رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

rattia2@hotmail.com

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

فى كتابه الضافى : « معالم التقريب » ، وقف أستاذنا العالم الفقيه المفكر الجليل محمد عبد الله محمد عند المال وأثره على الدعوات بعامة ، وفيما يتعلق بمعالم التقريب بين المذاهب بخاصة .. ويبدأ بإيضاحٍ يبادر ببيانه ، هو أن « التقريب »  لا يعادى المال ولا يواليه . ولكن المال يلفت إليه دعوة التقريب من جهة آثاره على الأرواح ، باعتباره قيمة قد تنافس الدين ، وباعتباره عنصرًا فى الواقع ، ووسيلة من الوسائل فى خدمة الحاجات المادية اللازمة للدعوة الدينية ، وباعتباره أداة للتعبير عن العواطف بما فيها عاطفة التدين .

     فالمال قوة فى المجتمع ليس لها فى نظر الناس حدود ، وهو قوة مركزة تستخدم فى تحقيق آلاف بل ملايين الرغـبات والأغراض ، لذلك فقد صار الصراع على المال صراعًا من أجل القوة فـى أصفى وأيسر صورها ، فهو فى مقدمة قائمة القيم فعلا وواقعا فى كل الجماعات حتى الماركسية منها ، وأدى إلى سيادة « الطابع المادى » الذى هو أكثر ظهورا عند السوقة والمحتاجين وأهل الفقر والكتل بعامة ، نتيجة الشعور بالاحتياج والضيق وشدة التطلع إلى التخلص أو الراحة منهما ، من أجل هذا تتعاظم غالبا قيمة المال ـــ حتى القليل منه ـــ فى عين الفقير، ولذلك لم تستطع الأديان حتى فى عنفوانها أن تحطم مكانة المال فى قلوب الكتل الفقيرة .

     بيد أن هذه الكتل الفقيرة ليست هى التى تعطى المجتمعات طابعها عبر التاريخ ، وإنما يستمد المجتمع طابعه دائما من الطبقات التى تعلو القاعدة ، كما هى الحال فى الأبنية عموما ، وهذه الطبقات هى التى يمكنها أن تقف من المال موقفا فيه شىء من الهدوء يسمح بالتأمل ، وهى التى يمكن أن تفطن إلى أضرار المال وأخطاره وقدرته الشيطانية على التسرب إلى الروح وإتلاف الضمير . وفى هذه الطبقات ــــ التى تعلو القاعدة ــــ يمكن أن يتقابل الدين كقيمة مع المال مقابلة فيها صراع ، فإذا فاز الدين انخفضت مكانة الغنى بالنسبة للفقير ، وتراجع شأن المال ، وقل أو اعتدل تهافت الناس على الثراء ، وسهل من ثم بذل المال والتقرب به فى الصدقات وأنواع البر سرا وعلانية ، ولم يعد الفقر من المال نقصاً يغض من قدر الآدمى فى عين نفسه أو فى عيون الناس ، ولم تعد ملكية المال تزكى ـــ فى ذاتها ـــ قدر صاحبها ، وخف بهذا جانب مهم من جوانب الصراع على الدنيا ، وتسربت روح ذلك وأنـداؤه إلى الكتل الفقيرة ، فيلطف من حدة ما تعانيه .

    وعملية رفع الدين إلى رأس قائمة القيم ، هى فى الدرجة الأولى عملية خفض لمكانة المال وسلطانه وأثره على النفوس ، على أنه ليس من السهل ـــ مادام الناس على ما هم عليه ـــ
أن يبـقى الدين مـدة طويلة على رأس جدول القيم فعلا وواقعا . ويبدو أن تصدر الدين قائمة القيم فى نفوس الناس لا يجىء إلاّ كرد فعل فى أعقاب النكبات والانتكاسات ، أو فى أعقاب نوبات التكالب والسعار على الدنيا التى تجتاح المجتمعات عندما يبلغ فيها الشغف بالمادة ومتاع الدنيا حد الاقتتال ، ففى أعقاب هذه وتلك تكون الظروف مهيأة للدين لأداء دوره الطيب والملطف لما يصيب المجتمعات من الأوضار !

    ويجب أن يلتفت أهل التقريب وغيرهم من أهل الدعوات ـــ فى تأثير المال ـــ إلى دور الخامة البشرية ، أى مجموعة الاستعدادات والقدرات والخصال التى لدى الإنسان ، وهى قدرات تختلف باختلاف المكان والزمان والظروف ، وترك ويترك آثاره الحتمية فى تاريخ الأديان وكيفية نموها ، وعلى آثار صراعها مع المال والقوى المادية ، وهو يحدد مع غيره من العوامل مستقبل أى دعوة دينية قديمة أو جديدة .

    وهبوط الخامة البشرية شىء حدث ويحدث فى كثير مـن الجماعات ، ويترجم عن وجوده  فى صورة خلل مزمن فى عمـل الأنظمة ، وفى ذهول وإعراض الناس عن الاهتمام بالنجاح للأنظمة أو الغيرة على الخير العام . ولا سبيل إلى علاج هذا الهبوط حين يستشرى فى الخامة البشرية ، إلاَّ بمحاولة تغيير النفوس ودفعها إلى العودة الضرورية اللازمة لنجاح المجتمعات والأفراد .

     ويبدو أنه فى هذا الصراع بين الدين والمال على نفوس الناس وأرواحهم ، لم يدرس المسلمون الكسل وأثره دراسة كافية ، ولم ينتبهوا إلى دوره الخطير فى تاريخهم ، ولا إلى الصلة الوثيقة بينه وبين المغالاة والتطرف والجمود !!

 

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *