رجائى عطية يكتب: توابع الفوضى ( 3 )
ـــ
جريدة التحرير 24/9/2012

"التأسيسية” من بطلان إلى بطلان

بدأت الجمعية التأسيسية الثانية مهمتها، بمشكلات متراكبة جَرّاء العجلة، أو إن شئت جَرّاء شيوع الفوضى بتجاوز الأصول والضوابط والمعايير .. استقبلتها دعاوى قضائية ببطلان تشكيلها، لأنه جرى اعتسافا قبل صدور قانون بمعايير وضوابط تشكيلها، وخلافا لحكم القضاء الإدارى باختيار أربعين عضوا من مجلسى الشعب والشورى، واستقبلتها اعتذارات وانسحابات جسدت مشكلة إثر غياب مجلس الشعب بعد حكم الدستورية العليا 14/6/2012 ، فقد كان مجلس الشعب المنوط به استعواض من يتوفى أو يعتذر أو ينسحب أو يستقيل من عضوية الجمعية التأسيسية. فما الحل، ولم يعد لمجلس الشعب وجود؟ !

نبتت فكرة الأخذ من القائمة الاحتياطية بترتيب كتابة الأسماء فيها، فاعترض أحد أعضاء حزب التجمع بأن هذه العشوائية سوف تخل بالتمثيل النسبى فى تشكيل الجمعية.. فقد يكون المعتذر أو المنسحب أو المستقيل مسيحيا أو من الكنيسة، بينما الالتزام العشوائى بمجرد ترتيب كتابة الأسماء بالقائمة الاحتياطية، يومئ بمسلم أو بأحد علماء الأزهر، أو العكس . فيختل التمثيل النسبى بالجمعية فرد أحد أعضاء حزب الحرية والعدالة بأن غير ذلك سوف يؤدى إلى بطلان. فبدا أن الإجراءات تهرب من بطلان إلى بطلان !

وتوالت الانسحابات والغيابات، مع استقالة أربعة أعضاء من مجلس الشورى من عضوية اللجنة من الحرية والعدالة والسلفيين، درءا فى ما قيل لشبهة مخالفة قرار التشكيل الثانى للجنة، ولم يلتفت أصحاب الاقتراح إلى أن هذه الاستقالات تؤكد الشبهة ولا تنفيها، لأنها إقرار ضمنى بأن الاختيار من الشعب والشورى يوم انتخاب الجمعية كان خطأ، وأن العبرة فى تقييم القرار بعناصره وقت صدوره، ولذلك لا يجبر أن يستقيل أعضاء الشورى، أو أن تزول صفة العضوية بمجلس الشعب بعد حكم الدستورية العليا !

وفى محاولة لرأب بعض الصدع، صدّق رئيس الجمهورية واصدر مشروع قانون الضوابط والمعايير الذى لم يصدر قبل صدور حكم الدستورية العليا، وانقضى بذلك وجوده، لأن الاستثناء الذى جاء بحكم الدستورية العليا، لا ينصرف إلاَّ للقوانين التى صدرت صحيحة قبل الحكم، ولا يسرى على مشاريع القوانين التى لم تصدر، ومن ثم انصرف التصديق والإصدار إلى معدوم، وحمل مفارقة تتضح من مراجعة مواده، فكل ما تدعو إلى الالتزام به قد صار كله من الماضى، كأن القانون ينظم أسلوب حملٍ لمولود قد وُلد بالفعل، وكان ذلك من توابع الفوضى التى لا يمكن أن تُفضِى إلاَّ إلى فوضى تراكب الأغلاط غلطا وراء غلط !

ومع تفجر أزمة الغائبين للانسحاب أو الاستقالة أو الغياب، طفقت الجمعية تبحث عن حلول، افتقرت جميعها إلى سند المشروعية فى اختيارات الاستعواض، واقترح البعض أن تنتخب الجمعية ذاتها من قائمة الاحتياطين، وهو بدوره يفتقر إلى السند التشريعى، فى الوقت الذى صرح فيه أحد أساتذة القانون الدستورى من أعضاء الجمعية ذاتها، بأن قضية الغائبين بلا تصعيد الاحتياطى يشكك فى قانونية الجمعية وعملية التصويت إذا تمت قبل حسم الأمر، لتأثيره على نصاب التصويت إزاء ما أوجبته المادة 60 من الإعلان الدستورى 30 مارس من وجوب أن يكون تشكيل الجمعية من مئة عضو، بينما العدد قد تقلص إلى 89 فضلا عن معايب ومثالب احتكام الإخوان والسلفيين على 70% من تشكيل الجمعية !

ولأن الفوضى لا تأتى بخير، وليست خلاقة كما ادّعى الأمريكان، فإن تشكيل الحكومة الجديدة قد ألقى بمشكلات جديدة إلى الجمعية التأسيسية، باختيار أسامة يس ومحمد محسوب فى الحكومة، فقام التعارض بين وجودهما بالجمعية، وبين اضطلاعهما بحقائب وزارية فى الحكومة، ثم ما لبثت القرارات الجمهورية أن راكمت المشكلة، باختيار وتعيين ثمانية ما بين مساعدين للرئيس، أو مستشاريه، من أعضاء الجمعية، وشمل ذلك اثنين عُيّنا مساعدين الرئيس، وستة عينوا أعضاء فى الهيئة الاستشارية للرئيس !

وهذا يعنى أن عدد الجمعية بغير هؤلاء يتقلص إلى 79 عضوا، فقيل درءا لهذا الصدع، إنه لا تعارض ولا تأثير. وهذه قالة ضريرة، فالتعارض قائم وظاهر وغير جائز الازورار عنه. وحسبنا تمثيلا وإيضاحا لتهافت هذه الذريعة، أن المعروض الآن بإلحاح، وضع نص فى الدستور المزمع يكفل استمرار الرئيس فى ولايته بعد صدوره دون انتخابات جديدة، ومطروح بشدة رفع مدة رئيس الجمهورية إلى خمس سنوات بدلا من الأربع المنصوص عليها فى الإعلان الدستورى 30 مارس والتى جرت الانتخابات الرئاسية وفقا لها ولا دراء فى أن ذلك يصب فى جانب الرئيس ويجعل مساعديه ومستشاريه من أعضاء الجمعية التأسيسية فى حرج بالغ لا ينكره عاقل !

هذا محض مثال، فالتعارض قائم لا يحتاج إلى أمثلة، لأنه يخالف التجرد الواجب فى أعضاء الجمعية، وجلال المهمة القومية الموكولة إليهم، ومن اللافت أن الفوضى، وعدم احترام المشروعية، هى التى أسلست إلى كل هذه المشكلات المتراكمة، وأن الغرض فى الاستحواذ والهيمنة كان وراء هذه التخبطات، فأخفقنا فى ما نجح فيه رجل واحد، حين شكل عبد الخالق ثروت باشا، رئيس الوزراء، فى 3 أبريل 1922، ما سمى بلجنة الثلاثين، وهى من اثنين وثلاثين عضوا، لوضع دستور للبلاد (1923)، ضمت فى من ضمت أعلاما لا يقع عليهم خلاف، ومن شتى الطوائف والأحزاب والفئات، كان منهم تمثيلا لا حصرا الأستاذ حسين باشا رشدى، المحامى، والوزير، ورئيس الوزراء السابق، رئيسا للجنة، والأستاذ أحمد حشمت باشا نائبا للرئيس، والأساتذة: عبد الفتاح يحيى باشا، وعبد العزيز باشا فهمى، والدكتور على ماهر، ومحمد على علوبة باشا، وتوفيق دوس بك/باشا، وإلياس عوض بك، والأستاذ الكبير عبد الحميد بدوى بك/باشا. وآخرون. ورغم حملة الوفد ومعاداته لهذه اللجنة حتى أنه أطلق عليها لجنة الأشقياء، فإنها أنجزت دستورا رائعا لا يزال محل احترام فى مبادئه وأصوله العامة رغم أن ذلك كان فى عهد الملكية !

ارتباك دستورى مزمن للعسكر

بدا أن الارتباك هو سيد الموقف فى التعامل من البداية مع الملف الدستورى، ففى البداية أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة الإعلان الدستورى فى 13 فبراير، وتضمن تعطيل لا إلغاء دستور 1971، وتشكيل لجنة خلاف اللجنة التى شكلها الرئيس السابق، لتعديل المواد الأكثر حاجة إلى التعديل فيه، فانتهت إلى تعديل ثمانى مواد، وإلغاء المادة 179، وإضافة فقرة إلى المادة 189، ومادة برقم 189 مكررًا، وأخرى برقم 189 مكررًا (1 ) ، واستُفتى الشعب على هذه التعديلات لدستور 1971، فى 19 مارس 2011 فأقرها الشعب بنسبة 77% من الأصوات الصحيحة، ولكن بعد إعلان المجلس العسكرى النتيجة فى 23 مارس، اكُتشف للأسف مؤخرا! أن إتمام هذه الخطوة، يعنى عودة دستور 1971 إلى الحياة، بما فيه من سلطات واسعة جدًا لرئيس الجمهورية، وهى بيت الداء فى تورم واستبداد السلطة التنفيذية، فعَدل المجلس العسكرى عن إدخال التعديلات على دستور (1971) واستعاض عن ذلك بإصدار إعلان دستورى فى 30 مارس ليكون دستورًا مؤقتًا للبلاد لحين وضع دستور جديد. وتضمن الإعلان الدستورى المواد المعدلة والمضافة والمستفتى عليها فى 19 مارس، مع استبدال لفظ «اختيار» الذى كان فى المادة 189 مكررًا المضافة، ليكون «انتخاب» فى المادة 28 بالإعلان الدستورى، مع ملاحظة أنه خلا من تقرير سلطة لمجلس الشعب فى سحب الثقة من الحكومة، وخلا أيضًا وفى المقابل من تقرير سلطة حل مجلس الشعب، وأخذًا فى ما يبدو أنها فترة انتقالية مؤقتة لا تحتمل أيًّا من الإجراءين، ومع ذلك رأينا الجدل العقيم الذى فجر عمدًا، قبيل شهر ليس إلاَّ من بدء إجراءات الانتخابات الرئاسية، لسحب الثقة من حكومة الدكتور كمال الجنزورى، لتنشغل البلاد بهذه الحركة الفوضوية التى تناقض مؤشرات الأداء الإيجابى الملموس لهذه الحكومة ورئيسها الذى عاد فَحْلا بعد انتخابات الرئيس فى عين من هاجموه وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها لسحبه الثقة من حكومته، وفى توقيت غريب، ورغم خلو الإعلان الدستورى من تقرير هذه السلطة لمجلس الشعب، والذى ما لبث أن قضى فى 14/6/2012 المحكمة الدستورية العليا، باعتباره غير قائم لبطلان تشكيله، لعدم دستورية ما أدخل على نصوص انتخابه من تعديلات !

على أن الإعلان الدستورى 30 مارس، والذى نبتت فكرته من تحاشى محاذير تفعيل دستور 1971، ورده إلى الحياة بما فيه من سلطات واسعة لرئيس الجمهورية، لم يجد أمامه بُدًّا، من أن يضع بعض المواد الانتقالية لترتيب بعض السلطات لرئيس الجمهورية إذا ما انتخب، وكان هذا هو المتوقع الظاهر قبل وضع الدستور الذى أُرجئ للأسف إلى ما بعد انتخابات مجلسى الشعب والشورى، وكان لذلك عوادم عديدة أفضت ولا تزال تُفضى إلى كثير من الفوضى !

أعود إلى ما أورده الإعلان الدستورى 30 مارس، من مواد لتقرير سلطات لا مناص من تقريرها للرئيس إلى حين وضع الدستور، فنصت المادة 30 على أن يؤدى اليمين أمام مجلس الشعب، ونصت المادة 31 على أن اليمين خلال ستين يومًا على الأكثر من مباشرته مهام منصبه، نائبًا له أو أكثر ويحدد اختصاصاته، ونصت المادة 32 على سلطته الجوازية فى أن يعين فى مجلس الشعب عددًا من الأعضاء لا يزيد على عشرة، ونصت المادتان (35، و41) على سلطته فى تعيين ثلث مجلس الشورى، والمادة 54 على رئاسته مجلس الدفاع الوطنى، والمادة 59 على سلطته بعد أخذ رأى مجلس الوزراء فى إعلان حالة الطوارئ، وبوجوب موافقة أغلبية مجلس الشعب على إعلان حالة الطوارئ، بينما نصت المادة 56 على تولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة مباشرة السلطات المحددة فى تلك المادة، ونصت المادة 61، على أن يستمر المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى مباشرة الاختصاصات المحددة له فى هذا الإعلان، وذلك إلى حين تولى كل من مجلسى الشعب والشورى لاختصاصاتهما، ولم يكن فى الحسبان ما أتت به رياح عدم دستورية تشكيلهما، وحتى انتخاب رئيس الجمهورية ومباشرته مهام منصبه كل فى حينه .

ومع تزامن حكم «الدستورية العليا» 14/6/2012، وما ترتب عليه من رحيل مجلس الشعب وإيشاك «الشورى» على الرحيل، مع انتخاب رئيس الجمهورية، أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بعد مفاوضات جرت فى ما يبدو من وراء الكواليس، الإعلان الدستورى المكمّل، ونصت مادته الأولى على إضافة فقرة ثالثة للمادة 30 من الإعلان الدستورى 30 مارس وإضافة مواد بأرقام 53 مكررا، 53 مكررا (1)، 53 مكررا (2)، 56 مكررا، 60 مكررا، 60 مكررا (1 ) ، لمعالجة المستجدات التى لا بد من علاجها لحين إتمام العملية المتعسرة لوضع الدستور الجديد، ولإقامة توازن اعترض عليه الإخوان اعتراضات شديدة، بما فى ذلك ما أتت به الفقرة الثالثة المضافة إلى المادة 30 من أداء اليمين الدستورية للرئيس إزاء رحيل مجلس الشعب أمام المحكمة الدستورية العليا التى بدا أنها لم تعد تروق للإخوان، وصاروا على خصومة شديدة معها جاوزت مشروع إعادة تشكيلها الذى لم ير النور، إلى اتهامها بالتزوير، ثم تردد الرئيس طويلا فى أداء القسم أمامها والذى أدّاه فى النهاية على غضاضة، لكن سبقه ليلتها أداء لليمين أمام متظاهرى ميدان التحرير، ثم تلاه أداء قَسَم ثالث بقاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة، فى محاولة ظاهرة لرد الحياة إلى مجلس الشعب الذى لم يعد له وجود، فدُعِى إلى احتفالية القسم بالجامعة، وخولفت من أجله قواعد البروتوكول، وفى مشهد دعا الإمام الأكبر شيخ الأزهر إلى الانسحاب، بينما بقيت النار تحت الرماد، بشأن باقى ما تضمنه الإعلان الدستورى المكمّل !