رجائى عطية يكتب: توابع الفوضى ( 4 )
ـــ
جريدة التحرير 26/9/2012

الإعلان " المكمل " وانقلاب الرئيس الناعم

       سيظل الحديث يدور طويلا حول الإعلان الدستورى المكمل ، مضمونه ودواعيه ، ومدى حق أو سلطة المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، إصداره تذرعًا بما استمده منذ 11 فبراير من تكليف ، وبما طرأ برحيل مجلسى الشعب وعودة سلطة التشريع إليه ، ومدى حق أو سلطة الرئيس فى إلغائه ، ومدى مشروعية هذا الإلغاء وسندها ، ومدى نفاذه إن لم يكن لإلغائه سند مشروع . وسيظل الحديث يدور طويلا ، بلا رؤية قاطعة حتى تزاح الأستار ، عما يقال من أن مفاوضات جرت فى الخلفية قبل إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية التى لم تنج بدورها من أقاويل كثيرة دارت وتدور حولها ، مثلما لم ولن ينقطع الحديث عن أثر القسم الذى أداه الرئيس باحترام الدستور ، وانعكاس هذا الأثر على ما انفرد به الرئيس من إلغاء لاحق لهذا الإعلان الدستورى المكمل ، إلغاءًا إقترن بإعلان منه تضمن منح نفسه لنفسه سلطات لا يستند تقريرها ـ فيما يبدو ـ إلى سند دستورى أو تشريعى ، ومن أخطرها سلطة التشريع التى اجتمعت له مع رئاسته للسلطة التنفيذية .
          من البداية ، لم يخف الإخوان المسلمون ، ومن ورائهم السلفيون ، اعتراضاتهم على الإعلان الدستورى المكمل ، وجاراهم فى الاعتراض عليه أطياف سياسية أخرى ، ونظر هؤلاء وأولاء بعين الشك والارتياب ، والتحفظ ، إلى ما تبناه من توازنات لحين إتمام وضع الدستور ، واعتبروها مصادرة على سلطات رئيس الجمهورية وإن أقسم اليمين على احترامها ، وقد بدا أن الاعتراض يملك الحجة فى جوانب ، ويفتقد الحجة فى جوانب أخرى !
          لا مراء فى أن رحيل مجلس الشعب قد فرض عودة التشريع إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة أخذاً بما تقرر أصلاً فى الإعلان الدستورى 30 مارس ، ويبدو أن هذه كانت التكئة والمدخل إلى الإعلان الدستورى المكمل ، وصاحبها توازنات تبررها توجسات إن لم تكن اتفاقات . على أنه يلاحظ أن الإعلان المكمل لم يستغل هذه الوضعية الجديدة ليسترد كافة الإختصاصات والسلطات المقررة للمجلس العسكرى بالمادة  56  من الإعلان الدستورى 30 مارس ، وإنما اقتصر على استرداد الإختصاص المقرر له فى البند (1) من تلك المادة ، وهو قاصر على التشريع ، والذى حرص النص على بيان أنه استرداد مؤقت لحين عودة مجلس الشعب ومباشرته لاختصاصاته . وهنا يمتلك الإعلان الدستورى المكمل حجته ، ليس فقط لاستحالة الاستغناء عن التشريع ، ولا لمجرد رد الوضع إلى ما كان عليه ، وإنما لأنه من غير المقبول أن يجمع الرئيس بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية ، فذلك غير دستورى ، وغير حميد .
          وتبدو حجة الإعلان الدستورى المكمل ، أكثر لزوما ووضحا ، فيما نصت عليه المادة
53 مكررا (1) المضافة ، من أن الرئيس يعلن الحرب بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة . فليس يجوز أو يقبل انفراد رئيس الدولة وحده بإعلان الحرب ،  ولم يعطه دستور 1971 هذه السلطة على
ما فيه من توسع فى سلطات الرئيس ، فنصت المادة 150 من دستور 1971 على أن إعلانه للحرب يجب أن يكون بموافقة مجلس الشعب . ومن ثم يبدو المجلس الأعلى للقوات المسلحة بديلاً مقبولا لمجلس الشعب الذى حل محله
ـ مؤقتاً ـ فى التشريع ، فضلا عن أنه القائم على أمور القوات المسلحة التى ستنفذ قرار الحرب ، والأعلم بظروفها وقدرتها وأوضاعها  .
         ويتصل بهذا النص ، وبما لم يثر حساسيات ، ما نصت عليه المادة 53 مكررا (2)  ،  من أنه يجوز لرئيس الجمهورية فى حالة حدوث اضطرابات داخل البلاد تستوجب تدخل القوات المسلحة ، وبعد موافقة مجلسها الأعلى ، إصدار قرار باشتراك القوات المسلحة فى مهام حفظ الأمن وحماية المنشآت الحيوية .
          كذلك لم يكن هناك بد ، ولا ضرر ولا ضرار ، مما نصت عليه المادة الثانية من الإعلان الدستورى المكمل من استبدال نص المادة 38 من الإعلان الدستورى 30 مارس ، بتقرير أن القانون ينظم حق الترشيح لمجلسى الشعب والشورى وفقا لأى نظام انتخابى يحدده  .
          فقد كان هذا الإستبدال ضرورة لا محيص عنها للإحتياط  مما أسفرت عنه تعديلات قوانين انتخاب المجلسين من عدم دستورية أفضت إلى رحيل مجلس الشعب بحكم أغلب اليقين أنه سيلحق به مجلس الشورى ، وضرورة أيضاً لرأب صدع حدث بتعديل المادة 38 من الإعلان الدستورى 30 مارس ، والتى عدلت خفية لمسايرة رغبة الإخوان فى تعديل قوانين إنتخابات الشعب والشورى ، فالذى لا يعلمه كثيرون أنه كان قد تم خفية ، بغير إعلان فيما عدا النشر المكتوم بالجريدة الرسمية 25/9/2011 ـ تعديل
المادة 38 من الإعلان الدستورى 30 مارس ، تعديلا ضريرا ، بأن أباح الجمع فى الإنتخابات بين نظام القوائم الحزبية المغلقة والنظام الفردى وبنسبة الثلثين للأول والثلث الباقى للثانى . ومن ثم كان الاستبدال الذى قررته المادة الثانية للإعلان المكمل ، ضرورة رشيدة لرد الأمور إلى نصابها ، ومنح الفرصة
للقانون لسن نظام للإنتخابات لا يصطدم بالمبادئ الدستورية ويتقى ما كان قد حدث !!!       بعد ذلك لا يبقى فى الإعلان الدستورى المكمل إلاّ المواد المضافة أرقام 53 مكررا ، 60 مكررا  ،  60 مكررا (1) ، وهى تحتاج إلى مزيد من التأمل للتعرف على وجهاتها ومقاصدها ودواعيها ، وهى فيما يبدو ، ولنا إليها عود ، كانت أساس القرار الفردى الذى انفرد به الرئيس ، بإلغاء الإعلان الدستورى المكمل برمته ، إلغاءً اقترن بفض المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، وإحالة رئيسه ونائبه إلى التقاعد ، فى انقلاب ناعم اشتمل أيضاً على إصدار الرئيس إعلانا منح فيه لنفسه سلطات أوسع كثيرا مما كان يمنحه دستور 1971 للرئيس ، واشتمل أيضا فيما اشتمل عليه على جمعه فى يده بين السلطتين التنفيذية والتشريعية  !!

الإعلان المكمل .. مواد تفسر ما جرى
     هناك صفحات محجوبة , سبقت الإعلان عن نتيجة لم تكن متوقعة للانتخابات الرئاسية , ربما كشفت الأيام مخبوءات ما دار فيها , على أن المواد التى استبقيت الحديث عنها من الإعلان الدستورى المكمل , كاشفة أو مفسرة لما جرى فى تلك الأيام التى كانت مفرزاتها من توابع الفوضى المتراكبة !
      المادة 53 مكرراً المضافة , تشير صياغتها إلى توازنات جرى الاتفاق عليها فى الخلفية , وهى تكشف عن احتياط استباقى قبله الرئيس , وأقسم اليمين على احترامه , وتنص تلك المادة على أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة يختص بالتشكيل القائم وقت العمل بهذا الإعلان المكمل , بتقرير ما يتعلق بشئون القوات المسلحة وتعيين قادتها ومد خدمتهم , ويكون لرئيسه ـ حتى إقرار الدستور الجديد ـ جميع السلطات المقررة فى القوانين واللوائح للقائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع .
      يحدث هذا النص عن مخاوف وتوجسات , سبقت تقرير إعلان النتيجة بفوز مرشح الإخوان على منصب الرئيس , وظهرت فيها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبى وتركيا ظهوراً لافتاً للنظر , بلغ حد الإلزام بوجوب إعلان نتيجة محددة , وازاه وتوافق معه مظاهرات فى ميدان التحرير , وهو ما دعانى إلى توجيه دعوة على الهواء من قناة صدى البلد إلى الحركة الوطنية من أجل مصر , كانت مبناها أن المتظاهرين بالتحرير ليسوا كل مصر , ولا يمثلون مصر , وأنه لا حق للولايات المتحدة ومن والاها , فى فرض إرادتهم على شئون مصر , وطلبت فى هذه الدعوة , ممن يقتنعون بما أقوله , وبخطابى الذى أبديه من شهور , أن يتفضلوا بإرسال برقيات على عنوانى البرقى صيغتها : " ننضم لكم فى الحركة الوطنية من أجل مصر " .. وأننى سأعتبر هذا استفتاءاً شعبياً , يتلاقى الصدامات , وبرغم مقاومة مكاتب البرق , مقاومة تشكى منها الآلاف , فإن البرقيات التى لا أزال أحتفظ بها , جاوزت المليون , فلما سبقتنا الأحداث , وأعلنت النتيجة فى مشهد جرت عليه ملاحظات , حولت الحركة إلى حزب " المصريون " تحت التأسيس , لنواصل من تحت راية النضال الوطنى من أجل دولة مدنية تحترم الدستور والقانون ومبدأ المواطنة والقيم الدينية مع التراث المصرى المتراكم عبر الأجيال , إلى آخر ما أعلناه فى المبادئ العامة لهذا الحزب .
      أما نص المادة 60 مكرراً من الإعلان الدستورى المكمل , فنصت على أنه إذا قام مانع ـ والمانع أوسع من مدلول الحكم , مثل عدم اكتمال النصاب مثلاً بالاستقالات أو الانسحابات أو غير ذلك ـ يحول دون استكمال الجمعية التأسيسية لعملها , شكل المجلس الأعلى للقات المسلحة , والذى حل فى التشريع محل مجلس الشعب , خلال أسبوع , جمعية تأسيسية جديدة تمثل أطياف المجتمع , لإعداد مشروع الدستور الجديد خلال ثلاثة أشهر من تاريخ تشكيلها , ويعرض مشروع الدستور على الشعب لاستفتائه فى شأنه خلال خمسة عشر يوماً  من تاريخ الانتهاء من إعداده وتبدأ إجراءات الانتخابات التشريعية خلال شهر من تاريخ إعلان موافقة الشعب على الدستور الجديد .
     وظنى أن هذا النص , لم يكن ليقع عليه خلاف لو خلصت النوايا , فقد رأينا كيف شكل عبد الخالق ثروت فى 3/4/1922 لجنة الثلاثين التى وضعت دستور 1923 المجمع على قيمة مبادئه وأحكامه العامة , رغم أنه وضع فى عهد الملكية , بيد أن النوايا لم تستطع قط ، التخلص من الرغبة فى الاستحواذ والهيمنة ـ وهى رغبة لا يحققها إلا تشكيل الجمعية التأسيسية على النحو الذى يريده الإخوان ويفرضونه ، وهو ما لا يتيحه أن يتولى المجلس العسكرى اختيار الجمعية التأسيسة ، ومن ثم بقى الاعتراض على هذا النص ، راقدا فى الأعماق ، رغم القسم ، حتى تتاح الفرصة للتخلص منه !
       والنص الثالث والأخير ، من النصوص التى ظنى أنها كانت محل نظر من الإخوان ، نص المادة 60 مكرراً (1) المضافة بالإعلان التكميلى ، مع أنها أقامت قواسم مشتركة ـ للتوازن وضمان المصلحة العامة ، فنص على أنه إذا رأى رئيس الجمهورية أو رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة أو رئيس مجلس الوزراء أو المجلس الأعلى للهيئات القضائية أو خُمس أعضاء الجمعية التأسيسية ، أن مشروع الدستور يتضمن نصاً أو أكثر يتعارض مع أهداف الثورة ومبادئها الأساسية  التى تتحق بها المصالح العليا للبلاد ، أو مع ما تواتر من مبادئ فى الدساتير المصرية السابقة ، فلأى منهم أن يطلب من الجمعية التأسيسية إعادة النظر فى هذه النصوص خلال مدة أقصاها خمسة عشر يوماً ، فإذا أصرت الجمعية على رأيها ، كان لأى منهم عرض الأمر على المحكمة الدستورية العليا، وتصدر المحكمة قرارها خلال سبعة أيام من تاريخ عرض الأمر عليها . ويكون القرار الصادر من المحكمة الدستورية العليا ملزماً للكافة ، وينشر هذا القرار فى الجريدة الرسمية خلال ثلاثة أيام من تاريخ صدوره ، وفى جميع الأحوال يوقف الميعاد المحدد لعرض مشروع الدستور على الشعب لاستفتائه فى شأنه والمنصوص عليها فى إعادة 60 من الإعلان الدستورى ، حتى الانتهاء من إعداد مشروع الدستور فى صياغته النهائية وفقا لأحكام هذه المادة .
      وأياً ما كان الرأى فى بعض مواد هذا الإعلان الدستورى المكمل ، فإنه كان ـ على علاته ـ   لرسم بعض الحدود إتقاءاً لمحاذير ، وتجنبا للفوضى الضاربة الأطناب من عام ونصف ، فهل أفلح فى تحقيق هذه الغاية ؟!