من تراب الطريق (820)  مرتضى المراغى شاهدًا على حكم فاروق  (29)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

الشعب يكرهنى ، ولكن الجيش معى

 

     تابع مرتضى المراغى وصف لقائه بالملك ، وأضاف أنه نظر إليه نظرة عجيبة وهو يقول له :

      « ما شاء الله . هل أصبحت شيوعيًا ؟

     قلت : لست شيوعيًا . ولكن أرجو أن يعالج الأمر على ضوء الاعتبارات الاجتماعية ، وأرجو أن تأمر جلالتكم رجال الحكومة بالعمل على رفع الظلم الإجتماعى ، لأنه بهذا وبهذا وحده ، نحارب الشيوعية .

     قال الملك :

    إن شعبى شعب سعيد والخير كثير ومتوافر ، والشيوعية خطر على عرشى . إن همَّ الشيوعية إزالة العروش  وأكثر العروش أطاحت بها الشيوعية .

    وأضاف الملك :

    أنا لا يهمنى الشعب ، إننى أعلم أنه يكرهنى ، إنهم يعيبون تصرفاتى وينتقدوننى . إنى لا أخاف الشعب ، لأن لى درعًا تحمينى ضده . وسكت .

    قلت : هل تسمح يا صاحب الجلالة بأن تذكر ما هى هذه الدرع ؟ فرد وهو يكز على أسنانه وببطء : الجيش .

     سكت برهة وقد هالنى الأمر ، وتمالكت نفسى فترة أحسست فيها بضيق شديد وببعض العرق يتصبب ، وأخيرًا قلت :

    يا صاحب الجلالة هل أنت واثق من ولاء الجيش ؟ وتطلعت إلى وجهه الذى أصبح فى احمراره كأنه قطعة ضخمة من الطماطم وبدأ جسمه الضخم يرتعد والحق أنى شعرت بشىء من الخوف قطعته صيحة منه تقول :

    ـ إيه ده ؟ ماذا تقول ؟ هل تريد أن تشكك فى ولاء الجيش لى ؟

    ـ لا أريد أن أشكك ، ولكنى أعلم أن الجيوش قامت بعدة انقلابات ضد حكامها.

    فصاح : هاهاهاها ، هؤلاء حكام مغفلون لم يعرفوا كيف يختارون الضباط المخلصين ، إن أى ضابط يلتحق بالجيش ، أعرف عنه ما لا يعرفه عنه أبوه وأمه

    وابتسم ساخرًا وقال : أنت فاكر إنى ألعب ، ثم أخذ يترنم بأغنية فرنسية وتوقف بعد لحظة ونظر إلىَّ قائلاً :

ـ هل تعرف الفرنسية ؟

قلت : قليلاً ، لأنى تعلمت الإنجليزية .

قال : هه هل تعرف أنى أتقن ست لغات ؟

فقلت : لا غرابة فى ذلك .

  قال : إن الأغنية التى كنت أترنم بها جميلة المعانى ، وموسيقاها عذبة ، وإنى أترنم بها حين يضيق صدرى .

    سكت ولم أرد على الغمزة التى قصدنى بها .

    وأخذ جلالته يضحك .

    قلت : يا صاحب الجلالة أرجو الله أن يجعل حياتك دائمًا سعيدة وطويلة ، ويسرنى أن أرى جلالتك تروح عن نفسك بهذه الطريقة .

    قال : إن تمنياتك لى بحياة طويلة وسعيدة ، أشكرك عليها ولكن حياتى فى مصر لن تكون طويلة لأنها لن تكون سعيدة ، أما بعيدًا عن مصر فإنى أستطيع أن أحيا حياة طويلة سعيدة .

  ـ وأين يا صاحب الجلالة ؟

  ـ فى أى بلد آخر من العالم . أنا أعرف أنى لا أستطيع أن أعيش كما أبغى فى بلدكم هذا ، إن الذى يريد أن يعيش فى مصر ويتجنب الانتقاد والسخرية ، عليه أن يلبس عمامة ويمضى حياته فى الكرب والغم والقرف والصخرية وأنا لا أحب الغم والقرف يعنى فيها أيه لو ذهبت إلى نادى السيارات أو الأوبرج لأروِّح عن نفسى عناء العمل أليست هذه ديمقراطية أجلس فيها مع الشعب كأنى واحد منهم ، لكنكم تنتقدونى على ذلك .

    قلت : إنهم لم يتعودوا أن يذهب ملكهم إلى ملهى ، ولم يسمعوا عن الملوك الآخرين أنهم يفعلون ذلك .

    قال : هذه تقاليد بالية ، نحن فى عصر حديث .

   فسكت إذ لا داعى للمجادلة . لقد أفسح صدره لملاحظات لو قيلت لأحد ديكتاتورى القرن العشرين لخرجت إلى جهة لا يعلم أحد من أهلى أين تقع وإن كنت سعيد الحظ بهذه الجهة من دون شك ستكون سجن القناطر أو طرة أو القلعة .

    وقام الملك من مقعده وتوجه إلى وسط الغرفة وقال :

ـ على كل حال سأريحهم وأستريح منهم كلها كام سنة وبعدها .. ثم سكت .

   ثم صافحنى معلنًا انتهاء المقابلة فخرجت من مكتبه وكلماته تطن فى رأسى ، وغرابة تصرفاته تحيرنى إلى أقصى حدود الحيرة .

    إنه يريد أن يحارب الشيوعيين ، وأن يقبض عليهم لأنهم يهددون عرشه . إنه يحصن نفسه ضد الشعب معتمدًا على الجيش ، ولكنه فى الوقت نفسه يفكر فى الخروج من مصر والتخلى عن العرش ، وفيما كنت أسير فى ردهات القصر غارقًا فى أفكارى ، استوقفنى صوت يقول فى لغة عربية ركيكة :

ـ إزيك يا سعادة البيك .

   نظرت إليه وعرفته ، إنه تستا الإيطالى ، مانيكور الملك وبيديكيره ( المختص بقص أظافر اليدين والقدمين ) .

   قلت : سلمك الله ، وكيف حالك ؟

   قال بلكنته الغريبة : هل أنت مسرور منى ؟   

   قلت : يا تستا لم أجربك بعد فى قص أظافرى .

   فضحك وقال : لا أقصد ذلك . هل أنت مسرور من التقرير الذى أطلعك عليه جلالة الملك عن الشيوعية ؟

  قلت : وما شأنك أنت بالتقرير ؟

    فأبتسم فى استحياء وقال :

  ـ أنا الذى كتبته .

    ومضى برطانته يقول :

   ــ  يا سعادة البيك ، لا تظن أن تستا بسيط ولا يعرف إلا قص الأظافر .

    ووضع إصبعه على رأسه وقال : إن مخ تستا كبير .

    وودعت ذلك الرجل الذي يقلم أظافر الملك ويريد تقليم أظافر الشيوعية .

    ولما خرجت من القصر توجهت فورًا إلى مكتبى فى وزارة الداخلية وطلبت ملفات النشاط الشيوعى ، ورحت أراجعها ولم يطل عجبى ، إذ وجدت أن أحد التقارير المودعة هو صورة طبق الأصل عن تقرير تستا الذى قدمه إلى الملك ، وحققت فى الأمر ، وعلمت أن تستا على اتصال ببعض موظفى الأمن العام وأنه يأخذ منهم بعض التقارير ، علمًا منهم بأنه ذو حظوة عند الملك ، وأملا منهم فى أن يقربهم منه .

    وفى اليوم التالى قابلت وزير الداخلية ، وكان رئيسًا للوزراء ، وسردت  عليه ما حدث ، ولما انتهيت من حديثى ضحك قائلاً :

  « هون عليك . إنى أتلقى كل يوم تعليمات من الملك عن مشاريع تسربت إليه من أضابير الوزارات قبل عرضها على مجلس الوزراء بواسطة خدم الملك الخصوصيين أو ما يسمونهم الشماشرجية ، ويباهينى الملك بأنها نتيجة دراساته واطلاعاته وهو يقول لى دائمًا بانه لولا أخذه دائمًا بزمام المبادرة لتعطلت الدولة ! »

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *