رجائى عطية يكتب: توابع الفوضى ( 1 )
ـــ
جريدة التحرير 20/9/2012

 الفوضى قرار غير دستورى لم يكن يملكه الرئيس السابق بتفويض المجلس العسكرى بإدارة شؤون
البلاد .

      واهم أو خادع مخادع، من يزيِّن لنفسه أو للآخرين، أن الفوضى خلاقة، أو يمكن أن تكون خلاقة، ونحن لو راجعنا ما جرى على مدى عام ونصف، لبدا لنا أن الفوضى أخذتنا بعيدا بعيدا، وأنها أنتجت من العوادم والأضرار ما يستحيل معها أن تكون خلاقة، بل ومن المؤكد أنها هادمة مدمرة، هدمت ودمرت كثيرا، وعصفت بغير تمييز بالطيب والردىء، وخلقت أوضاعا بالغة الضرر يحتاج إصلاحها إلى عشرات السنين إن استقامت النيات والمقاصد، وتوافرت المعرفة مع الهِمم والعزائم !
     وأول الفوضى قرار غير دستورى لم يكن يملكه الرئيس السابق بتفويض المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد، والإدارة على أية حال غير التشريع والتقنين والحكم،وهذه كلها باشرها المجلس على الواسع، وثانى هذه الفوضى أن الثورة المتذرَّع بها لم تكن هى التى تولت المقاليد، لأنه لا كيان ينظمها ولا قيادة لها تسيِّرها، ولأنها فوق ذلك وقبله لم تكن لديها أجندة للإصلاح. وثالث هذه الفوضى أن من تولوا المقاليد دون أن يكونوا هم الذين قاموا بالثورة، تذرعوا بشرعية ثورية ليست لهم، امتدت ممارساتها إلى كل شىء بغير ضوابط حاكمة، ودون رعاية للأصول العامة. ورابع هذه الفوضى أن المجلس العسكرى وإن بدأ بتعطيل دستور 1971 وتشكيل لجنة ثانية لوضع تعديلات للمواد الأكثر إلحاحا لتغييرها، واستفتى الشعب على هذه المواد فى 19 مارس 2011، إلاّ أنه عُدِّلَ بنفس الأسبوع عن إتمام ما شُرِعَ فيه، وأصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة إعلانا دستوريا فى 30 مارس ليكون بديلا عن دستور 1971 الذى لم ينشغل أحد بمدى مشروعية إلغائه. وربما خفف الأمر أن الإعلان الدستورى (30 مارس) طوى على المواد المعدلة المستفتى عليها، واقترن ذلك بتبشير بوضع دستور جديد للبلاد، كان المنطق أن يسبق ما عداه، ليجرى على أساسه بناء الدولة الدستورية وفقا لمبادئه وأحكامه. وخامس هذه الفوضى البدء قبل الدستور بانتخابات مجلسَى الشعب والشورى التى كانت هدية للإخوان المسلمين والسلفيين، أعطتهما أسبقية على أحزاب ورقية لم تُتَح لها فرصة جبر ما لحق بها من وهن بممارسات النظام السابق، ودون إتاحة الفرصة لتشكيل أحزاب جديدة من واقع الثورة ومفرزاتها، وسادس هذه الفوضى أنه فى هذا التوقيت بدا جليا أن الثورة المتذرع بشرعيتها الثورية! أزيحت تماما خارج المشهد، واحتل الإخوان والسلفيون كامل المشهد، رافعين، ولا بأس، شعار الثورة، ولكن الهدف كان الاستقواء والاستحواذ واحتلال كامل المشهد فى الحاضر وفى المستقبل، ومع ذلك مضى المجلس العسكرى يدعم واعيا أو غير واعٍ تسليم البلاد إلى الإخوان الذين بدؤوا شيئا فشيئا يتقدمون السلفيين بخطوات كفلت لهم الاستئثار دونهم بالفعالية .
وسابع هذه الفوضى فرض نظام الانتخاب بالقوائم الحزبية المغلقة، ولها النصف، والنصف الآخر للمقاعد الفردية، مع أن المستقلين أكثر من عشرة أضعاف الحزبيين، ومن ثم كانت القسمة غير عادلة، وثامن هذه الفوضى أو القسمة الضريرة على ما فيها من تمييز للحزبيين، أو إن شئت للإخوان والسلفيين، فإنه ما كاد يصدر المرسوم بقانون 108/2011 فى 19/7/2011، ولا يُنشر بالجريدة الرسمية إلا فى 27/9/2011، وذلك لغز سينجلى حالا، فما كاد يصدر المرسوم 108، إلاّ وصدر بهذه القسمة المنحازة إلى صالح الإخوان المرسوم بقانون 120/2011، والغريب اللافت أن يصدر وينشر فى 26/9/2011، أى قبل يوم من تاريخ نشر المرسوم بقانون 108/2011 فى 27/9/2011، مع أنه يعدله مما يستوجب أن يكون بعده لا قبله، أما التعديل فكان الهدية الثالثة للإخوان، بتعديل النسب بين القوائم الحزبية والمقاعد الفردية إلى الثلثين للقوائم الحزبية، والثلث للمقاعد الفردية، ليكون تمييز الأحزاب أو قُل الإخوان والسلفيين تمييزا مضاعفا مركبا يخل إخلالا جسيما بمبدأ المساواة، ومع ذلك ظل الإخوان يتشكّكون ويملؤون الدنيا صياحا بأن المجلس العسكرى يعاديهم ويظلمهم، وعلى أثر فوضى المليونيّات التى اختفت الآن اختفاء له دلالته، قام المجلس العسكرى بعد 12 يوما فقط بإصدار المرسوم بقانون 123/2011 الذى صدر ونشر فى 8/10/2011، مقدما الهدية الرابعة للإخوان، بإلغاء ما كانت قد قررته المادة الخامسة من هذه المراسيم عن قصر الترشح على المقاعد الفردية على المستقلين دون الحزبيين، وفرضت جزاء لمخالفة ذلك، ومن ثم أطلق بإلغائها الحبل على الغارب لأعضاء الأحزاب، وفى مقدمتهم الإخوان والسلفيون للترشح على الثلثين المقررين للقواعد الحزبية المغلقة، وللترشح أيضا على الثلث المهيض الباقى للمستقلين، فى خروج صارخ على مبدأ المساواة الذى ضرب فى عدة مقاتل دعت العارفين إلى القطع بعدم دستورية ما سوف تجرى عليه انتخابات الشعب والشورى مما يعرضهما للبطلان والحل، إلاَّ أن زهو النفوذ والغلبة كبير، وأثر الفوضى مغرٍ، فضلاً عن أنه سقيم !
2 ـ تحت مظلة الفوضى المقرونة بزهو الاستحواذ جرت فى البرلمان مشاهد مؤسفة خرجت عن التشريع
على أسنّة الرماح، وتحت مظلة هذه الفوضى، تشكَّل مجلسا الشعب والشورى تشكيلا مشوبا بالبطلان لعدم دستورية أساس البناء، وتحت مظلة هذه الفوضى المقرونة بزهو الغلبة ودوافع الاستقواء والاستحواذ، جرت فى برلمان مصر العريق، مشاهد مؤسفة خرجت عن التقاليد وعن مبادئ التشريع على السواء. ودعنا من التقاليد، فالحديث عنها ترف إزاء ما نحن فيه، ولنراجع ما جرى إجمالا فى مسألة الرقابة البرلمانية ومسألة التشريع، لنرى خلطا معيبا فوضويا فى مباشرة الرقابة البرلمانية، بهجوم ضارٍ على القضاء وعلى النائب العام ومطالبة بعزله رغم حصانته، ومطالبات بتطهير القضاء، فى خلط يسقِط المبدأ الدستورى بالفصل بين السلطات، وعدم جواز تدخل إحداها فى شؤون الأخرى، وتزامن مع ذلك هجوم ضارٍ آخر على الشرطة سَكَتَ الآن! فى خلط وتخليط بين مباشرة الرقابة البرلمانية، وهى مباحة بل ومطلوبة، وبين إحلال البرلمان نفسه محل السلطة التنفيذية، ليدير ويتصرف فى شؤونها تحت دعاوى تطهير الشرطة وإعادة هيكلتها .
       أما التشريع، فقد ضربته الفوضى فى مقتل، بسَنَّ ما سُمِّى قانون العزل السياسى الذى طُرِّز تطريزا طُوِى على عدة مخالفات دستورية، بغرض الحيلولة دون ترشح عمر سليمان وأحمد شفيق بعد بدء سباق الانتخابات الرئاسية، وافتقر هذا التشريع إلى مبدأ العمومية والتجريد، وهو مبدأ دستورى، لأنه استهدف أشخاصا بذواتهم، وخالف مبدأ المساواة بتمييز بين هذا وذاك تبعا للغرض المغرض من القانون، فعزل مناصب، وترك غيرها بغير علّة ظاهرة، ثم أوقع عقوبات فرضها بالقانون خلافا للمبدأ الدستورى، أنه لا عقوبة إلا بحكم قضائى، أى فى محاكمة يتاح فيها للمتهم كما يتاح للمدَّعِى أن يبدى ويقدم دفاعه، وليصدر حكم قضائى لا بتحكم سلطة بقبول الدعوى أو رفضها .
     وكان من الفوضى الضاربة فى كل شىء، أن استُهدفت المحكمة الدستورية العليا ذاتها ولا تزال مستهدفَة وفى توقيت كان معروضا عليها فيه، عدم دستورية قانون انتخابات مجلس الشعب والشورى، وعدم دستورية قانون العزل السياسى، وبدا داخل هذه الفوضى التى استهدفت «الدستورية العليا»، بدعوى إعادة تشكيلها، مع أن قضاتها غير قابلين للعزل، وتغيير رئيسها الذى لم يكن باقيا على خدمته سوى شهر يُحال بعده إلى المعاش، يضاف إلى ذلك أن مجلس الشعب قد أعد آنذاك عدة مشروعات لقوانين أخرى قدر أنها سوف تعرض لزاما لعيوبها الدستورية على المحكمة الدستورية العليا، منها إلغاء المرجعية الإسلامية الأولى للأزهر الشريف، ومنها تغيير نظام انتخاب فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر بجعله للقاعدة العريضة ليصير الاختيار لهذا الموقع الرفيع كانتخابات المجالس الشعبية المحلية، نهبا للأهواء والتيارات والانحيازات والرجوات والإغراءات والوعود والجعول، ومن هذه المشروعات مشروع استهداف تحصين بعض القوانين من الرقابة الدستورية، خلافا للمبدأ الدستورى أن المحكمة الدستورية هى التى تختص دون غيرها بالرقابة على دستورية القوانين .
     ومن هذه الفوضى أن الإخوان شنوا آنذاك حملة ضارية على المجلس الأعلى للقوات المسلحة، مع أن أداءه -والله أعلم بالنيات- قدَّم لهم هدايا تلو هدايا يستحيل معها أن يُقال إنه كان ضدهم أو كان يستهدفهم، بل إن هذا الأداء -ولا نتهم أحدا فى مقاصده- قد فرش الطريق ممهدا لهم للاستحواذ شيئا فشيئا على مفاصل الدولة .
     ومن هذه الفوضى أن تُحَمَّل المحكمة الدستورية العليا بجرائر تشريعات خاطئة، الذنب فى عدم دستوريتها ذنب واضعيها أو المحرضين على وضعها أو الضاغطين لفرضها، بعضها صنعته الأغلبية الإخوانية بمجلس الشعب كقانون العزل السياسى، والبعض أصدره المجلس الأعلى للقوات المسلحة نزولا على رغبة أو ضغوط الإخوان، كالمراسيم 108، و120، و123 لسنة 2011. والأغرب أن رئيس اللجنة التشريعية بمجلس الشعب -وهو من الإخوان- سلَّم وجاهر بأن قانون العزل السياسى غير دستورى، ومع ذلك لم يجد الإخوان بأسا من شن حملة ضارية على المحكمة الدستورية العليا التى لا يطالبها عاقل بأن تقضى بدستورية ما لا دستورية له! ومن هذه الفوضى، الأسلوب الذى قُوبل به قضاء المحكمة الدستورية العليا، وكان من هذا الأسلوب غير المشروع إصدار قرار جمهورى بالدعوة لانعقاد مجلس الشعب الذى قُضِى فى 14/6/2012 بأنه غير قائم منذ تشكيله، لبطلان وعدم دستورية القانون الذى جرت انتخاباته هو ومجلس الشورى على أساسه! فبدا فى هذه الفوضى أن القرار يسعى لإيجاد ما لا وجود له، ثم كان من الإمعان فى هذه الفوضى التى أعطت ظهرها تماما للقانون وللمبادئ الدستورية، أن يُحال حكم المحكمة الدستورية العليا إلى محكمة النقض بدعوى أن المسألة مسألة صحة عضوية، ولم تكن كذلك، وإنما هى بطلان تشكيل المجلس برمته بصرف النظر عن أعضائه، لما شاب تشكيله من بطلان وعدم دستورية القانون الذى شكل وكذا مجلس الشورى على أساسه .
      ولأن الفوضى لم تصل، ولن تصل بمشيئة الله، إلى محكمة النقض، فإن رئيسها قد جمع الهيئة العامة للدوائر مجتمعة، وهى تتشكل من رؤساء الدوائر المدنية والجنائية بالمحكمة، لتنظر فى ما أحاله مجلس الشعب إليها، فقضت قضاءها المتوقع بالرفض وبأنه لا اختصاص لها بما أحيل إليها !
      ومن الفوضى التى طفقت تضرب أطنابها، أن مجلس الشورى المتوقع يقينا القضاء دستوريا بأنه غير قائم منذ تشكيله، أبى فى إطار سياسة الاستحواذ والسيطرة والهيمنة، إلا أن يفتح ملف الاستيلاء على الصحافة القومية !
يُتبع ..