من تراب الطريق (817)  مرتضى المراغى شاهدًا على حكم فاروق (26)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

    يروى مرتضى المراغى أنه توجه فى الغد إلى القصر الملكى حيث قدم المذكرة مصحوبة برأيه بالموافقة عليها ، ولكن صدق حدسه وأرسل بها الملك إلى النقراشى باشا رئيس الوزارة الذى طلب مقابلة عاجلة مع الملك فاروق ، وتمكن من أن يقنعه بعدم قبول المذكرة التى هى خدعة بريطانية للتخلى عن السودان ، ووقعت أزمة بين الحكومة المصرية والحكومة البريطانية لمخالفة الطريق الدبلوماسى ، ويضيف المراغى أنه جرت مشادة عنيفة بين النقراشى وبينه قدم إليه فيها استقالته ، ولكن النقراشى لم يقبلها ، وانتهى الأمر فيما يقول بأن انفصل السودان عن مصر فعلاً ، ولا أعتقد شخصيًّا أن هذا صحيح ، فقد بقيت السودان ومصر معًا إلى قيام ثورة يوليو 1952 ، وأخذ المراغى على قرار الحكومة المصرية أن إسرائيل تسلحت بما تريده ، وبقيت مصر بغير تسليح حتى عام 1955 ، وهو يبنى رأيه على افتراض صدق الإنجليز فيما كانوا قد وعدوا به فى مقترحهم ، وهو افتراض يتعارض مع ما عرف عن الوعود البريطانية .

      كما عزا رفض الملك إلى حاشية القصر الذين قاموا قبل حرب 1984 بعمليات واسعة لشراء الأسلحة بواسطة عملاء مشبوهين وأثروا من ذلك ثراءً فاحشًا ، ويتجاهل هذا التحليل أن أساس رفض الاقتراح كان من النقراشى باشا رئيس الحكومة الذى أقنع الملك برفض الاقتراح .

 

انفجار مخزن الذخائر فى القلعة

 

     يروى المراغى أنه فى أمسية حارة من صيف عام 1949 ، سمع وهو فى شرفة منزله انفجارًا مدويًّا بعثر المائدة التى كانت أمامه ، وأعقبه آخر أقوى ، وانبعثت فى السماء أضواء قوية ، فسارع يتصل بقسم الأمن فى وزارة الداخلية ، فلم يجد تفسيرًا عند الضابط المناوب ، فكلفه باستطلاع الأمر وإفادته ، فأفاده لاحقًا بأن انفجارًا وقع فى مخزن الذخائر بالقلعة ، وأن سيارات الإطفاء سارعت إلى المكان .

 

     وسارع المراغى بنفسه بالانتقال إلى المكان ، حيث وصل إلى مركز البوليس الواقع فى سفح الجبل الذى تقع القلعة فوقه ، وطفق رجال الإطفاء يسيطرون على الموقف ، باذلين بسالة رائعة ، فلما تمت السيطرة وتوقفت الانفجارات انتقل وكبار رجال الشرطة إلى مكان الانفجار ، فأُخْبِر بأنه تبقى مخزن للقنابل لم تطله النيران ولو طالته لوقعت كارثة محققة ، وبدأ التحقيق ، فلم يجدوا أحدًا من المسئولين فى المستودع ، فأخذ يتساءل عن الضباط والحراس ، فلم ير أحدًا منهم ، ثم إذ بضابط يحاول الدخول فأوقفه رجال الشرطة ، وبسؤاله أبدى أنه قائد المستودع ، وانه كان بمنزله ، وأنه ترك ضابطًا برتبة ملازم ( عبد الصبور ) ، وربما يكون داخل المستودع هو وأفراد الحراسة البالغين خمسين بين ضابط وجندى .

     ويضيف المراغى أنه حضر رئيس نيابة القاهرة ومعه وكيلان لبدء التحقيق . ولكن قائد المعسكر رفض أن يواجه بالتحقيق . وأمر جنوده بأن يتبعوه فى ذلك محتجًّا بأن التحقيق معه يجب أن يجرى بواسطة سلطات الجيش ، وبدأت الداخلية تحرياتها الخاصة ، وتبين أن الانفجار دُبر بوضع قنبلة زمنية داخل المستودع دُست بين المواد المتفجرة ، وأن الحراس تركوا المعسكر فى وقت يكفى أن يكونوا فيه فى أمان من التعرض لخطر الانفجار . ولم يبق مجال للشك فى أن القصر هو الذى دبّر الانفجار هادفًا إلى محو آثار فضيحة الأسلحة الفاسدة التى كانت مثار تحقيق السلطات القضائية .

        وقد قيل فعلاً لهذه السلطات بعد الانفجار ـ فيما يضيف المراغى ـ إن الأسلحة التى تريدون التحقيق بشأنها قد دمرت عن آخرها ، وذهبت هباءً ، وبذلك ضاعت معالم الجريمة .. وغطى الحادث بستار رهيب ، وتوصل القصر إلى تحقيق مآربه فأقفلت النيابة باب التحقيق . ودفنت قضية الأسلحة الفاسدة فى قبر عميق . ولو أن روائح الجثة العفنة ظلت تفوح زمنًا طويلاً .

        ويستدرك المراغى موضحًا قبل أن يختم هذا المشهد ، بأنه يجب عليه توضيح أن الأسلحة الفاسدة لم تكن الكثرة التى كتب عنها ، وأنه بولغ كثيرًا بشأنها ، وقامت ضجة ضخمة لا تتناسب مع حجم الأسلحة ، بيد أن القصر خشى العواقب ونقمة الرأى العام ، فلجأ إلى تلك الوسيلة  للتغطية ولكنها زادت البلبلة والاتهام !  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *