الكــرم كــان عــنـوان القريــة .. أيـــام زمــان
صوت طلقة "مدفعجى" المديرية على الإفطار مازالت فى ذهنى

  • فى البداية "رمضان" الطفولة.. كيف تتداعى فى ذهنك صوره؟

- مر بى رمضان على مدى عمرى ، الذى بلغ الآن 73 عاماً، بمراحل مختلفة، طبيعى بعد هذا العمر، ومع الحنين إلى الماضى، أن أعود إلى سنوات الطفولة وكانت فى أوائل الأربعينيات من القرن المنصرم، ومازلت أذكر، كيف كانت هذه الفترة مصحوبة بأشياء تتحرك لها وجداننا.

  • مثل ماذا؟

- على سبيل المثال، كنا نبقى مستيقظين إلى أن يأتى "المسحراتى" لينادى فى "بير السلم" على السكان اسما اسماً، من كبار كل عائلة، وحينما كبرنا بعض الشىء، كنا نتمنى أن يتفضل "المسحراتى" ـ وكان جهير الصوت ـ بأن يذكر أسماءنا وسط أسماء الآباء.

  • هذا المشهد مازالت تذكره رغم مرور كل هذه السنوات؟

- أذكره، لأنه بقى ـ فى وجداننا ـ معلماً من معالم رمضان، فالمسحراتى مع "فانون" رمضان حالة خاصة كانا لدينا، ومع "المسحراتى" لم نكن نكتفى بالفرجة.

  • إذن ماذا كنتم تفعلون؟

- كنا نشترى "الفانوس" ونطوف به ومن المشاهد الآخرى، وجدتنى اتذكره، وهو أننا كنا ونحن "صغار" نذهب إلى "الحديقة" حيث كان فيها مكان مخصص لـ"مدفعجى" المديرية، ومدفعه الضخم الثقيل، حيث كانت تخرج منه طلقة بارود لها دوى عنيف، يهز أركان المدينة.

  • كان هذا "مدفع" رمضان.. أليس كذلك؟

- نعم.. وكانت هذه الطلقة متزامنة مع أذان المغرب، فى ذلك الوقت لم يكن هناك "ترانزستور" ولا حتى "الراديو" لم يكن هذا متاحاً فى معظم مدينة "شبين الكوم" عاصمة محافظة المنوفية حيث نشأت ، الإذاعة أنشئت فى مايو 1943، فى أوائل الأربعينيات لم تكن ظروف الناس تسمح بشراء "الراديو" ، ولم تكن البيوت كلها بجوار المسجد، وبالتالى كان الحل فى المدفع حتى تفطر الناس.

  • وهل كان مدفع الإفطار "يسمع" شبين الكوم كلها؟

- كان يفعل ذلك بالفعل.. وتسمع المدينة صوته من أقصاها إلى أقصاها، ومازلت أذكر.. كيف كانت العادات والتقاليد وقتها، حريصة على إقامة احتفالات على أبواب الأسر، تفتح فيها الأبواب على مصاريعها للعامة.

  • وقت الإفطار؟

- نعم .. ويتم احتساء "قمر الدين" و"الخروب" و"الكنافة" و"القطايف" كان جواً بديعاً جداً، ومازلت أذكر أحد أقارب والدتى ـ رحمة الله على الجميع ـ كان يقيم "ندوة" يومية كل ليلة، فى منزلة بصورة مبهرة.

  • هذه الصورة عن رمضان فى المدينة.. فلماذا عن رمضان فى القرية فى ذلك الزمان؟

- عندما كبرت قليلاً، كنت أعشق أن أعود للقرية فى مركز "تلا" بالمنوفية ، حيث كنت قريب الصلة بأخوالى، وكنت أذهب و"أحل" ضيفاً عليهم، ورأيت ليالى رمضان فى القرية.

  • وكيف كانت وقتها؟

- كانت القرية تتجمع فى "الدوار" حيث كانت عائلة "نصار" تتجمع فى "الدوار" وتقف أمامه، إلى أن يؤذن للمغرب، كل أسرة من أسر العائلة تتجمع، وتوضع أمامها "صينية" بما لذ وطاب من الطعام والشراب، كل ذلك داخل "الدوار" وتجد الأب وأولاده الذكور، أما الإناث فكن فى المنزل مع الأمهات، وكانت هناك مباريات يتبارى فيها الجميع شعارها "الكرم" والحب وحسن الضيافة، وكنت باعتبارى ضيفاً ، أظل ـ تقريباً ـ 10 أيام أو 15 يوماً ، أتنقل على كافة "صوانى" العائلة، أفطر بما لذ وطاب.

  • هذا عن طقوس الإفطار.. فلماذا بعده؟

- ينتهى الإفطار ، وتلم "الصوانى" ويجتمع الكل مرة ثانية فى "الدوار" فى سمر لا ينتهى حتى "المسحراتى" وتعلمت الخطوات الأولى فى المعلومات، والثقافة العامة من شيوخ العائلة فى ليالى رمضان، سمعتهم يتحدثون عن "القمصان الزرقاء" و"القمصان الخضراء" ثم اسمع اسم النحاس باشا وماذا يفعل، وأحمد حسين فى مصر الفتاة، وهكذا.

  • كانت السياسة حاضرة؟

- حاضرة وبقوة، وفى هذه الأمسيات الرمضانية الليلة سمعت اسم "هتلر" وعرفت أخباره، وغيرها من الاتجاهات والأخبار والصور الثقافية، والحكايات الخرافية والأساطير، وكان "العجائز" من أهلنا يملأون حنيناً للمعرفة بالحكى والكلام والحكايات ومازالت أذكر "ستى مبروكة" و"الست شلبية" التى كانت تأتى لتخزن "السمنة البلدى" كل عام.
- بل ممتازة فى حكاياتها التى كانت تحكيها لنا ونحن مازلنا فى طور التشكيل، لقد كانت حكايات "خالتى شلبية" تثير خيالى أضعف ما تثيره حكايات "ألف ليلة وليلة" مرت هذه المرحلة ، بكل ما فيها من جمال رمضانى أثر فى وعينا ثم جاءت مرحلة الجامعة، وكان لرمضان فى هذه المرحلة صورة أخرى مختلفة.

  • كــيف؟

- وقتها كنا شلة من كلية الحقوق وأخرى من كلية الهندسة، اعتدنا أن نذهب كل يوم لنسهر فى منطقة الحسين، وكان فى الحسين ـ وقتها ـ مقهى اسمه "مقهى المجاذيب" وكانت معلماً من معالم الحسين وقتها ، وأذكر أنه كان يمر علينا رجل أبيض "البشرة" وأحمر اللون، اسمه "المرشال" على.
- بالضبط ، ولكنه كان "مجذوباً" ظريف الشخصية، خفيف الظل ، يخرج كل ليلة فى موعد محدد، يرتدى "زى" مرشال، ومعه على صدره وكتفه كم من "النياشين" مهول، وعلى رأسه "كاب" أحمر، ويستقبل بالهتافات من رواد المكان.

  • هل كان يجلس معكم؟

- لا.. لكنه كان يتوقف ليتحدث ويهزر ويدخل "قافية" ، مع أى مجموعة وينتصر عليها، ثم يغادر المكان سريعاً، وكانت أيام كلها روحانيات ، وأفراح ، وسعادة ، وهدوء قلب ، وأحلام شباب وقتها.
  هل حدث أن جاء رمضان عليك .. وكان فارقاً فى حياتك؟
- حدث فى التسعينيات، حيث كنت فى عشاء عمل، وكان معى وقتها الأستاذ محمد عبد المنعم رئيس مجلس إدارة وتحرير مجلة روزاليوسف وقتها، وكنا على "مشارف" رمضان، وقال لى: أريد أربع مقالات لرمضان.

  • وكتبت للمجلة وقتها؟

- نعم، وجلست أفكر ماذا أكتب؟ تذكرت أننى فى عام 1982 أصبت بأزمة قلبية شديدة، ألزمتنى منزلى أكثر من شهرين، وفكرت أن استثمر هذا الوقت فى أن أكتب حلقات درامية للإذاعة المصرية بعنوان "من لباب العقول فى أسباب النزول".

  • وبماذا كنت تقصد بهذا العنوان؟

- هذا عنوان كتاب للإمام السيوطى اسمه "من لباب العقول فى أسباب النزول"، فأردت أن أعالج مناسبات التنزيل "فى السيرة النبوية" معالجة درامية، واستفدت وقتها من كتاب "توفيق الحكيم" عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأردت ـ بطريقة غير مباشرة ـ أوضح للناس أن الإسلام بسيط، ونحن الذين "نعقد" الأمور.

  • وأذيعت الحلقات الإذاعية؟

- لا .. لم يحدث.

  • لماذا؟

- لن الحلقات ـ كتابة ـ لم تكتمل ، حيث كتبت 17 حلقة ، ثم وضعت ما كتبته فى "درج" مكتبى، وظللت حتى أواخر التسعينيات، وتذكرت وقلت استخرجها وأقدم لـ"روزاليوسف" أربع حلقات، لكن عندما "قلبت" فى الأوراق، وجدت نفسى غير راض على العمل، لقد مر عليه 15 سنة، والإنسان الذى ينمو لا يعجبه اليوم ما كتبه بالأمس.

  • إذن أعدت الكتابة مرة ثانية؟

- نعم .. هذا ما حدث ، فالمادة والمراجع موجودة ، واستكملت تفسير القرآن الكريم، وجمعت ـ تقريباً ـ كل التفاسير ، وعكفت على إعادة كتابة الحلقات للمجلة، ونشرت حتى وصلت إلى 101 حلقة أسبوعية ، وشعرت وقتها بحالة من السعادة والطمأنينة والتيسير الربانى لما أقوم به فى "السيرة النبوية فى رحاب التنزيل" وأنجزت هذه الحلقات، ووصلت إلى سنة 10 هجرية ولم يعد إلا أوائل سنة 11 هجرية وتنتهى السيرة بوفاة المصطفى عليه الصلاة والسلام فى 12 ربيع أول عام 11 هجرية.

  • ولماذا لم تكمل النشر فى مجلة "روز اليوسف" وقتها؟

- حدثت تغييرات صحافية وترك الأستاذ محمد عبد المنعم مقعده وجاء غيره وشعرت باختصار، أنه ليست هناك رغبة وشعرت باختصار، أنه ليست هناك رغبة لاستكمال الحلقات، وقامت روزاليوسف بعمل العمل فى مجلد ـ ضمن أربعة مجلدات فى تاريخ المؤسسة ـ باعت النسخة الواحدة أى المجلد بـ30 جنيهاً.

  • يبدو أن كتابة السيرة لم تعد عليك بالثواب فى الأخيرة فقط ، بل عادت عليك بالأموال؟

- ومن أين الأموال؟

  • من البيع الذى قامت به روزاليوسف؟

- أنا لم أتقاض أجراً لا على المقال ولا على بيع المجلدات.

  • ورغم ذلك أوقفوا النشر؟

- آه .. هذا ما حدث وقتها، وتوقف النشر قبل أن ينتهى، وأنا أثرت السكوت، وطبعت المجلد الخامس خارج "روزاليوسف"، وأنا حالياً أكتب فى المجلد السادس والأخير، أرجو من الله ـ فى هذه الأيام العطرة ـ أن أكمله على خير ، وكان رمضان هو نقطة البدء لكتابة السيرة النبوية.

  • أظن من هنا حدث تقارب بينك وبين الإمام الراحل الشيخ محمد سيد طنطاوى؟

- نعم.. ولكن لم يكن بخصوص السيرة ، إنما الشيخ الراحل تعرض لحملات ظالمة كثيرة وقذف فى حقه، وفوجئت به فى يوم ما يعرض علىَّ أن يأتى إلىَّ ، وقلت له : أنت لا تأتى، بل أنا الذى آتى إليك، وذهبت إليه، وقفت بجواره، وتوطدت أواصر العلاقة بيننا ، وأهديته ما كتبته، وأهدانى ما كتبه، وبقيت بيننا صداقة صادقة حتى رحيل الإمام رحمه الله عليه.

  • ظلم الشيخ محمد سيد طنطاوى؟

- باليقين ظلم .. وإذا أردت أن تجمعه فى كلمة فهو رجل ربانى، وإنه زاهد ، وعفيف ، ومتعفف ، وعرف بعد رحيله، أنه تبرع بالملايين لإقامة معهد دينى ودور عبادة ، على خلاف ما يتصور الناس ، وما هاجمه به البعض.

  • رمضان 2011 هل جاء مختلفاً على مصر؟

- للأسـف.

  • ولماذا الأسف ؟

- لأن البلد اليوم تشهد فوضى عارمة ، اختلط فيها الحابل بالنابل، واسقطت القيم ، وهناك من يسعون للمزيد من هدم مصر، وإلى هدم القيم، بزعم أنهم يتحدثون بلسان الثورة.

  • وهل ليس لهؤلاء علاقة بالثورة؟

- الثورة قامت وأنجزت فى أيام واسقطت النظام، ومن نراهم اليوم على المسرح لا ينتمون للثورة، ومن نراهم اليوم على المسرح لا ينتمون للثورة ، إنما يريدون أن "يركبوا" على الثورة، وأن يفرضوا أنفسهم فى كل ـ وعلى كل ـ شىء، حتى أصبحنا نجد ـ بينهم ـ من يريد أن يفرض علينا الوزراء حسب هواهم، مع أن اختيار الوزير ينبغى أن يخضع لمعايير موضوعية.

  • وهذه المعايير مسئولية من؟

- مسئولية مصر الدولة .. وليست من عمل أصحاب الهوايات ، ولا أصحاب المآرب والأغراض.

  • كيف ترى الحاضر والمستقبل؟

- أخشى ما أخشاه أننا مقبلون على مرحلة بالغة الخطر ، فهناك من لا يدركون ـ بالقصد وبغير القصد ـ وبالوعى ـ وبغير الوعى ـ أنهم يؤدون إلى إنهيار الدولة المصرية.