رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

rattia2@hotmail.com

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

    طفت كثيرًا فى قراءاتى بتراثنا الحضارى ، وطفت بالتراث الشعبى .. معتقداته وعاداته وتقاليده وآدابه وفنونه وسيره وملاحمه وأساطيره ومواويله وأغانيه وأشعـاره وحرفـه ومنتجاتـه .. وأن أجمع ما كان مبعثراً فى الذاكرة ـ أو المكتبة ـ من معلومات ومؤلفات متفرقة وضعها الأعلام ومن واصلوا من بعدهم ، وبذلوا فى جمعها وتحليلها جهودًا مضيئة صارت بها ـ مع العمل الرائع لمركز توثيق التراث ـ فى متناول الباحث تبعًا لغوصه وتحليله لاستنطاق ما تراكم على مر الدهور .. قيمة هذا التراث أنه تعبير تلقائى عن الناس .. انبعث ـ كما ينقل رشدى صالح عن ” هويتمان ” ـ من عمل أجيال عديدة من البشرية من معتقداتها ومعارفها وأفراحها وأحزانها وضرورات حياتها .. أساسه العريض قريب من الأرض التى شقتها الفئوس ، أما شكله النهائى فمن صنع الجماهير المغمورة المجهولة .. أولئك الذين يعيشون لصق الواقع !

      لا يخطىء الجائل فى الأدب والفنون والسير الشعبية ، كيف حملت أصداءً من هنا وهناك بالمنطقة العربية فى دلالة تلقائية واضحة على الجسور الممتدة بينهـا منذ فجر التاريخ ، لم تمنع خصوصية الأدب الشعبى والفنون الشعبية فى بعض البلدان والأقطار ، مثلما لم تمنع فى أقاليم القطر الواحد ، من وجود قواسم مشتركة وأصداء متلاقية تورى بأن الأدب والفن الشعبى فى المنطقة العربية بعامة ـ دليل على اتصال وتواصل وامتزاج وتفاعل وانصهار لم يصنعه قرار ، وإنما عبر تعبيرًا تلقائيا للإنسان العربى فى أدبه وفنه وشعره وسيره ، شفاهةً وكتابةً ، فقام هذا التراث شاهدًا تلقائيًا لا يستطيع أحد أن يغض دلالته على الجسور الممتدة فى قلب وأطراف المنطقة العربية والضاربة فى أعماق السنين .

      ترى هذا الامتزاج شاخصًا وأنت تتابع كيف كانت مقامات بديع الزمان والحريرى مقدمة لنشأة  « خيال الظـل » الذى كتب عنه الدكتور عبد الحميد يونس يقول : « المقامة فى أصلها أدب تمثيلى ، وأنها من القيام فى دار الندوة إبان العصر الجاهلى » ، و« أنها كانت تمثيلاً مباشرًا متواصلاً  يقوم به ممثل فرد » .. عادت المقامة من حيث بدأت ، وجعلت تتطور حتى دخلت المسرح عن طريق « خيال الظل » ، ومنها جعلت تتطور فنون الفرجة والعرض المسرحى . موجات التأثر بهذه المقامات عبر خيال الظل وما أدى إليه ، عمت أصداؤها المنطقة العربية طولاً وعرضاً .. ترى هذا جلياً وأنت تتابع ما كتبه الأستاذ فاروق خورشيد رائد الأدب الشعبى ، فى كتابه الضافى « الجذور الشعبية للمسرح العربى » . فيه تتبع الموروث الشعبى وملامحه الدرامية فى القول والأحلام والكهانة والسحر والجنون ، ينطلق من قاعدة أن التراث الشعبى شامل يعنى عالما متشابكًا من الموروث الحضارى ، والبقايا السلوكية والقولية التى بقيت عبر التاريخ ، وعبر الانتقال من بيئة إلى بيئـة ، ومن مكان إلى مكان ، فى المحيط العربى وفى ضمير الإنسان العربى . منذ مطلع التاريخ وهذه المنطقة ـ فيما يقدم فاروق خورشيد لعمله ـ مرتبطة ارتباطًا كاملاً باعتبارها بؤرة جغرافية موحدة المصالح والموقف التاريخى وتتبادل مراكز النقل الحضارى من الشرق والغرب والجنوب ، وهذا التواصل والاستمرار فى تبادل المعلومة والمعرفة العامة ، والإبداع الفكرى والفنى ، كفل نوعًا من التزاوج العرقى والاجتماعى والفكرى ، وجعل تبادل الفكر سمتًا عبر عن نفسه فى تراثنا الشعبى ، وفى مسرحنا العربى .. يتابع فاروق خورشيد بحثه عـن الملامح المسرحية فـى المـوروث الشعبى فى كتابات الأقدمين ومعالجات المحدثين ، وعن أثر الزار فى المسرح المعبدى ، ودور « خيال الظل »،  ماراً بما كانت تمثله فى القديم مجالس السمر وما يرويه القصاص الذى يحكى حكايات الماضى وقصص الأولين، ودور « المقامة » فى التمهيد للمسرح . هذه الانعكاسات التبادلية فى المحيط العربى قـد استلهمت السير الشعبية والأشعار وألف ليلة وليلة ، وكلها ذات مضامين عربية ، قدمت المادة العربية الشعبية التراثية للبدايات المسرحية الأولى فى المحيط العربى بعامة ، متمثلة فى مسرح الشارع .. فى ملاعب اللهو والبهلوانات والسيرك والحواة الذين يلعبون بالثعابين  ومروضى القرود، وملاعب المصارعين والملاكمين والمبارزين وضاربى الودع وفتح الرمل ونافخى النيران وأماكن مصارعة الديكة ، وفى فنون المخايلة التى تمثلت فى خيال الظل وصندوق الدنيا والأراجوز وعروض فرق المحبظين ، والتى ربطت
فى النهاية بين إرهاصات المسرح العربى الشعبى هنا وهناك ثـم بالمسرح بـل والأدب المعاصر الذى لا يزال للآن يستلهم التراث الشعبى العربى فى ألف ليلة وليلة وفى غيرها .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *