رجائى عطيه يكتب : توابع الفوضى (2)

                                                                 جريده التحرير23/9/2012

عندما يتعامل مجلس الشورى كالتاجر المفلس

     من القواعد التى يعرفها رجال القانون، والتجارة، أن المشرع احتاط لمصائر عباد الله من تصرفات التاجر المشرف على الإفلاس التى تصدر فى ما يسمى «فترة الريبة»، ففتح باب الطعن عليها، وعدم الاعتداد أو الاحتجاج بها، والحكم بعدم نفاذها.. ففى هذه الفترة، المريبة، لا يهتم التاجر بإنماء وترشيد وتحسين تجارته، وإنما ينصرف للعبث بترتيب أوضاع على هواه بتصرفات غير سوية يسبق بها حكم الإفلاس القادم فى الأفق، يخفى ما يريد، ويسرب ما يشاء، ويسدد خانات لا علاقة لها بالحق أو أصول التجارة، وإنما لتحقيق ! مآرب وأغراض قبل أن يطبق عليه قضاء الإفلاس 
                                       
     ومن الفوضى التى بدا أنها ضربت فى كل شىء، أنه فى الوقت الذى آذن فيه حكم الدستورية العليا 14/6/2012، بأن مجلس الشورى يمضى فترة أشبه بفترة الريبة، لأن الحكم بحله أو باعتباره غير قائم قادم لا محالة لاتحاد السبب والعلّة، لأنه تشكل بذات القانون الذى قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستوريته، ومن ثم بطلان تشكيل مجلس الشعب واعتباره غير قائم منذ تشكيله، وذلك مؤشر لا يفوت أى لبيب أن مجلس الشورى يمضى أياما انتظارا لحكم محقق لا محيص عنه، لأن قانون تشكيله قضى فعلا بعدم دستوريته بقضاء نهائى بات لا رجوع فيه، ولا تملك المحكمة الدستورية ذاتها الرجوع عنه، ومن ثم صار أثره محتوما. وبدلا من أن يلملم مجلس الشورى أوراقه، ويتأهب للرحيل، اندفع فى همة ونشاط للانقضاض على الصحافة القومية وتتبيعها للإخوان.. اقتداء، وبصورة أكثر فجاجة، بما كان يفعله الحزب الوطنى، وكأن ثورة لم تقم لإصلاح هذه الأوضاع الفاسدة. حتى الاعتبارات المهنية ومعايير القدرة والكفاءة التى كان الماضى يلتزم بها فى اختياراته، ألقيت فى بئر السلم، وتجاهل المجلس الأعلى للصحافة، وشكل لجنة برئاسة محاسب، وليس فيها من الصحفيين إلا ستة من خمسة عشر عضوا، وطفق يذل الصحافة والصحفيين، ويفرض على من يرغب فى رئاسة تحرير أن يعرض نفسه، وأن يقدم طلبا مشفوعا بسيرته ومقوماته ومشروعاته وأفكاره للنهوض بالجريدة، دون التفات إلى أن من يقبل هذا الانحناء لا يرجى منه خير، ودون التفات إلى السجل الفعلى الذى ينطق
أداء بعض رؤساء التحرير الذين حققوا طفرة بالصحف التى ترأسوا تحريرها مثلما فعل الأستاذ ياسر رزق بصحيفة " الأخبار" !
         ولم يلتفت القطار المندفع إلى اعتراضات الصحفيين، ولا الدعاوى التى رفعت، ولا صرخات اعتراض العارفين التى أطلقت، ومضى ينهب الأرض نهبا بسرعة بساط الريح، قبل أن يسدل الستار على وجوده ذاته بالحكم المحقق المرتقب، وفاح ما جعل الأستاذ صلاح منتصر ينسحب من لجنة الاختيار انسحابا مسببا، ولحق به آخر، وبدا أن هناك سبق إصرار لا سند له إلا المعايرة الضريرة بما كان، مع أن ما كان فى الأربعين سنة الأخيرة، ازدراء رؤساء تحرير من وزن مصطفى وعلى أمين، ودعنا من هيكل الذى انسحب أو أُقصى فى بداية عهد السادات ، ومن وزن إحسان عبد القدوس، وأحمد بهاء الدين، وموسى صبرى، وأنيس منصور، وأحمد رجب، وكامل زهيرى، ومفيد فوزى، ومحسن محمد، ومكرم محمد أحمد، وإبراهيم سعدة، وجمال الغيطانى، وعصام رفعت، ومنير عامر وآخرين غيرهم ممن تميزوا بكفاءات مهنية لم يهتم بها قطار الشورى المندفع إلى مرماه فى الأَخْوَنة أو الموالاة فى أقل تقدير، حتى إنه خرج على الشروط التى وضعها هو، مثلما فعل فى مخالفة زاعقة فى رئاسة تحرير إحدى الصحف القومية الكبرى. وقيل إن المعينين الجدد ذهبوا بعد تعيينهم للقاء المرشد العام للإخوان المسلمين، وتوجهنا بسؤال صريح عن ذلك، فلم يجب أحد، ولم ينف أحد !
على أن الأداء الجديد جاء كاشفا عما تم تدبيره فى هذه الانقضاضة المؤسفة على الصحافة والصحفيين، فسرعان ما تلونت الصفحات، وانطلقت الأهازيج والطبول والتباريك، ومنعت أعمدة ومقالات لكبار كتاب، ولم تعد الصحافة القومية معبرة عن مصر والمصريين، وإنما مالت بوصلتها وهبطت مادتها، حتى لم نجد بُدًّا من إعلان حركة مقاطعة للصحافة القومية إلى أن تعود إلى المصريين من قبضة من ولوهم أمورهم فطفقوا بسرعة الريح يمالئون من أتوا بهم، بينما رأينا كفاءة مشهودة نُحِّيت! كالأستاذ ياسر رزق يتعاقد بمقابل كبير لرئاسة تحرير «المصرى اليوم»، ورأينا أستاذا كبيرا كالأستاذ حلمى النمنم رئيس مجلس إدارة «دار الهلال»، يذهب بقلمه إلى بعض الصحف الخاصة تأهبا لرحيل فاحت نذره، بينما انفلت شجار بنقابة الصحفيين فى اجتماع مجلسها استخدمت فيه الأيدى وتُبودلت الشتائم والتهديدات والتوعدات، وانفلت زمام الإفصاح عن رئاسة موعودة لمجلس إدارة إحدى صحفنا القومية الكبرى، ولم يجد الموعود على حساسية وضعه بمجلس النقابة حاجة إلى نفيها !
لا يحتاج اللبيب إلى طول تفكير ليدرك أن الصحافة القومية ستدفع ثمنا غاليا لما فعلته بها الفوضى بقرارات مجلس الشورى فى فتره الريبة السابقة لحله المحقق، ليس فقط بتراجع مبيعاتها وإعلاناتها التى بدأت فى التراجع فعلا، وإنما بهجرة الطيور التى بدأت الهجرة إلى الصحف الخاصة، حيث يلقون التقدير المستحق بعد أن انقلبت المعايير بالأخونة داخل الصحف القومية !
ولكن الذى يعجز أى عاقل عن فهمه، أن تروج الإدارة المصرية إلى أنها تجهز لاستصدار قرار رئاسى بتعيينات المعينين فى مجلس الشورى المشرف على الحل !

فوضى لجنة تعديل الدستور
من الفوضى، أو بالأحرى من الارتباك وقلة الخبرة، أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة، جريا على ما كان قد شُرعَ فيه قبل مغادرة الرئيس السابق لمنصبه، شكل لجنة ثانية، خلاف الأولى، لتؤدى مهمة تعديل المواد المعيبة بدستور 1971، وبغض النظر عن الملاحظات التى قيلت حول تشكيل اللجنة، وضم محامٍ من جماعة الإخوان إليها لا خبرة له بالمسائل الدستورية، فإنه كان الأجدى، أن يوكل إلى اللجنة إتمام هذه المهمة بمراجعة دستور 1971 برمته، وهى لو فعلت لكان من السهل جدا، بعد تقليص السلطات الواسعة المقررة فيه لرئيس الجمهورية، الإبقاء على هذا الدستور الذى لا عيب فى باقى مواده بعد هذه الإصلاحات المستفتى عليها فى 19 مارس 2011، وبعد تقليص سلطات رئيس الجمهورية، ولو تم ذلك، لكان كفيلا بأن يقينا الفوضى التى دخلنا فيها لوضع دستور لا نزال نتخبط فى ترتيبات وضعه من خلال التخبط فى تشكيل الجمعية التأسيسية، هذا التخبط الناجم عن رغبة الإخوان والسلفيين، فى الاستحواذ على الجمعية توطئة للاستحواذ على الدستور المزمع وضعه .
كانت هذه الغلطة، هى التى قادت إلى سلسلة من الأغلاط لا نزال نعانى منها حتى اليوم، أولها، وقد ذكرنا هذا سلفا، البدء بانتخابات مجلسى الشعب والشورى قبل وضع الدستور، بيد أن هذه الغلطة، وتوابعها، لا تزال إلى الآن تفضى إلى فوضى تفضى بدورها إلى فوضى !
تجلى هذا فى المحاولة الإخوانية-السلفية الأولى لتشكيل الجمعية التأسيسية، فقد فرضا خلافا لما ارتآه كل المصريين، أن يخصصا «حصة» تحكمية (50%) لمجلسى الشعب والشورى فى تشكيل الجمعية، وقاما بانتخابها من الإخوان والسلفيين طبعا، ولتشارك أيضا فى اختيار الـ50% المتبقية، وقد أفرز هذا التحكم الفوضوى، جمعية تأسيسية لا تعبر عن مصر، ولا عن مصالح مصر، ولا عن مقتضيات وضع دستور للبلاد يعبر عن كل المصريين، وليس فقط عن الفصيلين اللذين تمكنا من الاستحواذ على مجلسى الشعب والشورى نتيجة البدء بانتخاباتهما قبل الدستور، وبقوانين غير دستورية فُصلت لصالح الإخوان على نحو ما سلف، هى المراسيم 108، و120، و123 لسنة 2011. وكان من المفارقات المؤسفة أنه مع اختيار طالب بالسنة الأولى بطب الأسنان، ولاعب كرة، خلت الجمعية المتحكم فى اختيارها من قامات عديدة، سواء من أساتذة القانون والفقه الدستورى على التخصيص، أم من غيرهم من العلماء الكبار فى الاقتصاد والفكر السياسى، وفى الثقافة والتعليم، وفى الصناعة والزراعة والتجارة، وغير ذلك من المجالات اللازمة لوضع التصورات العامة للدستور الذى ينهض فى النهاية رجال القانون والفقه الدستورى على صياغتها فى مواد تشكل فى النهاية الدستور المأمول للبلاد .
لم يحتكم هذا الاختيار التحكمى المستحوذ إلى العقل، ولم يراعِ المصالح العامة، ولم يصدق أن هذا العمل الضرير مخالف للقانون ومآله إلى البطلان، إلى أن أتاه خبر اليقين فى حكم محكمة القضاء الإدارى الذى وقف قرار المجلسين لما شابه من بطلان تحدثت به الركبان، ورآه الجميع إلاّ المتحكمون فى هذا الاختيار الضرير !
ومع أنه أبدى من الإخوان، خلال حوار الأطياف الوطنية مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الاستعداد لتشكيل جمعية تأسيسية تعبر عن كل أطياف المجتمع، فإنه حين جد الجد، تخلف الإخوان عن حضور الاجتماعات، ثم فاجؤوا الجميع بعقد جلسة لمجلس الشعب قبيل الحكم القاضى بحله، حيث قاموا بوضع مشروع قانون لتحديد ضوابط ومعايير انتخاب الجمعية التأسيسية، ومن هوجة العجلة العَجُول، لم ينتظروا إصدار القانون سالف الإشارة، حيث يتفق الإعلان الدستورى 30 مارس ودستور 1971، على أن القوانين لا تصدر إلاَّ من رئيس الجمهورية الذى حل محله مؤقتا رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة .
سارع المجلسان: الشعب والشورى، صبحية المشروع الذى لم يصدَّق عليه، ولم يصدر، ومن ثم لم يَصِر قانونا، فاجتمعا وانتخبا جمعية تأسيسية، لم يكتفيا بأن 70% عن أعضائها من الإخوان والسلفيين، ولا بأن الاختيار كما سلف فى المرة الأولى قد تجاهل كثيرا من فقهاء القانون والدستور، وكثيرا من قامات مصرية عالية وقادرة ومحل احترام وتقدير، وإنما خالف حكم محكمة القضاء الإدارى، واختار أربعين عضوا من مجلسى الشعب والشورى وجميعهم كالعادة! من الإخوان والسلفيين، فحكموا سلفا على هذا الاختيار المتعسف بالبطلان، لعدة عيوب لا تفوت البصير! لندخل من فوضى إلى فوضى كما سوف نرى !