رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

rattia2@hotmail.com

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

  والكسل فيما يبدو أمر نفسى وعقلى ، وهو خوف وإعراض عن تصور موقف جديد يدفعنا إلى الهرب من تغيير ما هو موجود ، فهو ـــ أى الكسل ـــ ليس مجرد كراهة وإعراض عن بذل المجهود فى ذاته .. ذلك أن الآدمى لا يكف حتى فى نومه عن بذل المجهود بصورة أو بأخرى ، وحياته العضوية والنفسية سلسلة متصلة من الجهود التى لا تتوقف إلا إذا توقفت الحياة ذاتها . فالكسل فيه أمر زائد على مجرد رفض المجهود ، هذا الأمر الزائد هو رفض الجديد المقصود به إحداث تغيير فى تصوراتنا أو مواقفنا ، ونحن حين نتخذ موقفا جديدا ندخل فيما يشبه المغامرة ، وهى قد تكون منهكة تدعونا إلى الكف والعودة لالتزام ما ألفناه ، والتوقف عن بذل الجهود النفسية والعقلية التى يقتضيها التغيير . 

     نرى شيئا من ذلك لو تأملنا حال « الموجة المادية » التى بدأت تظهر بين المسلمين مع الفتوح فى أواخر عهد عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، فهذه الموجة المادية التى علت وامتدت بعد ذلك ، كانت فى جوهرها موجة كسل عام بالمعنى المتقدم ، تسربت إلى نفوس كثيرة لم تر الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولم تشهد المشاهد معه لتغيير حياتهم التغيير الشامل الجاد الذى يتطلبه تطبيق الإسلام تطبيقا صحيحا كاملا . فلما أطل الرخاء وزاد ، ضاقوا بجسامة التغيير الواسع العميق المطلوب الذى يدعو إليه الإسلام ، وتهيبوا تطبيق الإسلام الكامل ( المجهد ) ، وغلب على أمرهم الاسترخاء النفسى والعقلى والروحى ، واكتفوا بتطبيق الإسلام تطبيقا فيه مصالحة ومواءمة تتوقف عند حدود وأجزاء معينة ، وتأبى التغيير الكلى الذى هو هدف الإسلام الأساسى ، ولا يزال هدفه إلى قيام الساعة .

     مثل هذا حدث ويحدث فى كل حركة دينية أو اجتماعية تتغيّا إحداث مثل هذا التغيير الكلى فى حياة الناس ، لأنها تصطدم بعد وقت قصير أو طويل ـــ بمقاومة الكسل البشرى .. هذا الكسل الذى يفسر قصر عمر العصور المثالية فى تاريخ الإنسانية !

     ومن الملاحظ أن حائط الكسل يزداد كثافة كلما ازداد نفوذ الكتل والعامة ، ونفوذها فى العصر الحالى جسيم ، وهولا يرجع إلى الفكر والنظر الفكرى ، لأن الفكر مهما تساهل لا يسلم للعوام فى قيادة البشرية إلاَّ بدور ثانوى . ويبدو أن مكانة الكتل فى زماننا إنما ترجع أساسا إلى دورهم فى الصناعة والتجارة الحديثتين ، فهما تحتاجان على النطاق الواسع ـــ إلى الكتل والعامة ، كعمال أو عملاء على حد سواء . فالصناعة والتجارة هما القوتان الخفيتان اللتان تسوقان الكتل إلى مساواة الخاصة فى الرغبات والشهوات والمطالب والحقوق . ولذلك فليس عجيبا ما نشاهده من شدة الروح المادية لدى الكتل ، وظهور الأنانية والغرور ، وضعف الشعور بالواجب ، وقلة ضبط النفس والاتزان !

      ولكن ، هل يمكن أن تصبح الأشياء المادية أغلى وأثمن من الآدميين فى مجتمع متحضر ؟ أجل ، وللأسف ـــ يحدث ذلك حينما نغفل أمر الآخرين ونسقطهم من تفكيرنا ، وحين نبعدهم عن دائرة اهتمامنا ، وحين لا نرى إلاّ أنفسنا وأغراضنا وما نخططه ونـدبره لتنفيذها أو تحقيقها .. فعندئذ يصبح الآدميون فى نظرنا مجرد عوامل مساعدة نستخدمها فى تحقيق أغراضنا !

     لا بد أن يحدث هذا حينما نتصور أن الإنسان سيد مصيره بلا حدود ولا سقوف ، وحين نسقط من رؤيتنا وحساباتنا ـــ أنه توجد جهة عليا سامية لا بد أن تخضع لها مشيئتنا ،
ولا نرى أن هذه الجهة العليا تفرض قداسة وقيمة لكل آدمى كآدمى  .

     لا شك أننا جميعا نريد خيرًا كثيرًا لديننا وإخواننا ، ولكننا نتردد ونحجم عن دفع ثمن هذا الخير الكثير الذى نريده , لأننا لا نحب شيئا قدر حبنا لأنفسنا وأموالنا ومصالحنا ، ولأننا رغم الأقوال والابتهالات لسنا واثقين تماما من وجهتنا ، ويخلو معظمنا من استرابة قليلة أو كثيرة فى وعد الحق . يستوى مسار الإنسان ، ويتحقق التقريب ، حين يسأل كل منا نفسه : هل يثق فعلاً فيما عند الله تبارك وتعالى ـــ ثقته فى البنك الذى فيه ودائعه ، أو الخزينة التى يكنز فيها أمواله ، أو فى شركة التأمين التى أمَّن لديها على حياته وماله ، أو ثقته فى وعد الحاكم ورضاه ؟!

         يبدو أن العقود والعهود التى نعقدها أمام الله عز وجل معظمها كلام وأحلام ، لأننا نفر فى الواقع من تحمل المشاق والصعاب والتضحيات التى يقتضيها الصدق مع الله  ، والوفاء للإنسانية ، واحترام الإنسان من حيث هو إنسان ، مع أن ما نترك هذا من أجله ما هو إلاَّ الوهم والباطل وقبض الريح !

 

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *