من تراب الطريق (818)  مرتضى المراغى شاهدًا على حكم فاروق  ( 27)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

  فكرت طويلاً فيما عساى آخذه أو أطرحه فى الفصل المعنون : « ملكة مصر المقبلة تحلم » ، وعناوينه الفرعية : المرأة التى استولت على فاروق وحجبت عنه رؤية الثورة . قال لها أريد أن أتزوجك ثم طلب منها أن تكون وصيفة ناريمان ، وهذا الشق بالذات هو الذى دار حوله تفكيرى ، أما ما بقى عن استدعاء إبراهيم عبد الهادى لعبد الناصر وسؤاله عن الضباط الأحرار ، أو تحليل موقف السادات إبان الإعداد للثورة ، وهل كان موقعه إلى جانب يوسف رشاد هدفًا من أهداف الحركة ، فلا بأس ـ بداهة ـ من تناوله .

       أما الشق الخاص بأحلام الملكة ، والمرأة التى استولت على فاروق ، فقد قررت بعد تفكير طويل أن أستبعده ، لمساسه بالأعراض وبغير دليل ، ولأن أسلوب تناوله أسلوب روائى يعتمد فى معظمه على الخيال فى تصوير ووصف مشاهد لم يحضرها المؤلف ، ومن المحال أن يعرف التفاصيل الدقيقة التى يصفها حتى رشفة الشاى وجرس التليفون وإغفاءة التثاؤب ، مهما كان الجهاز الذى يعتمد عليه فى جمع المعلومات ، فقد صور تصويرًا أقرب إلى خيال الروائى منه إلى الحقائق التى يجب أن يلتزمها المؤلف بدقة ، لا سيما فى مسائل الأعراض التى لا يجوز الخوض فيها أساسًا ، ناهيك أن يكون الخوض بغير بيّنة ، وأقرب إلى خيال القصاصين .

        استدعاء إبراهيم عبد الهادى للضابط جمال عبد الناصر ، واقعة ثابتة ترددت فى أكثر من مؤلف ، ويرويها مرتضى المراغى هنا رواية رجل الداخلية القوى المطلع ، وأهمية هذه الواقعة أن نبأ الضباط الأحرار كان قد بدأ يتسرب قبل قيامهم بالحركة ليلة 23 يوليو 1952 .

      كانت بداية تكوين الحرس الحديدى فى عام 1943 ، ولم يكن مصطفى كمال صدقى وخالد فهمى وحسن قد دخلوه ، وإن كان قد دخله ضابطان آخران كانا على صلة وثيقة بالدكتور يوسف رشاد ، وقد قدم يوسف رشاد لهما خدمات جمّة إلى أن جاءت حرب 1948 وقامت إثر انتهائها حركة الضباط الأحرار ، والتى كانت دوافعها إرسال الجيش إلى حرب إسرائيل بغير استعداد ( وقد تكرر هذا عام 1967 ) وتحت قيادة هزيلة وبأسلحة فاسدة أو غير كافية .

      ويضيف المراغى أن حركة الضباط الأحرار لم تكن خافية على الحكومة ، وقد عرف بقيامها إبراهيم عبد الهادى رئيس الوزراء ، بل هو عرف أن المرحوم جمال عبد الناصر كان على رأس الحركة فأرسل يستدعيه بحضور الفريق محمد حيدر وزير الحربية وقائد الجيش .

      ويضيف المراغى تفاصيل مشهد لقاء عبد الناصر بإبراهيم عبد الهادى ، والذى سأله عن قيادته لحركة الضباط الأحرار ، فنفى عبد الناصر ، ولكنه تردد ثم أقسم حين طالبه
عبد الهادى بأن يقسم بأنه لا يكون حركة ، وأراد حيدر أن يبسط الأمور ، فأورى بأن ما وصل إلى رئيس الوزراء مبالغ فيه ، وأن الأمر لا يعدو لقاءات ودردشة ولعب الورق أحيانًا بين الأصدقاء .

       وقد كانت هذه المحادثة ـ فيما يضيف مرتضى المراغى ـ إنذارًا لعبد الناصر بأن يأخذ حذره وأن يعمل تحت طى الكتمان الشديد . وأصبح الشخص المتهم أمام الحكومة والذى تلوك اسمه الألسن ليس عبد الناصر ولكنه اسم آخر . هو اسم أنور السادات ، كان اسم السادات هو الذى يتردد على أنه زعيم الضبط الأحرار ، باعتبار أنه كان مع عزيز المصرى يؤيد المحور ضد الإنجليز سنة 1942 . وقد فصل من الجيش ، لذلك لم يعد إلاّ سنة 1948 . وقد اعتقل فى سجن المنيا سنة 1942 ، اعتقلته حكومة الوفد بإيعاز من الإنجليز . كل هذه الأحداث جعلت اسمه بارزًا كضابط ثائر وما دامت هناك حركة ثوار فلا بد أن يكون السادات على رأسها . كانت أغلب تقارير البوليس إذا تناولت حركة الضباط الأحرار رددت اسم البكباشى أنور السادات ، ولم يظهر اسم جمال عبد الناصر وأعضاء مجلس قيادة الثورة إلاّ متأخرًا عام 1952 ,

        ويرى المراغى أن الثورة قد انتفعت كثيرًا من كون واجهة السادات حجبت واجهة الآخرين ، فراحت تعمل فى الخفاء والعيون تراقب السادات ولا تراقب الباقين إلى لحظة متأخرة قبل قيام الثورة .

     كما استفادت حركة الضباط الأحرار أيضًا من صداقته للدكتور يوسف رشاد الذى اقنع فاروق بإعادة السادات إلى الجيش فى عام 1948 بعد أن فصل منه . وقد قيل كثيرًا : إن  السادات أصبح عضوًا فى الحرس  الحديدى ، ومعلوم أنه اتهم بقتل أمين عثمان وبُرئ ،ِ ولو أن السادات لم يفكر يومًا أنه شارك فى قتل أمين عثمان ، والضابط مصطفى قال : إن السادات كان يصحبه فى السيارة التى وقفت أمام دار النحاس وفجر فيها قنبلة .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *