قيم الثورات


        الحديث عن القيم والثورات ، قد يبدو حديثا غريبا بحكم معنى الثورة وخروجها للتغيير عن المألوفات ، وبحكم التاريخ الذى حمل أحداثا دامية صاحبت ثورات سفكت فيها الدماء بغزارة ، وحصدت الأرواح بغير حساب ، وتحولت الإصلاحات إلى انتقامات دفعت إلى السجون بمئات الآلاف ودون تمييز بين المذنبين والأبرياء .. ولعل ما صاحب الثورة الفرنسية وتلاها فيما سمّى عهد الإرهاب ـ أبرز الأمثلة على ما قد يصاحب الثورات من ممارسات تجعل الحديث عن قيمها حديثا غريبا إن لم يكن شاذًا !      ومع ذلك يبدو لى أن الحديث عن قيم الثورات ضرورى وواجب ، لأنه الضمان الحقيقى الوحيد لحمايتها من نفسها وصيانتها عن الانحراف عن أهدافها التى قامت من أجلها ، ورعاية خطواتها لتمضى فى أمان وبلا مظالم لتحقيق غاياتها .
وقيم الثورات ـ إن أرادت ـ مسئولية قياداتها ، لأن التاريخ وعلم النفس يقولان لنا أن الكتل لا عقل لها ، وأنها فى اندفاعاتها المتحمسة  كثيرا ما يخالطها روح القطيع ، فيرتكب المجموع ما يأباه كل فرد منه إذا وقف وقفة مع نفسه ونجح فى استخراج حركته من اندفاعات المجاميع .. كان من قيم ثورة 1919 ـ وكانت لها قيادة ـ الضرب فى قوات الاحتلال لأن الجلاء والاستقلال كانا الغاية ، وتحقيق هذه الغاية يصطدم اصطدام لزوم بقوات وآليات وإدارة الاستعمار الجاثم على البلاد .. ولكن لم يكن من أهداف ثورة 1919 ، وبالتالى مناف لقيمها ، تدمير الممتلكات المصرية .. ففيما عدا ما تختلط فيه الأهداف حين تكون الغاية ـ مثلا ـ تعطيل مواصلة أو طريق أو خط حديدى للحيلولة بين قوات الاحتلال وبين حركة مقصودة لإجهاض الثورة ، فيما عدا ذلك فإن التخريب الصرف للممتلكات المصرية بلا غاية ـ وقد حدث أحيانا ـ يغدو عملا ضريراً اندفعت إليه المجاميع بروح القطيع فخرجت دون أن تعى عن أهداف وعن قيم الثورة !     الثورة كل ثورة ، ينبغى إذن أن تكون لها قيم مرتبطة بأهدافها وغاياتها ، وتسير خطى الثورة وطيدة ما التزمت بهذه القيم والغايات ، وقد كان لثورة يوليو 1952 قيادة ، نجحت وأخفقت ، أنجزت وفشلت ، ولكنك تستطيع أن تلاحظ أن نجاحها وإنجازاتها اقترنا اقترانا واضحا بقيم الثورة وغاياتها ، وتستطيع أن تلاحظ أيضا أن إخفاقاتها كانت فى حالات ابتعدت فيها الممارسة عن قيم الثورة وغاياتها .. كان من قيم الثورة تحقيق الجلاء وضرب الفساد وإنهاء الاحتكار الأجنبى للاقتصاد والقضاء على الإقطاع ..وفى كل ذلك وغيره نجحت الثورة وأنجزت لأن الغاية والأداء التزمًا بقيم الثورة ، بينما أخفقت حين حادت عن رعاية حق وكرامة الشعب مجموعاً وأفرادا ، ووقع ذلك حين ظنت أن تأمين الثورة سبيله تقييد حرية الشعب التى قامت الثورة من أجل تحقيقها وكفالتها ، وفتحت السجون والمعتقلات بلا ضوابط وامتهنت أمان وكرامة الشعب الذى انتفضت لرد حقوقه إليه لا لامتهانها .. فأنت ترى أثر القيم إيجابا وسلبا ـ وتراه واضحاً فى مردوداته على كل ثورة .. تتم الإنجازات والنجاحات ما التزمت الثورة بقيمها , وتواجهها الإخفاقات إذا جافت هذه القيم وأهملتها !
من قيم الثورة أن تكون بنية حية لتحقيق الأهداف التى قامت من أجلها , ومن واجبها أن تحمي نفسها وقيمها من أن تتحول في ممارسات البعض الى " حالة " فوضوية للاعتراض أو التمرد على كل أو أى شيء !!
واعتقادي أن البحث في قيم ثورة يناير 2011 ـ واجب .. هو واجب للزومها بعامة لكل ثورة , وهو أوجب لهذه الثورة لأنها قامت وأنجزت بغير قيادة .. وغياب القيادة التي أعتقد أنها لا تزال غائبة  للآن بسبب تكاثر تكوين المجموعات أياً كانت المسميات .. وهذا الغياب ـ للقيادة ـ يحرم هذه الثورة الرائعة الغير مسبوقة من آلية تكفل رعاية قيمها والالتزام بها .. زاد من أهمية ذلك , أن أجندات متعددة دخلت الساحة موازية أحياناً ومزاحمة أحياناً ومقاطعة أحياناً ـ لتحقيق أهدافها هي , وهي أهداف قد تختلف بل قد تتناقض مع قيم الثورة .. وغياب قيادة للثورة الأصل يحرمها من أن تحافظ على خصوصيتها بل صورتها إزاء الأجندات المختلفة التي استغلت الثورة فاقتحمت الساحة كل منها بأغراضها هي وأهدافها هي .. ثم زاد على ذلك أن قطاعات مختلفة قد اتخذت الثورة " حالة " مستمرة ومن ثم أسلوباً دائماً يخلط بين الثورة كحركة لغاية محددة , وبين الفوضى كأسلوب ممارسة أو تعبير أو ضغط لأغراض شتى فيها الصحيح وفيها الباطل وفيها المشبوه ! وهذه المتداخلات التي ظهرت بالساحة لم تكن من قلب الثورة الأصل , ولا تحمل بداهة ذات غاياتها وقيمها !!
وحين تتعدد الأجندات والأهداف , تبدو الحاجة لتحديد قيم الثورة ورعايتها ـ أوجب وأمس .. ويبدو أنه في غياب قيادة للثورة الشبابية الأصل , وتعدد الأجندات المتوازية والمتعارضة والمتقاطعة التى اقتحمت الساحة ـ صار استخلاص قيم للثورة غاية بعيدة المنال ، وهذا الغياب ينذر بخطر شديد على الثورة ذاتها ، لأنه يحرمها من روحها ويحرمها أيضا من تماسكها بل ومن شرعيتها ، ويحول المشهد من ثورة رائعة قامت لأهداف نبيلة وغايات محددة ـ يحولها إلى فوضى يختلط فيها الحابل بالنابل لتعدد الأجندات والأغراض ومن ثم غياب القيم وغياب القيادة أو الآلية المعنية برعاية هذه القيم والمحافظة عليها حتى لا تسرق الثورة وتؤخذ بعيدا عن أهدافها وغاياتها .تحاذير

تعدد الأجندات
واختلاطها
ــــــــ


تعدد الأجندات واختلاطها ، وانبهام قيم واحدة تنبع منها أو تصدر عنها ، يضع القائمين على شئون البلاد ـ فى هذا الظرف الدقيق ـ أمام صعوبات جمة ، وهى صعوبات تتزايد وتتعقد حين تصير الثورة " حالة " ، وحين تتحول الحالة ـ إزاء تعدد الأجندات ـ إلى فوضى أو هوجة ، يختلط فيها الحابل بالنابل ، وتتقاطع الخطوط والأغراض !!
وأخطر ما تقع فيه الثورة أى ثورة ، أن تفقد الصدق .. مع نفسها ومع الغير ، فتنحرف حينذاك بوصلتها للخلل الذى أصاب رؤيتها.. هذا الصدق مهم جداً لأن الثورة أى ثورة ـ قد تقوم دون أن تكتمل رؤيتها لنوعيات وحدود المراد ، فتوالى مع الأيام والتجربة إن كانت القيادة لها ـ توالى استكمال أجندتها من واقع القيم التى أنهضتهـا .. ولا بأس فـى هذا الاستكمال أو فى إضافة أهداف جديدة كشف عنها التأمل ـ ما دام الاستكمال والإضافة نابعين من ذات قيم الثورة ، وفى مقدمتها صدق الثورة مع النفس ومع الغير  .
وحين تتعرض الثورة لتداخل أجندات لا تتفق مع قيمها ، أو تنحرف ممارسات بعض أفرادها عن أهداف وقيم الثورة ، فإن وقايتها مما يأتيها من الخارج ، وتصحيح ما قد يصيبها من داخلها ، تتكفل به قيادة الثورة ، فتتخذ من الخطوات ما يحميها من الرياح أو الأجندات التى تتداخل من الخارج معها أو تسعى لسرقة الثورة منها ، والخطوات اللازمة لتصحيح بوصلتها هى وتقويم ما عساه يخرج من ممارساتها هى عن أهدافها وقيمها .
ومن الضرورى الإلتفات إلى أن غياب " قيادة " عن ثورة الشباب فى
يناير 2011 ، يحرمها من هذه المعطيات التى أشرت إليها ، ويصدر مشكلة تتسع دوائرها كدوائر الماء الملقى فيه بحجر !
غياب هذه " القيادة "عن الثورة قد ألقى بالعبء كله على" مصر الدولة " .. وخلق ذلك المزيد ومزيد المزيد من الصعوبات واجبة الحل أو المواجهة ، لما تطرحه مصر الثورة (المتعددة الأجندات الآن) .. وبدت الصورة وكأنها مواجهة بين مصر الثورة ومصر الدولة .. وهذه المقابلة ضارة وظالمة لكل من مصر الثورة ومصر الدولة !وجوب فرز أهداف الثورة

عن الدخيل عليها
ـــــــــــ


حالة السيولة التى أدت إلى تعدد الأجندات ، وهى غير متطابقة فى أهدافها ومن ثم فى قيمها ـ بل فيها ما يتقاطع أو يتعارض مع أهداف وقيم الثورة الأصل ـ هذه الحالة من السيولة تستوجب عملية فرز ضرورية يجب أن تجرى بصدق بلا حساسيات .. فالشرعية الثورية التى استندت إليها  الخطوات الرئيسية التى غيرت النظام بدءًا برحيل الرئيس ومرورًا بتعطيل الدستور وحل مجلسى الشعب والشورى وتشكيل لجنة أنجزت تعديلات دستورية للمواد الأكثر إلحاحًا ، وعرضها للاستفتاء ، ثم إصدار الإعلان الدستورى وما اقتضاه من تعديلات لقوانين الانتخابات الرئاسية ومباشرة الحياة السياسية والأحزاب ـ كل هذه الخطوات التى استندت للشرعية الثورية إنما كانت ثمرة الثورة الشبابية الأصل ، لا الأجندات التى تداخلت أو تقاطعت معها .. وهذا الفرز الواجب والضرورى لحماية الثورة الأصل  ومنجزاتها ـ لا يعنى مصادرة الأطياف الأخرى أو حقها فى التعبير عن نفسها وبرامجها وأفكارها ، ولكن خارج إطار الثورة الأصل وليس إستلابًا لها !!!
وظنى لاعتبارات عديدة لا تفوت ، أن عملية الفرز ـ سيّما فى غياب قيادة موحدة محددة للثورة الشبابية الأصل ـ لن تمضى بسهولة ، بل ستصادف صعوبات جمّة إن لم تكن مقاومة ممن يرون أن مصلحتهم فى اللحاق بركاب الثورة !!!
إن كثيرا من الأحداث التى طفت فى الفترة الأخيرة ، لا تنتمى لقيم الثورة الأصل ، وغياب القيادة التى تقي هذه الثورة من التيارات المتداخلة المتقاطعة يوجب لمصلحة مصر الثورة ومصر الدولة ، الاحتكام إلى القانون واحترامه والتزام جميع الأطراف بسيادته والخضوع له  .
ليس يخفى ، ولا عاد من المقبول أن ندارى أن الفارين من السجون ، ولا يزال آلاف منهم مطلقى السراح ، وبعضهم من غلاة الجانحين ، قد أطلقوا لأنفسهم الحبل على الغارب فى ترويع الوطن والآمنين ، يتوازى معهم باتفاق أو توافق أو بالمصادفة ـ أصحاب أغراض غلبتهم أغراضهم ومآربهم على مصالح الوطن وأمانة وأمنه ، واستباحة البعض الآخر الخروج على الشرعية إلى حد التمرد عليها ، وكل ذلك فضلا عن أنه يضرب فى قيم الثورة ، فإنه يهدد بالدمار والإفلاس حاضر ومستقبل مصر ، ويؤدى إلى عواقب وخيمة ستحتاج مصر إلى سنوات طوال لمداواة آثارها المدمرة ، ما لم نسارع إلى وقف هذا النزيف ، وتضميد الجراح ، وحماية الدولة من الانهيار .       كان من قيم ثورة الشباب , تغيير النظام ـ وقد نجحت في ذلك
بامتياز , بيد أن لم يكن من قيمها ـ أن تنهار الدولة .. انهيار الدولة يأتي على الأخضر واليابس ولا يرتضيه أو يقبله أحد !!!       آن الأوان إلى أن نلتفت لحماية الدولة ، فهى حقنا جميعًا .. وحق أولادنا وأحفادنا .. واجب علينا أن نسلمهم الراية خفاقة ليتابعوا مسيرة إصلاحية بنّاءة نرسم لهم خطوطها ونخطو غير وجلين ولا مترددين عليها ،  لتبقى مصر المحروسة حقيقة لا شعارا ، ولنعوض السنوات العجاف ونعيد الدماء إلى الشرايين التى جفت !قيم الثورة
مستمدة من الواقع الذى قامت لتغييره
ـــــــــــــــــــــ     وإذا اتفقنا أن قيم الثورات ، تستمد من أهدافها ، فإن هذه الأهداف تترجم عن الاعتراض على واقع كان موجودًا ، اعتراضًا مقرونًا بالرغبة فى جبره وإصلاحه .. ومع التسليم بأن الأهداف قد تتعدد وقد لا تتفق اتفاقًا تامًا بين كل الفصائل المعنية بالوطن ، الأصيلة فى الثورة والمتداخلة معها أو لحاقًا بركابها ـ إلاّ أنه يمكن مع ذلك الإشارة إلى أهداف رئيسية لا يقع عليها خلاف .. ومن واجبنا ونحن نريد أن نحمى الثورة من الأجندات المتقاطعة أو المتنافرة معها ، وأن نعوض غياب قيادة ملموسة لها ـ أن نساعد بموضوعية وتجرد وإخلاص فى التنويه إلى هذه القيم العامة المستمدة من الأهداف التى تغيت وتتغيّا هدم القديم وإقامة بناء صالح جديد .
كان من عيوب بل كوارث النظام السابق ، أنه أضمر الالتفات عن الديمقراطية وإهدار ما تقتضيه من احترام وإعمال رأى الأغلبية من خلال مؤسسات تشريعية وتنفيذية تلتزم باحترام المبدأ ، وتلتزم معه باحترام الإنسان وحقوقه المتعارف عليها فى كل دساتير العالم ، واحترام سيادة القانون وتنفيذه على الحاكم والمحكوم ، وكفالة العدالة بعامة والعدالة الاجتماعية بخاصة ، وحفظ حق المواطن قبل السلطات والهيئات ، وفيما بين الأفراد ، فى ظل منظومة للعدالة لا تفرق ولا تميز بين المواطنين ، وتحترم حقوقهم وتكفل حرياتهم وتضمن عدم المساس بها أو التعرض لها إلاّ من خلال إجراءات قضائية ينص عليها الدستور ويكفل التزام القانون والسلطات بها  . 
ويبدو لمن يستقصى أسباب الغليان وقيام الثورة ، ومن ثم أهم أهداف الثورة وقيمها ، أن النظام أعطى ظهره للقانون ، مثلما أعطى ظهره لقيمة وكرامة الإنسان .. ولأن النظام أراد أن يقدم واجهة للعالم وللناس خلاف ما يضمره ويمارسه ، فقد عنى باستكمال الشكل ، والعبث فى صلاته وعلاقاته ، دون احترام المضمون ، فكان أن تكرست ظاهرة التآمر على القانون بالقانون ، ونهض على ذلك ترزية للقوانين أجادوا التطريز والصياغة على هوى السلطة ، ليبدو فى الظاهر أن السلطة تحترم القانون ، بينما القانون نفسه قد صار بالتطريز مهيضًا لا يعبر عن المجتمع وصوالح الناس . واللعب بالقانون أخطر من إهدار القانون ، لأن الإصلاح بعد ذلك يتطلب جهودًا مركبة من خلال تعديل القانون المطرز والرجوع إلى القانون الواجب ، ثم معالجة الأوضاع التى تنشأ فى فترة تطبيق هذا الجنوح التشريعى !!
وكان من الطبيعى الذى لم يلفت السلطة فى الحقبة المنقضية ، أن إهدار كرامة وحقوق الإنسان قد صار تبعا ملازما لعدم احترام القانون احتراما حقيقيا ، وإباحة التآمر عليه باستيفاء الشكل والعصف بالمضمون .. فكان العصف بالحريات قاسما مشتركًا فى أداء الإدارة بكل سلطاتها وهيئاتها وأجهزتها وأفرادها .. تجلى ذلك فى زيادة الاعتقالات وطول مدتها زيادة غير مسبوقة ، حتى امتلأت السجون بآلاف المعتقلين الذين وصلت مدد اعتقال بعضهم إلى ما يصل بل يجاوز العشرين عاما ، وعمّت المظالم ، وصار التزام الصمت هو سبيل الأمان والزلفى أيضا .. حتى قلنا : "  إن نكتم ينشق الصدر ، أو ننطق ينفتح القبر .. وعلينا أن نختار " !! وإذا كان هناك من اختاروا الإفصاح ، وهربنا بمقالاتنا الكاشفة إلى بعض صحف المعارضة لنشر ما تضيق به الصحف التى تحت سيطرة الدولة ، فإن الجو العام صار خانقا ، وعز التنفس على كثيرين ، وصار النظام مغلقًا فى وجه أصحاب الرأى والفكر ، مفتوحًا للنفاق والمنافقين وأرباب الأهازيج والطبول ، وصار المشاركون أتباعًا لا رأى  لهم إلاّ ما يراد منهم أن يبدوه .. وغابت العدالة وعمت المظالم ولم ينج إلاّ من وجدوا الحماية فى جانب النظام الذى أجرى مصاهرة متينة وثيقة بين السلطة وبين الثروة ، حتى أمست السلطة فى خدمة الثروة ، وصارت الثروة داعمة للسلطة ، واختلط العام بالخاص اختلاطًا هائلاً لم تشهده مصر فى أى عهد من العهود  !! المصاهرة التى كانت

بين السلطة والثروة !!
ــــــــــــــــ


فى هذه المصاهرة العريضة التى عقدها النظام السابق مع الثروة ، تغوّلت الثروة فى شئون الوطن واغتالت مقدراته وثرواته اغتيالا متنوعاً باركته السلطة وحمته وسترت عليه ، ونحن نرى فى التحقيقات والمحاكمات الجارية الآن ، بعض جوانب هذه الصورة البشعة التى أميط عنها اللثام وسبق أن حذرنا مرارًا من توابعها فى عشرات المقالات التى نشرت فى الصحف المستقلة أو المعارضة ، وسنعود إليها حتى لا نقطع السياق هنا .. على أن زواج السلطة بالثروة ، وتبادلهما التخديم والمنافع ، لم يخل من شر مستطير آخر ، فلم يلتفت النظام بجناحيه : السلطة والثروة ـ إلى استشراء الفقر ووصوله إلى حدود مقزعة واتساع الهوة بشكل مخيف بين الفقر المدقع وبين الثراء الفاحش الذى بلغ حدودًا ومظاهر مستفزة ، غاب عنها العقل ، ما بين الأفراح الباذخة التى تنفق عليها الملايين ، وبين العيشة الغير آدمية التى يعيشها الفقراء فى العشوائيات والمقابر ويتغذى عليها أطفال الشوارع فى مقالب الزبالة .. قلة قليلة تتنعّم بالبذخ والترف وتتلاعب بمئات الملايين ، وبالمليارات ، وكثرة كثيرة عز عليها الطعام والشراب واللباس .. أما العلاج فهذا ترف لا يجوز أن يأمله الفقير ولا أن يلتفت إليه أحد ، ولا تعنى به المستشفيات الحكومية التى فقدت أبسط مظاهر الاستشفاء والعلاج ناهيك باستحالة توفير الدواء .. والعجيب أنه مع هذه الفوارق الضخمة المفزعة التى لم تنتبه إليها العيون الضريرة ـ مع أننا قرعنا الأجراس مرارًا !! ـ  من العجيب أنه فات أيضًا أن الثروة والفقر متجاوران فى بر مصر .. جيرة يستحيل معها على الفقير أن لا يرى مظاهر الثراء المستفزّة التى تعاير فقره وجوعه وعريه وتعاسته وبؤسه .. فعشش الترجمان كانت قبالة الزمالك ، وكثير من العشوائيات على مشارف الأحياء الناعمة ، والعربات الفارهة تجرى بالشوارع بجوار العربات الكارّو وعربات الزبالة المتهالكة التى يتساقط منها ما لا يلذّ ولا يطيب ومع ذلك تتسقطه أفواه الأطفال الشاردين فى مقالب الزبالة .. عن هذا الجوار القريب بين الثروة والفقرة كتبنا فى المال 12/2/2009 ، وعن المصاهرة بين السلطة والثروة ، وبين المال والسياسة ، كتبنا فى المال 5/2/2008 ، وعن المال ووظيفته الاجتماعية التى أهملتها الإدارة المصرية ، كتبنا فى الأهرام 8/6/2008 ، وعن مخاطر تراكم الثروات ، كتبنا فى المال 26/3/2008 ، وعن الإثراء بلا سبب ، كبتنا فى المال 4/3/2008، وعن الاقتصاد الذى صار يغدق فقرًا ، كتبنا فى المال 22/5/2008، وعن مصر التى سرقناها ، كتبنا فى المال 23/6/2008 ، وعن العشوائيات الانتحارية ، كتبنا فى الجمهورية 28/10/2002 ثم فى المال 11/9/2008 ، وعن لعبة السلطة والمال والنفوذ ، كتبنا فى المصرى اليوم 3/6/2009 ، وعن انتحار الثروة ـ بهذه الغفلة ! ـ كتبنا فى المال 27/10/2008 ، وعن وجوب التطبيع مع المصريين ، كتبنا فى المصرى اليوم 7/1/2008 !!!
ومع ذلك لم تتفطن الثروة ولا تفطنت السلطة ( المال 26/11/2008 )  ومضت الأمور على حالها ، حتى الإعلام أصابه العماء ، فجعل دون أن يدرى يعرض فى برامج خصصت للمطبخ ـ ما لذّ  وطاب من أنواع المأكولات الشهية والحلويات التى يسيل لها لعاب الشبعانين ، فكيف بالذين لا يرون اللحم ـ إن رأوه !!  ـ إلا في المواسم والأعياد , أو ما يتسرب إليهم عفواً في مقالب الزبالة من بقايا مأكولات المترفين في القصور والأفراح !!!
ووسط هذه المفارقات الصادمة , لا تجد من تظهر يومياً على شاشات قنوات التليفزيون ـ لا تجد بأساً أن تخرج على الناس في كل يوم , وربما مرتين فى اليوم الواحد , بطاقم من أفخر الملابس ـ فضلاً عن الحليّ , لا يتكرر ولا يعاد ارتداؤه على مدار ثلاثين عاماً رصد المراقبون أن ما ارتدي بأمس , لا يمكن بعد ذلك ارتداؤه قط !! ولا يلتفت من يصورون هذه الصور والمشاهد اليومية إلى الناس , أن الناس ترى وتلاحظ وتتعجب ، ولا ينتبهون أن ما يعتلج في الصدور تتبادله الهمسات وإن كتمت الإفصاح تحاشياً للتوابع والويلات !!
تستطيع أن تستخلص من ذلك , وببساطة بلا عناء , أن الحرية والديموقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية ـ كانت ولا شك من أهداف ومن ثم قيم الثورة التي تفجرت في الخامس والعشرين من يناير 2011 , يوم الاحتفال بعيد الشرطة , وفي اختيار للتاريخ والمناسبة لا يفوت مغزاهما , مثلما لا تفوت أهداف وقيم أخرى أرجو أن يمتد حديثنا عنها إلى المقال القادم إن شاء الله .مشروع التوريث
ـــــــــــــــــــ
كان مشروع التوريث ، ولحق به التشكيل الكارثى المزيف لمجلس الشعب فى الانتخابات الأخيرة 2010 ، والتى زورت تزويرا عنيفا على رءوس الأشهاد ـ كانا فى مقدمة الأسباب التى فجرت الثورة .. عن مشروع التوريث والتحذير من عواقبه الوخيمة ، كتبت سلسلة مقالات للأهالى اعتباراً من 17/8/2005 ، كانت الأولى بذلك التاريخ تحت عنوان : " رفقا بأموال الفقراء " !!! ، .. تناولت فيه " الوهبة " أو " الهبة " التى تدفع لكل مرشح لرئاسة الجمهورية ـ وقيمتها نصف مليون جنيه ، تدفع لكل مرشح من أموال الفقراء الكادحين لإعطاء صورة خادعة لانتخابات فارغة من المضمون ولا طحن لها ولا فائدة منها ، إلا أن تكون ورقة توت لستر انتخابات معروفة النتيجة سلفا ، بعد أن حالت المادة 76 التى عدلت فى الدستور بمعرفة المطرزين ، لتقيم جداراً مسلحاً مصمتا إزاء الترشح فيما عدا الأحزاب الهشة التى سمح لمرشح كل منها بخوض الانتخابات ، وبشروط أيضا ، وهى أحزاب هشة لأنها لو كانت أحزابا حقيقية لما احتاجت إلى " وهبة " من كد وأموال الفقراء بزعم الصرف على حملة مرشحها المعروف سقوطه الذريع سلفا .. لم يكن المقصود فى تلك الانتخابات الرئاسية التى أجريت 2005 ـ تحت مظلة لجنة ما أنزل الله بتشكيلها من سلطان ، لم يكن المقصود إنجاح الرئيس ( السابق ) محمد حسنى مبارك ، فلم يكن هناك منافس له ، وإنما كان المقصود هو الانتخابات التالية المزمع فيها ـ 2011 ! ـ تمكين الوريث من الركوب !!! كان المؤسف ـ ولا يزال ـ أن تدفع هذه الهبات ـ لستر العورة ! ـ من أموال البؤساء الذين يعيشون تحت خط الفقر فى القرى والنجوع والدساكر ، وفى العشوائيات والقبور .. هؤلاء الذين كانوا يتقيأون دمًا من جوع البطون ، ويستعيضون بالعظام عن اللحوم .. الذين يعانون من سوء التغذية ، وانعدام الغطاء ، ويقضون حاجاتهم حيث يأكلون وينامون ، ويشربون من حيث تشرب الكلاب والبهائم ، وتختلط أجسامهم بأجساد الموتى فى سكنى القبور ، ويتلامس لحمهم وأنفاسهم فى زنقة وتلاحم العشوائيات حيث ترتد النفوس إلى " الحيوانية " فينمو زنى المحارم فى رحم هذا التلاحم الحيوانى !
وفى الأسبوع التالى : 24/8/2005 ، كتبت مقالاً للأهالى أيضًا ـ تحت عنوان : " مفارقات الانتخابات الرئاسية " !  .. تحدثت فيه عن الرقابة الاستباقية التى أعطيت للمحكمة الدستورية العليا لتحرير وتحصين قانون الانتخابات الرئاسية الذى صدر برقم 174 لسنة 2005 ، وهو يضع عينه ـ أى القانون ـ على الانتخابات التاليه ـ فى
أكتوبر 2011 ـ  لترتيب الأوضاع لركوب الوريث ، ولم تفلح الرقابة الدستورية الاستباقية فى رتق أو ستر كل عيوب هذا القانون العجيب . وكانت النتيجة لهذا القانون الذى تعانق مع التعديل الشيطانى للمادة 76 من الدستور ـ كانت النتيجة الحيلولة بين القامات العالية وبين الترشح ، ولم يمر من " المصفاة " الشيطانية سوى مرشحى الأحزاب التى ضُرب معظمها أو اتِفَّقَ معه قبل إعداد وتنفيذ هذا السيناريو المستفز ! قلت وفتها إن المقصود هو انتخابات 2011 ، والمصادرة ـ بحسبة برما ـ على أى مرشح يمكن أن ينافس الوريث الذى ترتب لتركيبه الأوضاع !
لم يكن هذا هو كل الحصاد المر لمشروع التوريث ، فقد اقتضى إخلاء الساحة للوريث ـ تبديد القامات المصرية ، سواء بتجميد الأوضاع حتى تتساقط القامات تباعا بمضى الزمن كما تتساقط أوراق الخريف ، أو الاختزال عند إجراء التغييرات التى أجريت آنذاك ، بالنزول بالأعمار ـ فى الاختيار ـ من سن السبعينيات إلى سن الثلاثينيات وأول الأربعينيات ، لتسقط أجيال ثلاثة أو أربعة وتعدم كما تعدم خيول الحكومة ، لضمان عدم وجود أى منافس عليه الطلى للوريث الجارى على قدم وساق تهيئة الأوضاع وترتيبها لركوبه . عن هذا كتبت مقالا مطولا للأهالى نشر فى 31/8/2005 ـ ختمته بصيحة قالت بحصر اللفظ :
" الاختزال الجارى هو اختزال لمصر، يبدد أغلى ثرواتها ، ولا يخدع أحداً أو يخفى سراب المرام المقصود ! .. ماجرى ويجرى يأباه العقلاء وتأباه الدول ذات الحضارات .. ليس يصح فى عقل عاقل ، ولا فى دولة عاقلة ـ أن يقفز الاختيار لإدارتها هذه القفزة الهائلة من جيل الخمسينيات والستينيات والسبعينيات ، إلـى جيل الثلاثينيـات وأول الأربعين ؟! .. وكيف يجرى هذا ويصح فى عقل عاقل بينما رئيسها القادم يبدأ فترة رئاسته القادمة وهو فى السابعة والسبعين ؟! .. ألا يرينا هذا ويرى من لايرى أن القفز عبر أربعة أجيال قفز غير مفهوم وغير آمن ، ويحرم مصر من " عصارة " و" زبدة " خبراتها ؟! إن ما يجرى الآن من تبديد الثروة البشرية من القامات العالية القيمة والمقدرة هو جناية على مصر قبل أن يكون تجنيا عليهم ! هذه الجناية لا يرتضيها مصرى يتقى الله فى أمانته ووطنه "  ! *     *    *
استأنفت فى 7/9/2005 ـ فى جريدة الأهالى أيضا ـ سلسلة المقالات التى طفقت أكتبها عن التوريث والسلطة . فكتبت تحت عنوان : " عشق السلطة : من الذين يدفعون الثمن ؟ " !
لم تكن هذه هى المرة الأولى التى كتبت فيها عن عشق السلطة ، فقد أرسلت رسائل من تحت الماء عبر معالجة ما تم فى حكم معاوية بنى أبى سفيان من مبايعة ابنه يزيد فى حياته ، وكيف أحدث هذا شقاًّ لا تزال توابعه موجودة للآن . إلاّ أن الرسالة التى كتبتها فى مقالات للجمهورية وروزاليوسف . هذه الرسالة لم يلتفت إليها المعنيون أو تعالوا عليها ، فكتبتها واضحة صريحة فى مقال نشرته الأهالى 7/9/2005 ، أعدت نشره بكتابى : شجون وطنية ـ ط 2006 ..  تحدثت فيه عن عشق السلطة ومظاهره وعيوبه وآفاته ، ثم تحدثت عن عشق الامتداد فى الأبناء ، وأعدت رواية معاوية وبيعته فى ولايته لابنه يزيد ، وتداعيات ما حدث فى الحروب التى دارت بين بنى أمية وعبد الله بن الزبير بن العوام ، والذى تسلم قيادة المعارضة بعد مقتل الحسين بن على فى كربلاء ، ثم مع المختار الثقفى بعد ابن الزبير ، واستعرضت الدماء التى سالت بسبب عشق فكرة التوريث التى راقت لمعاوية ثم من جاءوا بعده ، والدماء التى سالت على جدار طلب السلطة حتى قتل الأب ابنه ، والابن أباه ، والأخ أخاه .. ولم يكن آخرها مصرع الأمين الذى قتله أخوه المأمون وعلق جثمانه نهبا للعيون ولتنهشه جوارح الطيور . لأختم بما جرى من تعديل شيطانى للمادة 76 من الدستور للتهيئة لركوب الوريث تحت زعم أنها انتخابات لا تعيين ولا توريث . يومها كتبت أنهم يعلمون أن استحكامات التعديل الشيطانى للمادة 76 من الدستور ، سوف تجعل الاقتراع على " واحد وحيد " ـ وأن هذا هو " التوريث بعينه " مهما اختلفت المسميات ومهما علت الأهازيج والطبول وأسدلت الستائر على ما وراء الكواليس وأطلت بالونات الخداع  !
تابعت بالمقال الذى نشرته الأهالى 14/9/2005 ـ تابعت طرح  مخاطر قضية التوريث ، وكشفت العبث الشيطانى الذى جرى فى المادة 76 من الدستور . ووصفته يومها بأنه " كالترقيص " الذى يلجأ إليه لاعبو الكرة ، ولكنه هنا فى مصير وطن .. يومها ذكرت بأنه بينما تعلقت عيون الشعب بالانتخابات المرتقبة التى وُعِدُوا فى خطابٍ ألقى فى شبين الكوم بالمنوفية بأنها ستنهى نظام الاستفتاء ، وتستبدله بالاقتراع الحر بين أكثر من مرشح .. فى هذا الوقت الذى تعلقت فيه الأنظار بالأمل الموعود ، كان " الرقّاصون " ـ " المطرزون " يعدون لشىءٍ آخر ، أفرزوا فيه نصًا شيطانيا ! استلزم عدة صفحات على خلاف النصوص الدستورية  فى العالم كله !!!
 
يومها (14/9/2005 ) كتبت فى المقال  : التعديل الجهنمى الترقيصى للمادة /76 من الدستور ، يشترط فيمـن يرشـح فـى الانتخابات الرئاسية القادمة التى قد تكون بعد عام أو عامين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أعوام ـ أن يكون عند الترشح عضوا من عام متصل على الأقل فى الهيئة العليا لحزب مضى على تأسيسه خمسـة أعـوام متصلة على الأقل قبل إعلان فتح باب الترشيح ( لاحظ حكاية الخمسة أعوام متصلة على الأقل ) ـ ويشترط أن يكون هذا الحزب قد حصل ـ فى الانتخابات الوشيكة(2005) وبالنظام الفردى ـ على نسبة (5 %) على الأقل من مقاعد المنتخبين فى كل من ( لاحظ فى كل من ) مجلس الشعب ومجلس الشورى !!
كتبت يومها أننى لست أحسب أن أحداً ـ مهما كان تواضع فهمه ـ يمكن أن يتوه منه التحريض المراد من سدنة التعديل مهما أطلقت البالونات وأساليب التمويه والترقيص والخداع !!.. لن يكون ـ ومن المحال أن يكون على المسرح ـ إلاّ الحزب الوطنى ومرشح الحزب الوطنى " الوحيد " الذى يلح اليعاقبة على الدفع به دفعا لا يوجد فى بر مصر من لا يجزم به ويعرفه ويحدده من الآن ، ولا يدعون وسيلة لترويج التحريض إلاّ طرقوها ، باذلين فى نشاط جـم كل الإمكانيات والترتيبات التى يراها الأعمى والبصير ، ويرى فيما يراه أن أخطر ما فيها وفى عملية " الاختزال " الجارية بهمة ملحوظة فى تحالف مع المال ولغته ورجاله ومصالحهم ، أنه يجرّ إلى تفجير صراع أجيال حين نقلب الموازين والمعايير ، ويركب الأبنـاء فـوق الآبـاء ، ويُشَيّع المعارض أو المستعصى إلى القبر حياً أو ميتا ، فمقبرة الاستبداد والتكايا تسع الأموات ـ والأحياء أيضا !!!       رب طيب حسن النية يقول ، دعنا من مخاطر ومحاذير التحالف مع رأس المال ولغته ومصالحه، ومن صراع الأجيال غير المغفور إثارته ، ودعنا من الأحزاب ، وشرط العضوية فى هيئتها العليا من عام على الأقل قبل الترشح ، وشرط مضى خمسة أعوام متصلة على تأسيسها ، وشرط الحصول على الـ 5 % من نسبة مقاعد المنتخبين فى كل من مجلس الشعب ومجلس الشورى ـ .. دعنا من الأحزاب وشروط الأحزاب ، وليستخـدم مـن يشـاء حقـه الدستورى كمستقـل ،  فالمواطنون ـ بنص الدستور ـ لدى القانون سواء .. فلكل مستقل حق الترشح ، ودعنا من الأحزاب وهم الأحزاب وحوائط الصد العالية جدا التى أقيمت أمـام الأحـزاب فى الجولـة القادمـة التى انصـرف إليها معظم عملية " الترقيص " !!      فليكن ، ولكـن كيف ؟!! .. إن التعديل الجهنمـى التعجيزى غير الدستورى للمادة 76 من الدستور ، يشترط للمستقل المتقدم بغير حزب ، أن يتحصل على 250 توقيعا مؤيداً فى تفريدة عجيبة وحسبة أعجب كحسبة برما لا سبيل البتة للوصول إليها .. يلزم لقبول الترشيح أن يحصل المتقدم على 250 توقيعـاً تؤيـده ( لاحظ تؤيده ـ لا أن تزكيه أو توافق على ترشحه ) ، ويشترط  فى تفريدة هذه التوقيعات " المؤيدة " ألاّ تقل عن : ـ  1 ـ (65) توقيعا على الأقل من أعضاء مجلس الشعب المنتخبين  2 ـ (25) توقيعاً على الأقل من أعضاء مجلس الشورى المنتخبين  3 ـ (10) أعضاء على الأقل من كل مجلس شعبى محلى للمحافظة ، ومـن أربع عشرة محافظة على
الأقـل ، وبما مفاده ألا يقل عن 170 توقيعا مؤيداً ، اللهم إلاّ إذا حصل المتقدم على توقيعات تأييد لعدد أكثر من الحد الأدنى المقرر لأعضاء كل من مجلس الشعب ومجلس الشورى ، فيخفض عدد التوقيعات المؤيدة المطلوبة من المجالس الشعبية المحلية عن ألـ 170 بقدر الزيادة فى توقيعات أعضاء مجلس الشعب أو الشورى ، ولكن بشرط ألا يقل عدد توقيعات المؤيدين من المجالس الشعبية المحلية عن عشرة من كل محافظة ومن أربع عشرة محافظة على الأقل !! 
ياقـوة الله !
*     *    *
ما هذا كله الذى دبجه يعاقبة التحريض والترقيص ؟! ، إنهم لم يكتفوا بهذه الترسانة وحوائط الصد لضمان " التعجيز " عن الترشح ، فجاوزوها إلى فرض " الاستحالة " بإخلاء الساحة لمقدم من يريدون ويحرضون على فرضه فرضاً ، فيضعون بالنص شرطاً جهنميا يضمنون به لملمة وتجميع كل التوقيعات للمراد فرضه ، وإخلاء وإفقار الساحة من أى توقيع شارد يستطيع أى راغب ترشح آخر أن يحصل عليه ، فتورد المادة المحرضة ـ وهى أطول مادة فى دساتير العالم ـ إضافة للتوقيعات المؤيدة وتفريدتها وحسبة برما الموضوعة فيها بعناية شديدة ـ .. تورد شرطاً آخر بالغ الغرابة والعجب والتعقيد والتعجيز والاستحالة ، فتنص نصاً على أنه : " فى جميع الأحوال لايجوز أن يكون التأييد لأكثر من مرشح " !! .. فمن يوقع لشخص ، لا يجوز أن يوقع لغيره ، وهنا ينكشف المستور وتسقط آخر أوراق التوت ، وتتضح ألاعيب هذا الدهاء والتمويه الترقيصى الذى يصادر مصادرة مكشوفة على أى راغب آخر فى الترشح ، ولا يحترم بهذه المصادرة حق المصريين فى المفاضلة  والانتقاء ، بل ولا  يحترم حق ومصير الوطن ولا عقول وأفهام المصريين !!!
إن اللاعبين المهـرة الذين حدثتك عن دورهم فى صياغة تعديل المادة 76 دستور سنة 2005،  المزينين المحرضين المتقنين لفنــون " الترقيص "  و " التحريض "  ـ كانوا يعرفون كما نعرف أن هذا الترتيب الجهنمى ، قـد وقـع فى العديد من المخالفات الدستورية ، ويعرفون كما نعرف أن محكمتنا الدستورية العليا خليقة أن تعريها  وبأن تحكم بمخالفة النص الدستورى والقانون المخدم عليه للمبادئ الدستورية العليا ـ فهل كان من مصادفات المقادير ، أو تصاريف حسن النية ، السعى لاستبعادها أو المصادرة الاستباقية على رقابتها ، بإشراكها ـ خلافا للدستور والقانون ولمبدأ الفصل بين السلطات ـ فى العملية التشريعية لقانون تنظيم الانتخابات الرئاسية رقم 174 لسنة 2005 المخدم على المادة 76 المعدلة بالدستور ، وجعل رئاسة لجنة الانتخابات الرئاسية لرئيس المحكمة الدستورية العليا المنوط بها الرقابة الدستوريــة
( اللاحقة ) على القوانين وعلى التعديل الدستورى ذاته ، هذه اللجنة التى قضى النص المعدل للمادة 76 من الدستور بأن تكون قراراتها نهائية ونافذة بذاتها وغير قابلة للطعن عليها بأى طريق ومن أى جهة ، كما لا يجوز التعرض ـ هكذا قضى النص ـ لقراراتها بالتأويل أو بوقف التنفيذ !
لقد أصدرت محكمة القضاء الإدارى ، فى سبتمبر 2005 ، ثلاثة أحكام يؤذن إصدارها بذاته ـ بغض النظر عن الحكم فى كل منها ـ يؤذن برياح أزمات قادمة  فى الطريق  نتيجة " هذه المصادرات " غير الدستورية التى جرت سنة 2005 ورامتها الصياغة التى  لجأ إليها اليعاقبة المحرضون على دفع الأمور فى هذا الاتجاه الخطير الذى يمكن أن يؤدى إلى كارثة .. أحكام محكمة القضاء الإدارى الثلاثة ، قضى أحدها بأحقية منظمات المجتمع المدنـى المصرية فى مراقبة الانتخابات سواء فى داخل اللجان أو خارجها خلافاً لما ارتأته لجنة الانتخابات الرئاسية ، وقضى الحكم الثانى باستبعاد مرشح حزب مصر من بين مرشحى الرئاسة لوجود نزاع جدى على رئاسة الحزب ، خلافاً لما ارتأته ثم أصرت عليه ـ رغم الحكم ـ لجنة الانتخابات الرئاسية ،  وقضى الحكم الثالث الصادر مساء ليلة الانتخابات بقبول طعن عشرة مستشارين وقضاه شكلا على قرارى لجنة الانتخابات الرئاسية بالغاء ندبهم واستبعادهم من الاشراف القضائى على الانتخابات رغم سبق ندبهم من مجلس الدولة ، والغاء هذين القرارين للجنة الرئاسية ، وبوقف تنفيذهما بصفة مستعجلة بما يترتب عليهما من آثار ـ وهو ما قضت به محكمة القضاء الإدارى مؤكدة  فى مدونات حكمها اختصاصها بالنظر  فى الطعن على القرارات المطعون عليها .
هذا القضاء الثلاثى ، بغض النظر عن مضمونه ، ينطلق من مبدأ أقرت به محكمة القضاء الإدارى لنفسها صلاحية النظر فى الطعون فى قرارات لجنة الإشراف على الانتخابات الرئاسية وإعمال رقابة المشروعية عليها !
على أنه يبقى ، هكذا كتبت فى 14/9/2005 ـ وسوف يبقى ، السؤال المثار الواجب الإجابة عليه عن أثر المصـادرة الاستباقية التى صيغت بدهاء سنة 2005 فى تعديل المادة 76 من الدستور وفى القانون 174/2005 ، حين أشركت المحكمة الدستورية كلها فى التشريع الذى تباشره السلطة التشريعية ، بينما موكول إليها الرقابة اللاحقة بأن تنظر فيما قد يُطعن به على هذه النصوص من عدم الدستورية ، وحين جعلت ـ أى الصياغة ـ رئاسة لجنة الإشراف على الانتخابات الرئاسية إلى المستشار الجليل رئيس المحكمة الدستورية العليا المنوط بـه وبهـا الرقابـة اللاحقة على دستورية النصوص القانونية أو الدستورية !
حاول اليعاقبة إجراء بعض الرتق فى المادة 76 من الدستور التى فاحت رائحة ما أجروه فيها سنة 2005 ، فأجروا فى 26 مارس 2007 تعديلا للفقرتين الثالثة والرابعة للمادة المذكورة ، فاشترطت الفقرة الثالثة فى الحزب أن يكون قد مضى على تأسيسه خمسة أعوام متصلة النشاط على الأقل قبل فتح باب الترشيح ، وأن تكون قد حصلت فى آخر انتخابات على نسبة 3% على الأقل من مجموع مقاعد المنتخبين فى مجلسى الشعب والشورى ، وأن يكون مرشحها من أعضاء هيئتها العليا من سنة متصلة على الأقل ، وللتجميل ساقت الفقرة الرابعة " استثناءً " يجيز الترشيح للأحزاب التى حصل أعضاؤها بالانتخاب على مقعد على الأقل فى أى من المجلسين بآخر انتخابات !
ليس بوسع منصف عاقل أن يمارى فى أن المراد الذى صيغ ووضع ، غير الدعوة التى أطلقت وفرح ورحب بها المصريون ، وأن الأمور قد فارقت الواجب الذى تعلقت به الدعوة وأفئدة وآمال وحقوق المصريين ، وفرضت شيئا آخر لا يخطئه الأعمى والبصير ، خلاصته وفحواه ومؤداه المصادرة التامة على أى ترشح لأى مصرى خلاف من  سيرشحه الحزب الوطنى فى الانتخابات الرئاسية التالية ، والتمويه لاسباغ صفة " الانتخاب " و " الاقتراع " على ما سوف يكون رغم أنه بمرشح واحد وحيد لا منافس له ، تهربا ـ بمنطق النعامة التى تدفن رأسها فى الرمال ظانة أن أحداً لا يراها ! ـ من " المسمى " و " الوصف "  الحقيقى لما يجرى الترتيب له !! التزوير الجهير للإنتخابات البرلمانية
ــــــــــــــــــــــــــ
من الطبيعى أن تكون مقاومة التوريث ، فى مقدمة أهداف ومن ثم قيم ثورة
25 يناير 2011 .. وقد تجلى هذا فى محاولات التهدئة والامتصاص التى بُذلت قبل ترك الرئيس السابق لمنصبه يوم 11 فبراير 2011  . بيد أن هذه المحاولات لم تفلح لأن حجم تراكمات المشروع قد أقام جبلاً ضخماً من سوء الظن لم يعد تجدى فى إزالته وعود !! وساهم فى سوء الظن وعدم تقبل الوعود ـ الانتخابات الأخيرة لمجلس
الشعب ، وهى فريدة فى نوعها ، لا لأن التزوير جديد على أسلوب الإدارة المصرية فى إجراء الانتخابات ، وإنما لأن التزوير هذه المرة كان فاضحًا جهيرًا وزاعقًا ولازمه عنف يعلن عن التزوير بالقوة والإكراه .. فلم يعد هناك حياء لا خشية من التزوير وعواقبه ، وعَزَّ على النظام أن يعلن بوضوح حقيقة ما جرى ، وأن يسلم ببطلان تشكيل مجلس نيابى أحاطه البطلان من كل جانب ، ولم تعد لديه البصيرة التى انطفأت شمعتها من زمن ، ليدرك آثار هذا التزوير الفاحش ، ولا تداعيات من أُسقطوا كرهًا وردود أفعالهم التى تحولت إلى حراب تضرب بقوة ـ ولها كل الحق ـ فى النظام .. ولكل هذه  الأسباب التى يعانيها الشعب برمته ويتجرعها من سنوات ، فإن ثورة الشباب لاقت تأييدًا من كل طوائف الشعب وأطيافه ، ومن كل الأعمار والمهن والحرف ، ومن النساء والأطفال .. وبدأت أهداف الثورة تتجلى من الأيام الأولى ، وتلتقى مع مطالب وآمال الشعب .
إن التزوير الجهير الفاحش الذى حصل فى انتخابات مجلس الشعب ، ومن قبله مجلس الشورى ، طرح ويطرح بشدة واحدًا من أهم أهداف ومن ثم قيم الثورة ، وهو رعاية الديمقراطية لتكون واقعًا حقيقياً يلزم الحكم والحكومة والإدارة التى استسهلت على مدار عقود ـ  تزوير إرادة الناخبين والعبث بها وتزييفها .. ومن البديهى أن تطرح هذه القيم المأمول فى تحقيقها ـ وجوب وضع دستور جديد وصالح للبلاد ، يتلافى ما كشف عنه دستور1971من ثغرات استغلت أسوأ استغلال ، وتقيم بناءً دستورياً يوافق ويتفق مع آمال مصر ويكفل توازن وحقوق السلطات وحقوق شعبها التى اغتيلت طويلا !!

دســتور جديــــد
ـــــــــــــ


وغنى عن البيان أن وضع دستور جديد للبلاد مهمة دقيقة ليست من العلم العام ، وتحتاج ـ فضلا عن استقراء اتجاهات الشعب ـ إلى متخصصين ليس فقط فى القانون أو الفقه الدستورى بخاصة ، وإنما تحتاج إلى تخصصات مختلفة تتضافر وتجمع بين القانون والسياسة والاقتصاد والاجتماع والتعليم ، وأداء هذه المهمة يستلزم اختيارًا دقيقًا خالصًا متجردًا ينتقى أفضل العناصر فى كل تخصص ، ويوافق اطمئنان الشعب إلى توجهات كل منهم ، ثم يستلزم توفير الوقت والإمكانيات والظروف لحسن القيام
بالمهمة ، وهى تستلزم أولاً وضع الخطوط العريضة متضمنة المبادئ التى تعبّر عن النظام الدستورى الذى يستقر عليه الرأى ، هل البرلمانى أو الرئاسى أو مزيج من النظامين ، مرعى فى كل اختيار الظروف والأحوال المصرية وما تحتاجه وتستلزمه .. وهذه المبادئ أو الخطوط  العريضة ينبغى طرحها للنقاش العام وينبغى أن تمر على الشعب أولاً فى استفتاء لا يأخذها جملة أو حزمة واحدة ، وإنما يجب التفصيل لتأتى نتيجة الاستفتاء معبّرة عن الرغبة الشعبية فى كل عنصر .. فهل الأفضل مثلا نظام المجلسين البرلمانيين أو المجلس الواحد ، وحدود مهمة كل منهما فى حالة ترجيح نظام المجلسين ، وهل مثلا يكون نائب الرئيس بالتعيين أم بالانتخاب ، وهكذا .. ثم يلى بعد الاستفتاء والاتفاق على النظام الدستورى وخطوطه العريضة ، ترجمة ذلك فى نصوص ، وصياغة النصوص عمل فقهى لغوى له أربابه ، فإذا انتهت الصياغة توجب أن تعرض فى استفتاء بذات النظام التفصيلى الذى يتيح بيان الرأى فى كل عنصر ، ويضمن اتفاق النتيجة مع الرغبة الشعبية المنوط بلجنة وضع الدستور التعبير عنها .. وكما ترى فإن هذا العمل يحتاج بالضرورة إلى أهله ، وذلك يستوجب إلتقاء الإرادة الشعبية مع الجهد التخصصى الفنى والفقهى ، فى اتساق لا تربص ، ويأتى الاتساق حين يكون اختيار اللجنة موافقًا للإرادة الشعبية معبّرًا عن مجملها  ..العدالة الاجتماعية
ـــــــ
لقد طرحت فى البداية أن ثورة الشباب أنجزت مهمتها الرئيسية بلا قيادة ، ساعد على ذلك فى ظنى أن الشعب كله قد التقى على الأهداف ومن ثم القيم العامة للثورة ، ولكن الحرص على الثورة وقوة دفعها يستوجب الفرز الدقيق بين قيمها وبين الأهداف التى تداخلت معها أو أرادت ركوب الظرف لسبب أو لآخر .. فلم يكن من قيم الثورة وأهدافها حرق مجمع محاكم الجلاء وسراى الحقانية بالإسكندرية أو مبنى الشهر العقارى ومبنى النيابة الإدارية بالأزبكية ، ولا مداهمة واقتحام سبعة سجون وليمانات فى توقيت واحد وإطلاق ما يزيد على 23 ألف سجين بعضهم من الخطرين جدًا على أمن الوطن ، ولا كان من قيم الثورة وأهدافها مهاجمة وحرق وسرقة سلاح قرابة أربعين قسم ومركز شرطة ، أو السطو على المتحف المصرى فى ميدان التحرير ، أو الاستمرار فى مهاجمة بعض المراكز والأقسام لتهريب سجين ، ناهيك بحرق الكنائس وأعمال البلطجة التى طفقت تضرب أمن مصر والمصريين .
وإذا كان فرز وتنحية هذه الجنوحات سهلاً ، لأنها ظاهرة التنافر مع أهداف الثورة وقيمها ، وقد يكون واضحًا بالنسبة لمطالب بعض الطوائف وخلطها عمدًا أو استغلالا بالثورة ، إلاّ أن الأمر يدق بالنسبة للمظاهرات والاعتصامات الفئوية . فظاهرها أنها تتفق مع أحد أهداف الثورة وهو تحقيق العدالة الاجتماعية ، بيد أن هذه العدالة الاجتماعية لا تؤخذ جزءًا جزءًا ، وإلاّ انتهت إلى مظالم أو مفارقات أخرى تعطى للأعلى صوتًا أو الأكثر ضغطًا على حساب الأخفض صوتًا أو الملتزم بالنظام حماية للثورة وأمن الوطن . تحقيق العدالة الاجتماعية يستلزم نظرًا عامًا يرى الصورة بأكملها ، شاملة إمكانيات البلاد ، وما يمكن تدبيره ، وشاملة خريطة عامة لكل الفئات ، يجرى عليها تسكين يتفق مع العدالة الاجتماعية المأمولة ، وهكذا فإن قيم الثورة غاية بالغة الأهمية يجب أن يتضافر الجميع ويتعاونوا فى كفالتها وتحقيقها .
كيف ؟  هذه مسألة تحتاج بدورها إلى تأمل وبيان  .  قيم الثورات
كيف الرعاية ؟
     المتابع للأحوال منذ 25 يناير 2011 ، حتى الآن ، يلاحظ تداخل أجندات متقاطعة وبعضها متنافر مع الثورة الصافية الخالصة التى قامت لأهداف وقيم اتفق عليها مجموع الشعب المصرى الذى غَلَبَ انتماؤه لمصر الوطن ، على الانتماءات السياسية أو المذهبية أو الطائفية أو الحزبية أو الفئوية . دخلت هذه الأجندات بخرائطها استغلالاً لحالة الثورة ، فارتدت بقصد أو بغير قصد عليها ، وجعلت تعرقل مسيرة خطواتها التى أنجزت جزءًا كبيراً من مهامها تجلى فى سقوط النظام ، وبقى أن تحتفظ بقوة الدفع لتحقيق الإصلاح المنشود وما يستلزمه من بناء متعدد الجوانب .. لقد قامت الثورة لإنصاف الإنسان أو إن شئت المواطن المصرى ، وكفالة حقوقه مع تنظيم واجباته فى إطار يكفله الدستور ويرسمه القانون . بيد أن الثورة لم تقم للتحيز لأحد قبل أحد ، ولا لنصرة مسلم على مسيحى أو مسيحى على مسلم ، أو مهنى على حرفى أو العكس ، ولا لدعم حزب فى مقابل أحزاب ، أو طائفة إزاء طائفة ، أو مذهب فى مقابل غيره من المذاهب .. وهذا الموقف جناحاه العدالة والمساواة ، فبغيرهما تتسرب الانحيازات وتعم المظالم التى قامت الثورة لمواجهتها والقضاء عليها بالعدل والقسطاس . لم تقم الثورة لتستبدل الظلم بالفساد .. فكلاهما مكروه .. من عانى الظلم وكابده ـ يأبى إيقاعه بغيره ، فالقيم والمبادئ لا تتجزأ ولا تتبضع ، والمتهم برئ حتى تثبت إدانته بحكم قضاء لا يصدر إلاَّ بعد تحقيق الدعوى وسماع دفاعه إزاء أدلة الاتهام .. والترجيح بينهما للوصول إلى شاطئ العدالة التى دونها الضياع .. هذه العدالة قاسم مشترك بين الدساتير والقوانين الوضعية والأديان السماوية .. هذا العدل لا يُحجب ولا يجوز أن يحُجب عن أحد .. يعرفه المسلم ويعرفه المسيحى ، وتحض عليه المسيحية كما يحض عليه الإسلام .. فالله عز وجل من أسمائه العدل ، وهو يأمر بالعدل والإحسان ، وينهى عن الظلم ، ولا يخص أحداً بالعدل مهما كانت قرابته ، أو يحرمه من آخر أيا كان شنآنه .. العدل قيمة فى ذاته يُضفى على الضعيف قبل القوى ، والفقير قبل الغنى ، والمحكوم قبل الحاكم ، والمتهم قبل الشرطى ، والمريض قبل المعافى .. لا يحول بين الشاهد ـ أو القاضى ـ وبين الإقرار بالحق ـ أن يكون هو المشهود عليه أو على أحد من ذويه وأقاربه الأقربين .. " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ".(النساء / 135) .. بل إن إنصاف الشانئ واجب ، ولا يسقط جنوحه أو شنآنه واجب معاملته بالعدل ، فيقول الحكم العدل فى كتابه العزيز : " يَا أَيُّهَآ الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ  " ( المائدة /8 ) .
من المظاهر المتقاطعة الآن مع العدالة ، وهى من أهم أهداف الثورة وقيمها ـ فوضى البلاغات .. ولست أعنى البلاغات الصادقة ، فتقديمها واجب ، وتحقيقها أوجب ، والمساءلة عنها لا ترخص فيها .. ولكن إلى جانب البلاغات الصادقة ، توجد بلاغات كاذبة ، وتوجد بلاغات ثأرية أو انتقامية أو كيدية ، وتوجد بلاغات مجهولة المصدر ، مع أن الأصل أن يكون المبلغ واثقا فى موضوع بلاغه ، وهذه الثقة لا تبرر له التخفى وحجب نفسه وبث ما يريده من وراء ستار .. إن التجهيل بالمبلغ هو دليل الأدلة على الكذب والكيدية ، وكنا قبل الثورة لا نلتفت إلى البلاغات المجهولة ، فكذبها واضح ثابت من عنوانها .. ولم يعد حسب البلاغات ما داخل بعضها ـ ونسبته للأسف ليست قليلة ـ من كذب وكيدية واصطناع وتلفيق، وإنما صارت تجد طريقها بعبلها إلى صدر الصحف .. مع أن الأصول ومواثيق الصحافة والإعلام لا تبيح النشر إلاّ للأنباء القضائية .. وهذه الأنباء تكون قد مرت قبل إخراجها إلى الناس " بمصفاة " تتمثل فى التحقيقات وما تفرزه من حقائق هى فقط التى يجوز بثها ونشرها، أما البلاغات فهى لا تعدو ادعاءات أو اشتباهات لا يجوز تصديرها من فم أصحابها إلى الناس .. إلاّ بعد أن تخضع للتمحيص والبحث والتحقيق وفرز الصادق من الكاذب والصحيح من الباطل .. غير ذلك نار تأتى على الجميع ، لأنها تقذف بأعراض وكرامات وشرف واعتبار الناس إلى أتون التدمير النفسى والمعنوى والمادى ، وقد يكون المضرور بريئًا بما قذف به البلاغ ـ كذبا ! ـ فى حقه .. إن القرآن الحكيم ضرب مثلا لوجوب التيقن قبل قبول الروايات أو الادعاءات فقال إن بعض الظن إثم .. وفى قصة مشهورة ، نزل قول الحكم العدل تبارك وتعالى : "  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ " ( الحجرات 6 ) .
من ينشد العدل ، لا يقبل الظلم ، ولا  يضيق بالإجراءات التى ترعى حق المتهم أو المشتبه فيه فى أن يبدى دفاعه ويحققه ، فإن كان بريئًا فهذا حقه لا يضيق به العادل ولا ترفضه العدالة أو تأباه ، فإن ثبت العكس فحق العقاب قائم لا خوف ولا خشية عليه ، وتكون الضمائر قد استراحت بما بذلته من فرصة عادلة لتحقيق الدفاع قبل القضاء بالعقوبة . العدالة فى مقدمة أهداف الثورة وقيمها  .قيم الثورات

الأمن : كيف ؟
ـــــــــــ


هل هو مبكر أو متعجل ، أن يطرح الآن تناول قيم وأهداف الثورة والسبيل إلى كفالتها ؟ ربما كان هذه السؤال صحيحا لو اتحدت الثورة والإدارة من خلال قيادة محددة للثورة معنية بها وموكول إليها فى ذات الوقت إدارة الأمور . عند ذاك يتسع الوقت والفرصة للتصحيح أو التعديل أو المداركة أو التطوير ، لأن رؤية الثورة هى هى رؤية الإدارة . وقد اتسعت الفرصة والوقت لمثل ذلك فى ثورات تاريخية
معروفة ، مثلما رأينا ـ مثلا ـ فى ثورة يوليو 1952 . ولكن ثورة يناير 2011 أدت وأنجزت ـ دون قيادة ، وتعذر لاعتبارات عديدة لا تفوت وألمحنا إلى بعضها ـ تعذر أن تتشكل لها قيادة محددة متفق عليها ، فصار من المهم أن يبقى جسر للتواصل بين أهداف وقيم الثورة ، وبين الموكول إليهم إدارة شئون البلاد .. وهذا الجسر ينبغى أن يحمل الأهداف والقيم الحقيقية الأصلية لا الدخيلة أو الملموسة أو المدعاة ! ونحن فى هذا أشد ما نكون حاجة إلى التفكير والتأمل والبحث ، لا إلى الاندفاع والمزايدات !
من أخطر ما تواجهه ثورة يناير 2011 ، محاولة الركوب عليها بدعوى الاهتمام بتنفيذ ما تحدده قيادتها ـ وقد كان يمكن بل ويجب أن يكون هذا مقبولاً بل ومطلوباً ، إذا كان لهذه الثورة قيادة قائمة ومحددة متفق على أنها القائدة والمعبرة عن الثورة . بيد أن هذه الثورة كانت زخما عاما من المستحيل تعيين قيادة محددة متفق عليها لها ، ومن ثم تنحل هذه الدعاوى المطروحة الآن إلى محاولات للركوب على الثورة وسرقتها بزعم التعبير عنها !
وحماية الثورة من هذه الدعاوى أو محاولات الركوب والسرقة ، لا يعنى أن الثورة قد باتت هدراً بلا طحن .. فقيم الثورة المستقاة من أهدافها قائمة وظاهرة ومتفق عليها ، والالتزام بإعمالها متاح وواجب دون حاجة إلى وصاية يدعيها أحد !!
لا مراء فى أن الأداء الأمنى كان فى مقدمة أسباب ثورة يناير 2011 ، بل ولعل اختيار يوم 25 يناير لبداية الثورة ، كان اختياراً مقصودً لتوصيل رسالة ذات مغزى . وحين يكون أداء الأمن من أسباب الثورة ، فإن مواجهته بما يقتضيه من علاج وإصلاح ينضوى فى أهداف ومن ثم قيم الثورة .
وفى ظنى أن مراجعة الأداء الأمنى لا تعنى إلغاء الأمن أو مقتضيات الحفاظ عليه ، فالأمن ضرورة للجميع : الوطن والشعب .. لا غناء عنه للاستقرار ، وهو ـ إذا استقام أداؤه ـ ضمان أمان الحياة والأحياء . فالاعتراض كان على الجنوح والتجاوزات لبعض الأجهزة الأمنية أو لبعض أفراد الأمن ، ولم يكن اعتراضا لدور الأمن ما التزم بالحق واحترم حرية وكرامة وآدمية الإنسان .
كان أفدح ما وقع فيه الأداء الأمنى ، أنه فى تجاوزاته المتكررة التى صارت أصلا ـ فاته الخيط الرفيع للتوازن الواجب بين أمن الوطن وبين أمن وكرامة المواطن ـ فليس يجوز أن يطغى جانب على جانب ، ولا أن يحتج بأمن الوطن ـ أو النظام !!! ـ للجور على كرامة المواطن وأمانه الشخصى الذى يحفظ احترام حريته وحقوقه وانسانيته .. وقد ضخم آثار غياب هذا التوازن أن الأمن أكثر  " إدارات " الوطن احتكاكا بالمواطن فى شتى شئون حياته من الميلاد حتى الوفاة .
هناك خيط رفيع ، كتبت عنه للأهرام 5 ،12/10/2006 ـ بين حماية الأمن وتقويض الأمان ، فتزايد الأعباء الأمنية التى لا يمارى أحد فى عراضتها ، قد يدفع أو يغرى بتجاوزات ـ تقوض الأمان الفردى بدعوى تحقيق الأمن بتعقب الإرهاب والجنوح تعقبا غليظا ! وقد يبدو هذا المنطق مريحا لمن يتبناه ، لأنه يعفيه من أعباء الالتزام بأصول التحقيق والاستدلال وبحث واستقصاء أدلة الجريمة طبقا للأصول التى تحفظ للأبرياء كرامتهم من أن تطولهم إجراءات ثقيلة لا يقرها القانون . وقد دعوت فى مقالى الأهرام إلى وجوب التفات الإدارة الأمنية ومراعاة الخيط الرفيع بين حماية الأمن العام وتقويض الأمان الشخصى ، وحذرت من أن التجاوزات الأمنية التى كانت كثيرا ما تطول أسراً برمتها بحثا عن واحدٍ منها ـ تؤدى إلى تراكم تلال ثم جبال من الغضب والحقد والثورة المحتبسة التى تتلمس فرصة للإنفجار ، طاوية فى حناياها ـ وهذا نص عباراتى آنذاك ـ ضغنًا إزاء التجاوز وأصحابه ، وكراهةً للمحيط كله الذى يرى ويسمع ولا يعارض ولا يحاسب ! وهو ما كان ، ولم يلتفت إليه أحد حتى فَجَأَتْ الثورة حكام البلاد بما لم يكن فى الحسبان !
إصلاح الأمن كهدف ، لا يعنى أن يكون صاحب الهدف قادرًا بالضرورة على اختيار الكيفية وتحديد الأسلوب والوسائل ، فهذه المهمة تحتاج إلى خبرة وتعامل دقيق بحسابات وموازين وإمكانيات ، ويستحيل أن تكون أرضا لتعامل عشوائى غير مدروس ، وغياب قيادة عن ثورة يناير 2011 ، وتعدد أطياف أو أجندات ما تلاها ،  قد اقتضى أن تضطلع الدولة ـ بعد سقوط النظام السابق ـ بالتصدى للإصلاحات المرجوّة مع استلهام روح الثورة وأهدافها العامة وقيمها وزخمها ، وفى معتقدى أنه يتوجب ابتداءً تحديد دور الشرطة تحديدًا لا يخلط بين الدولة والنظام .. فلا خلاف على أن حماية الدولة تدخل فى حماية الوطن والمواطن ، وان النظام داخل ضمن عناصر
الدولة ، ولكن ذلك يجب أن يكون فى إطار الشرعية مع التيقظ لعدم استغلال الأمن إستغلالاً يتحول إلى فرض شوكة للنظام على حساب الشعب . واعتقادى أن التباس هذه المنطقة هو الذى أدى طوال قرابة قرن ، إلى تجاوزات الشرطة والموقف النفسى الشعبى منها ، برغم شعار أن الشرطة فى خدمة الشعب ـ فلم يقتنع الناس قط بأن هذا الشعار واقع أو يمكن أن يكون واقعًا ، بسبب بسيط واضح ـ هو تعارف الجميع على أن الشعار مطروح فى إطار  التجمل وليس الالتزام !
*     *    *       إن استخلاص رؤية موضوعية صافية للإصلاح الأمنى خالصة من الشوائب ـ قـد صـار مهمـة صعبة ، وأقول " صار " ـ لأن الأمر لم يعد قاصرًا على الميراث الغير محبوب لتعاملات شتى تجاوزت وجنوحات ليس فقط فى الثلاثين سنة الأخيرة ، وإنما من قبلها بكثير حتى هرب العمار بين الناس وبين الشرطة برغم الإقرار بلزومها لتحقيق الأمن والأمان . وقلت " صار " لأن التعامل مع ثورة يناير 2011 قد صاحبه من البداية عنفٌ شرطى  مفرط ، أدى إلى مواجهات دامية ، ثم انفلتت المواجهات إلى دهس المتظاهرين بالسيارات والانزلاق إلى القتل العمدى الذى اشترك فيه قناصة متخصصون أدوا دورهم من على أسطح المنازل حول ميدان التحرير . ومن الصعب إذن إزاء هذا الرصيد المر الذى كان للأداء الشرطى فى مواجهة الشعب، استخلاص رؤية صافية خالصة من هذه المرارات .. وزاد من الالتباسات ليس فقط ما صدر من المتظاهرين فى دفاعهم المشروع عن أنفسهم من ردود أفعال صاحبها قلب وحرق عربات مدرعة للشرطة ، وإنما تداخل أجندات من خارج الثورة قامت بالهجوم على قرابة الأربعين من مراكز وأقسام الشرطة وحرقها ونهب وسرقة أسلحتها ، فضلا عن مداهمة هذه الأجندات الغير منتمية للثورة لسبع سجون وليمانات فى وقت واحد وإخراج مساجين وصل تعدادهم إلى ما يزيد عن 23 ألف سجين لا يزال نحو تسعة آلاف منهم فارين .. يمارسون مع غيرهم ممن انفلت عيارهم ـ كل أنواع البلطجة وترويع الناس والتعدى عليهم بالقتل السرقة والاغتصاب ، فى الوقت الذى اختفى فيه دور الشرطة تمامًا فيما بعد البداية اختفاءً أثار ولا يزال يثير كثيرًا من الالتباسات ، ولم تعد التفسيرات بمنأى عن الشوائب المتخلفة عن المواجهات التى جرت فى دفاع الشرطة عن مقار وأسلحة الأقسام
والمراكز ، أو ما قيل ويقال عن أن تهريب المساجين كان مقصودًا لإشاعة الفوضى وإفشال الثورة ، وهو افتراض صعب التصديق وتناقضه شواهد ، ومع ذلك بقى الظن واحدًا من الالتباسات التى تزيد الاستخلاص الموضوعى صعوبة ، ولم يعد بوسع كثيرين التسليم بأن إحجام الشرطى ـ الآن ـ عن المواجهة حين تكون واجبة ـ يمكن أن يكون مردّه إلى الخوف من المسئولية بعد أن غاب لفترة الإقرار بواجب الدفاع الشرعى للشرطى سواء فى صد الاعتداءات أو فى الدفاع عن الشرعية ، وهو واجب الشرطى الفرد البعيد  ـ بداهةً ـ عن التنظير الذى يمارسه أهل الرأى . فالإقرار لجندى الشرطة ـ أو القوات المسلحة ـ بحق التنظير والمراجعة ، يؤدى إلى انفلات الشرطة أو الجيش ، لأن كليهما يقوم على هيبة القائد ووجوب تنفيذ الأوامر . ومع ذلك فإن المواجهات التى تمت فى الدفاع عن مقار وأسلحة الشرطة أو الليمانات والسجون والمرافق العامة قد وصلت إلى حد وقوع قتلى من الجانبين ، وبرغم حجة المدافعين أنهم يقومون بالواجب ـ بخلت المعالجات وأحجمت عن وصف قتلاهم بالشهداء لمجرد أنهم ينتمون للشرطة ، فى الوقت الذى فاز بوصف الشهادة ليس فقط  شهداء الثورة وهذا حقهم ـ وإنما جانحون هاجموا وحرقوا ـ فضلا عن السجون ومقار الشرطة ـ مجمعات محاكم ونيابة إدارية وشهر عقارى وبنوكًا ومرافق عامة ولم ينج منهم المتحف المصرى  .
لا جدال فى أن تقييم ما جرى يحتاج إلى بحث وتحقيق ودراسة ، ويحتاج بالتالى إلى وقت ، ولكن ما أعنيه هنا هو أثر هذه الالتباسات بشوائبها ـ على صعوبة استخلاص رؤية صافية خالصة لدور الأمن الآن وبعد الآن !
ومع ذلك فمن المهم أيضًا الاتفاق على مبدأ لا يقع عليه خلاف ، هو أهمية الأمن والأمان للوطن ، ولزوم  وضرورة الشرطة ـ مع غيرها ـ فى تحقيق الأمن والأمان للوطن وللناس . فإذا اتفقنا على ذلك ، فإن مقتضاه ينقلنا إلى كيف . يدخل فى هذا نظرية الأمن بعامة ، ودور الأمن وعدم الخلط فيه بين الدفاع عن الدولة ككيان ـ وهذا واجب , وبين ممالأة الحكومة والحكام حتى مع ظهور تجاوزاتها وتجاوزاتهم ، وخروجها وخروجهم عن الشرعية . ومقتضاه أيضًا مراجعة تأهيل وتدريب الشرطى بعامة ، فنيا وبدنيا ونفسيا ، وهو تأهيل تقتضى الموضوعية أن يواكبه ـ وفى إطار مصالحة واجبة ـ اقتناع المواطن بدور الشرطة وأهميته لأمنه هو وأمن المجتمع
والبلاد .
ربما عدت إلى تناول هذه الأمور بتوسع أعرض وأعمق، ولكنى لا أريد هنا ـ والآن  ـ أن أفلت وجوب إيضاح أن " ضرب الأمن " ـ ليس ولم يكن من أهداف الثورة وقيمها ، وأن ما حدث كان بفعل الظروف أحيانًا ، وبفعل تداخلات غريبة عن الثورة فى أحيان أخرى ، وأنه من المهم لنا وللوطن أن نجلى أن المصالحة بين الشرطة والشعب واجبة ، وأن دور الأمن لازم ، ولازم معه إحترام حرية وكرامة وحقوق المواطن ، وأن كلاً من الشرطى والشعب فى خدمة الوطن ، وأن نعيد إلى الساحة ـ وبوضوح ـ الإقرار بمبدأ حق بل واجب الدفاع الشرعى ، فلا غناء عنه لضبط
الأمور ، وتحقيق الأمن والأمان ،لأن من لا يضمن احترام وتطبيق مبدأ الدفاع
الشرعى ، يتراجع عن حقه بل واجبه ، ويفرط فيهما إيثارًا للسلامة !!
إن الارتفاع بالمستوى الإنساني للملاحقة والتعامل والمعالجة , ليس ضد حماية الأمن , وليس انتقاصاً من مقدار هذه الحماية أو فاعليتها . فهذا الارتفاع بالمستوى يتزاوج مع التقنيات والأساليب الحديثة , بعقلية ذات بُعد إنساني مواز للبعد الفني في الرصد والتعامل وجمع الأدلة , فضلاً عن واجبات تخفيف ينابيع الشرود ، وهى لا تتحقق بكفاية ـ كما قلنا فى الأهرام أكتوبر 2006 ـ إلاَّ بتعانق روافد عديدة منها الرافد الأمني مع تحديث للوسائل والأساليب تلتقي فيه الأهداف الأمنية مع الاعتبارات الإنسانية دون تقويض للأمن الفردي للمواطنين . قيم الثورات
والديمقراطية
ــــــــــ       لامراء فى أن شيوع الاستبداد ـ مهما تفننت أستار الإخفاء وأساليب التمويه والخداع ، كان فى مقدمة تراكمات الغضب التى أدت إلى ثورة يناير 2011 وانضمام كل أطياف الشعب إليها .. ومن ثم كانت الديمقراطية وما توجبه فى شتى المجالات ـ فى مقدمة أهداف ومن ثم قيم الثورة .. وأول قيم الديمقراطية أن يصادق باطنها ظاهرها ، فقد طالت المعاناة من أساليب التزييف التى ظن الاستبداد أنه يستطيع أن يتوارى وراءها ، ما بين إفقاد الانتخابات البرلمانية مصداقيتها بالتزوير، والسيطرة بأساليب التحكم أو الترغيب والترهيب على الصحافة مع امتلاك إعلام الدولة ، وتبادل الأدوار ـ والخدمات ! ـ بين مدة رئاسية ست سنوات ، ومدة برلمانية خمس سنوات ، على نظام سلّم واستلم ، وامتلاك الدولة ـ من خلال لجنة الحزب الحاكم ـ مفاتيح أو إن شئت مغاليق تكوين الأحزاب ، لتصير محض " فتارين" توحى بحياة حزبية لا وجود لها ، وبديمقراطية مكبلة فى الحقيقة بكل الأغلال التى تجعل الواجهة بلا مضمون ، والفرقعة بلا طحن ، وصاحب هذا كله أسلوب "الإقصاء" إلاّ لمن ينصاع ويمشى فى الركاب ،  أو يقبل على الأقل بقواعد اللعبة .. وضرب هذا وأهدر دور الشعب وحقوقه فى الصميم .. وطالت الأشواق إلى أنسام الحرية التى هبت مع رياح الثورة  .
على أنه بالنسبة لنبذ " الإقصاء "  بالذات كمعلم أساسى من معالم الديمقراطية ، فإنه يقف دونه ثارات إن جاز التعبير من باب المجاز .. فقد أنشأت تجاوزات النظام السابق على مدى ثلاثين عاماً ، أنشأت غضاضات وحزازات وخصومات صارت فى نظر من مستهم ، وفى النظر العام ، أشبه بالثارات ، أدت وتؤدى إلى مطالبات جهيرة بإقصاء كل من انتمى للحزب الوطنى ، واقتصر بعضها على إقصاء الرموز وأصحاب المواقع المؤثرة ، ولم تجد كثير من المطالبات حاجة إلى اتخاذ أى إجراء قضائى أو ما يشبه القضائى للفرز والتجنيب ، راءين أن مجرد الانتماء أو اللافتة ـ كافٍ بذاته لترتيب هذا الأثر دون حاجة إلى أى إجراء .. بينما طرح البعض نظرًا لعقد مساءلات تقيس على قانون الغدر الذى كان قد صدر فى بدايات ثورة يوليو 1952 .. وتعددت الكتابات والرجوع إلى المحاكمات التى تمت فى القرن الماضى تحت مظلة هذا القانون ، وجرى الحديث عن العزل السياسى ، بينما ارتأى البعض أن من عُزلوا سياسيا فى بدايات ثورة 1952 ، رفع عنهم العزل بأحكام قضائية سبقها رفع العزل السياسى عن إبراهيم ( باشا ) عبد الهادى بقرار من الرئيس السادات أقر فيه بتاريخه الوطنى وبخطأ توقيع العزل عليه ، وأنه من ثم ليس من المستحب التسرع إلى قرارات ننبئ التجارب السابقة أن مثلها كانت ـ لاحقاً ـ محلاًّ للمراجعة والعدول ، وأن منطق " المصالحة " هو الأولى بالشعب حتى لا تذهب أطيافه بددًا فى خصومات لا طائل .. منها إلاّ إشفاء غليل سوف يخلف بدوره ثارات تدخلنا فى حلقات لا تنتهى من الخصومات التى ليست فى صالح الوطن ، ولا هى تتفق مع الأهداف الأصيلة للثورة  .
ذلك أن من أهداف ثورة يناير 2011 ، ومن ثم قيمها ، تعميم المشاركة فى اطار ديمقراطى ، والقضاء على الإقصاء بشتى صوره ووسائله ، سواء كان بالتزوير الذى لم يكن يسمح بمرور إلاّ المراد مروره ، أو بالاعتقال السياسى ، أو بتغليق قنوات التعبير أمام غير المقبولين . ومع أن هذا الهدف كان ولا يزال مطروحا ضمن أهداف وقيم الثورة ، إلاّ أنه يتناقض معه دعاوى الإقصاء التى ظهرت تحت أشكال وصيغ مختلفة . قد يكون هناك منطق وراء إقصاء شخص أو آخر بضوابط يجب أن يحددها القانون وتلتزم بمبدأ شخصية المسئولية والعقوبة ـ إلاَّ أن الإقصاء الجماعى ، أيا كانت تعلاّته ، يناقض وينقض كل المبادئ الدستورية ، ثم هو يناقض وينقض أحد أهم مبادئ ثورة يناير ، وهو المشاركة لا الإقصاء !
     المسألة كما نرى تحتاج إلى تفكير لا إلى إندفاع أو مزايدات . ولا يشفع لمنطق المغالاة فى الإقصاء بلا فرز ـ التشبه أو التعلل بثورات فى التاريخ امتزجت بأقصى أنواع الإقصاء الذى بلغ حد الإعدام وأحيانا بلا محاكمات ، أو الاستشهاد بأن  مقصلة الثورة الفرنسية أطاحت بمئات بل آلاف من الرءوس . فذلك ليس فى ذاته سُنَّة واجبة الاتباع ، وقد ظلت ثورة يوليو 1952 تتباهى بأنه فيما عدا إعدام خميس والبقرى والأستاذ سيد قطب والستة الذين كان منهم الأستاذ عبد القادر عودة ـ نجحت الثورة فى تجنب إراقة الدماء . فلم يكن ذلك ولا يمكن أن يكون هدفًا فى ذاته ، وهو ما ينطبق ـ وإن كان بقدر مختلف وصورة مختلفة ـ على تجنب الخصومات أو التوسع فيها ، فهى بدورها ليست هدفًا فى ذاتها ما لم يكن لا مندوحة عنها ، ومن ثم فإن الفرز والتجنيب واجب ولازم حتى لا يدخل الوطن فى اشتجارات تفتت نسيجه ، سيما إذا كانلا يوجد داعٍ مُلح لها  .
هذا النظر ، وحتى لا يساء فهمه ، لا يقصد المساءلات القضائية الجارية والمزمعة لمن تغوّلوا على حقوق الوطن وأمواله وتعدّوا على أرواح المواطنين وحقوقهم وسلامهم ، فمساءلة هؤلاء واجبة فى إطار القانون والقضاء ، وأحكام القضاء بالإدانة ترتب فى ذاتها الإقصاء طوال مدة تنفيذ العقوبة ولمدة تحددها الأحكام أو نصوص القانون تبعًا للإدانة والعقاب بعقوبة الجنايات . وهذا بذاته يضع الضوابط التى لا تتوافر إذا ما أبيح الإقصاء لمجرد الانتماء للحزب الوطنى ، وهو ما يمتد إلى مئات الألوف بلا تمييز !!
لا يوجد ما يلزم ثورة يناير 2011 بأن تحذو حذو ثورات سلفت فى التاريخ ، فلكل ثورة أهدافها وقيمها ، وهى التى تحدد من واقع ذلك مسيرتها وغايتها .
ستبقى ثورة يناير 2011 بخير , ما التزمت بقيمها وأهدافها , ودرأت عنها الوصاية والأوصياء .. فهي ثورة فريدة حقاً , وخلصت مصر من وطأة نظام جثم عليها سنين طويلة , ووضعت مستقبل الوطن على بداية طريق صحيح نحسن صنعاً إذا التزمنا صراطه واستمسكنا بغايته برؤية صافية ـ تستلهم مرادها بالتفكير والتأمل لا بالمزايدات والوصايات !!