فى أمان فى السنوات القادمة ؟!
      من المؤسف أن تؤدى بنا الفوضى المتراكمة الصور والنتائج ، إلى العجز عن أن تستخلص أنفسنا من وهدة الاشتجارات والانحيازات لنرتفع إلى متطلبات وضع دستور يُفْترض أن يتيح لنا التقدم للأمام لا أن يرجع بنا إلى الخلف ، ومن المؤسف أن نجد أنفسنا بعد عام ونصف فى قاع أزمة دستورية مستعصية ، تورى بأزمات قادمة ، أسوأ ما فيها أنها تهدد دستورية الدولة ، بأن جعلت الدستور المأمول نهباً للعجز والمآرب والأغراض ، وتعرض مضمونة لأن يكون مطية لانحيازات ضريرة ، بدلا من أن يكون بوصلة قائدة رائدة لمستقبل يتآلف فيه أبناء الوطن فى رعاية دستور يعبر عنهم وينظم مسيرتهم لمتابعة الانطلاق فى عالم لا يجوز أن نتخلف عنه !
      ومن المؤسف أيضا أن الفوضى قد أغرت وتفشت وانتشرت حتى تجذرت فى النفوس ، وصارت غاية وأسلوباً فى كل شىء ، حتى انبهمت القيم ، واختلطت الأوراق ، وساءت النذر والمؤشرات بتعدد الأزمات ، وغياب العقل مع ضياع النظام ، حتى صارت دولة القانون فى مهب الريح !

Email : Rattia2@hotmail.com
www.ragai2009.com