من تراب الطريق (783)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     ومعظم أهل الديانات لا يرون بوضوح شديد إلاَّ مواجهة بين السماء وبين الأرض ، حيث الخير كله فى السماء ، واختلاط الشر بالخير والدنيا الغرورة فى الأرض ، والآخرة النقية فى السماء .. ولذلك لم يتحرك أهل الديانات عن موقفهم الأول الرئيسى الأصلى إلى يومنا هذا .. فتركوا كل شىء إلى ماض انقضى يصر القائمون على استحالة زحزحة أى شىء عمّا كان فى الزمن الأول .. ويعرف العالمون بالإسلام أن رسوله المصطفى ـــ صلى الله عليه وسلم ــ لم يجمد دعوته قط  بل أشار إلى تجديد الدين .. لأنه دائمًا ديانة أجيال تالية متتالية بعده يعلمها منشئها عز وجل .. تتحرك باستمرار فى أجيالها المختلفة باختلاف الأزمنة وتوالى تقدمها إن تقدمت وتأخرها الكلى إن تأخرت وتدهورت ـــ تبعا لحياة الأحياء البشرية التى
لا تثبت قط على زمن أو حال .. فكلاهما يرتبط حتمًا بتطور أو تأخر لا يتوقفان قط ..
إذ يستحيل أن يطابق آدمى آدميا آخر تمام المطابقة فى أى زمان أو مكان !

     وإصرار أقطاب الأديان على حال الدين القديم بلا تغيير سديد رشيد ــ ما أمكن ذلك ــ خوفًا من تقلصه أو تفرقه .. أو تجنبًا للإشكالات والخلافات والتقديم والتأخير ، أو اكتفاء ببقاء كل شكل فيه على ما كان عليه من قبل مع تزيين وتوسيع واستحداث المعابد والمساجد هنا وهناك واجتذاب المترددين عليها فى انشغال عن جوهر الدين ، بالتراتيل والقرابين والبركات والنذور .. كل ذلك دون أى تحرٍّ صادق مخلص جاد  لعمار القلوب بالإيمان .. إذ صار المهم اليوم هو مجرد التردد كى لا تخلو تلك الدار من المترددين عليها .. فالعبادة الحقيقية معدومة من زمن غير قصير إلاَّ فى نادر النادر .. ودور العبادة مع ذلك قد تمتلئ وتفرغ لتعود إلى تكرار الامتلاء والإفراغ بغير نهاية .. واعتاد الجمهور على محاكاة العبادة بقدر ما يستطيع فى وقته الضئيل .. إذ التدين الحقيقى المخلص الجاد قد انقضى من أمد مديد ، ولم يعد باقيًا إلاَّ التعصب للدين الذى تنتسب إليه هذه الأمة أو تلك .. ربما لأنه بات جزءًا لا يتجزأ من وطنيتها كاسم وعلم من أسمائها وأعلامها فقط إصرارًا وإشهارًا لذات الجماعة والتعلق الدائم بها مع إلزام الغير برعاية ذلك واحترامه .. إكبارًا لمقام الجماعة وإبرازًا لضرورة الاعتداد بها ، وليس إخلاصًا للخالق عز وجل واستسلاماً له وحده باطنًا وظاهرًا .

     فالدين الآن دين وطنى فقط لعامته وخاصته فى الجماعة أو الجماعات المنتسبة إليه اجتماعيًّا .. واتساع الحريات الآن من هذه الزاوية الاجتماعية ــ ليس إلاَّ تورمًا اجتماعيًّا صرفًا يائسًا وسطحيًّا يعيش مع ما لا حصر له من المتورمات الاجتماعية الأخرى .. هذه المتورّمات التى ترددها ألسنة الخلق صباحًا ومساءً فى كل حين ومكان منذ عرفوا التقارب والتجمع والخلاف والتفرق وعاشوه وكابدوه بحلوه ومرّه ومازالوا مائلين إلى اليأس برغم غنى أغنيائهم لانعدام تمام الثقة الآن فى غير الذات .. وقد كذبت الأيام المتتالية ثقة الجماعات القوية الغنية المتقدمة فيما كانت قد اعتمدت عليه من اطراد الغنى والقوة والتطور والانفراد، ثم إذ بها تواجه داخلها وخارجها بتوالى الانعكاسات الفاجعة مالية واقتصادية وأخلاقية وعسكرية،  فضلاً عن تفكك أجزاء هذه الجماعة الضخمة أو تلك إلى جماعات يبحث كل منها نهارًا وليلاً عن واقع حاله ومصيره وتحديد ما له وما عليه بالنسبة لمن باتوا من مواطنى الأمس ـــ أجانب وأغرابًا عنه !.. فعالم الأرض فى زماننا يعانى بقضه وقضيضه .. كبارًا وصغارًا متقدمين ومتأخرين شمالاً وجنوبًا شرقًا وغربًا ـــ معاناة مخيفة مكدرة للأغنياء شديدة الاضطراب ضيقة الصدر يملؤها الغل من التعطل والبطالة .. ويلازمها التبرم والهياج فى كل موقع من مواقع العمل الذى تعطل استغناءً بالآلات الحديثة أو تخلصًا من قسوة السوق أو من انتشار الخداع فى المنافسات .. هذا الخداع الذى صارت وسيلته حيل الكسب الوقتى الخادع ثم غسل الأيدى منه بسرعة .. صار هذا هو ديدن معظم الناس فى أحوالنا هذه الثقيلة الروح ، الراكدة الجو، الآسنة الماء ، العفنة الجوف .. تتقلب بلا هدف ثابت تحور وتدور ، يختلط أسودها بأبيضها صباح مساء .. لا تعرف حقًا إلى أين تتجـه وتسير !

     ولا مناص لأهل الأرض ـــ بعد الاتصال المنتظم المتزايد مع الفضاء الواسع المحيط بالشمس وكواكبها التى منها الأرض ، ومع المنافع الجمّة التى تحققت وتزداد تحققًا ، ولم تكن من قبل تدور بخيال أحد .. لا مناص لهم عن الانفتاح على ذلك الوجود المستمر والتوغل إلى أعماقه الهائلة لمحاولة الإنتفاع بما فى هذا الفضاء الواسع من منافع تعين على تخليص الأرض من ضيقها الحالى ـــ إلى ما لا حد له .. الأمل فى ذلك كبير إن التفت أغلبنا إليه باجتهاد ومثابرة دائمين .. ينسيان إلى غير رجعة سعة الحماقة والسطحية والطمع والأنانية التى تسود أغلبنا وتوقعنا فى الأزمات والعداوات والصراعات والحروب .. هذه الصراعات التى تجرى حتى اليوم دون أمل جدى فى وجود أغلبية يقظة رشيدة منفتحة مستعدة لمستقبل لا يتعرج أو يلتوى .. فهل ينجح الأيقاظ الجادون فى حمل الأكثرية اللاهية على الالتفات إلى كنوز الفضاء الواسع بكواكبه الشمسية وفى تحويل أغلبية البشر المشغولة بسطحياتها ومتاعبها وأحزانها وأحقادها ـــ إلى الانتباه والفطنة نجاةً من هلاك سوف يلحق بالجميع
حتمًا ويأسًا !

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *