فى مدينة العـقاد ( 1039 ) ـــ التعريف بشكسبير (16)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

      أطال النقاد النقاش ـ فى نقد شكسبير ـ وتشعبت بهم نواحيه إلى قسمين : قسم تتقارب فيه وجهات النظر لأنه أشبه بوصف الواقع ، وهو ما يخص خصائص الأداء من لفظ وأسلوب وطريقة تنظيم للمناظر والأدوار .

      وقسم آخر هو الذى يطول فيه النظر ، وهو الحديث عن المزايا العليا التى امتازت بها عبقرية شكسبير .

*       *       *

    والكلام عن الأداء من ناحية الألفاظ والمفردات ، مسألة إحصاء ، وكانت مفردات شكسبير تزيد على المفردات فى كتابات كل أديب يكتب بالإنجليزية من قبل القرن السادس عشر إلى اليوم . ويبلغ عددها ستة عشر ألف كلمة ، يدخل منها ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ نحو عشرة آلاف فى المعجمات الخاصة التى تعرف بمصطلحات شكسبير .

       وسر هذه الكثرة فيما يرى ـ أن شكسبير كتب فى العصر المتوسط بين ابتداء الكتابة باللغة الإنجليزية وبين شيوعها والاقتصار عليها فى موضوعات الفن والأدب الثقافة . هذا إلى أن شكسبير أكثر من استخدام الكلمات الشائعة فى لهجات المدن ولهجات القرى من الأقاليم الوسطى ، وكان يفضل الاقتباس من هذه اللهجات كلما اقتبس الكتّاب المعاصرون من اللاتينية أو الإغريقية ، حيث لم يكن واسع المحصول من مفردات هاتين اللغتين .

      أما أسلوبه فى تركيب المفردات ، فالغالب عليه فى أول عهده بالتأليف المسرحى أن يجنح إلى التفخيم والتأثير ، وأن يودع العبارة أقصى ما تحمله من المعنى الصريح والإشارات الخفية .

    وكان من الطبيعى ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ أن تغلب عليه هذه النزعة فى أول عهده بالتأليف المسرحى ، لأنه كتب للمسرح فى عهدٍ لم تخلص فيه الأذهان من قصص البطولة والقداسة ، وبدأ كتابته باللغة الدارجة فلم يكن أمامه بد فى حديثها عن البطولة والقداسة ـ من أن ينفض عنها غبار الابتذال والسوقية بشىء من تفخيم الخطاب والمجاز  .

*       *       *

    ويلاحظ الأستاذ العقاد أنه عند عرض أعماله فى تسلسلها التاريخى ، انه كان يميل إلى السلاسة والبساطة فى مسرحياته ومنظوماته الأخيرة ، وكان أسرع إلى ذلك فى المنظومات ثم فى روايات الملهاة ثم فى روايات المأساة .

       ويقـول«هاليداى ـ Halliday» (كاتـب أكاديمـى أيرلنـدى  توفى سنة 2010 ) . فى كتابه « شكسبير والنقاد » ـ إن النماذج المختارة لشكسبير تبدى من وجهة الصنعة والأداء ـ تطوره فى النظم من دوى السطر ذى المقاطع العشرة الذى اختاره « مالرو » إلى الأداة المرنة الموفقة فى المآسى والقصص .

      ثم يقول عن النثر بعد الاستشهاد ببعض النماذج : « إن هذه النماذج تبدى لنا تطورًا شبيهًا بالتطور الذى أشرنا إليه فى النظم انتقالاً من الجفاف والحرص على النمط إلى الرشاقة والسجية الظاهرة ، وانتقالاً من صنعة ليلى Lily وشقشقة « الحب الضائع » إلى الحديث المصقول فى براعة ويسر على لسان بنديك ولسان بتريس إلى ما هو أيسر من ذلك وأسلس فى حوار هملت أو الحديث السهل النبيل فى فاجعة ماكبث . وما نقوله هنا تعميم سريع ، إذ لا شك أن تطور النثر من حيث هو أداة مسرحية أقل بروزًا من تطور القصيد وأقل انتظامًا واطرادًا منه فلا يمتنع أن تبدو السهولة فى كتابته الأولى أو تبدو الكلفة فى كتابته الأخيرة ، إلاَّ أن الكتابة الأولى على وجه التعميم أقرب إلى اليبوسة والكلفة والتضلع ـ أو نتوء الزوايا ـ فى حين تبدو الكتابة الأخيرة أقرب إلى المرونة والتنوع والخفة ، أو هى ـ فى كلمة واحدة ـ أقرب إلى الصبغة المسرحية » .

*         *         *

    وتتقارب وجهات النظر فى بيان معالم الطريق ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ خلال هذا التطور ، وقد أجملها الدكتور « هريسون » مقدم المسرحيات وصاحب الرسالة الممتعة فى تقديم شكسبير ، فى أن : « أسلوبه الأول يتميز بغير مشقة ،  فالأوزان فيه ملحوظة بدقة وانتظام ، والقافية فيه متبعة يفضل منها ذات الأسطر المتخالفة على المثانى المتتابعة ، وبين حين وحين يدخل الموشحة فى الحوار ، ويكثر فى الملهيات من الكلم البارع وبخاصة فى الحوار بين الفتيان حتى ليضجر السامع لسرعة التبدل فى الأذواق ، ويتدفق ثمة حشد النكات المركبة مع استخدام الصور الخيالية حبًّا لها لا لتوضيح الفكرة أو مضاعفة التأثير . أما فى المآسى ـ والتاريخيات منها بصفة خاصة ـ فإنه يعمد إلى اللفظ الطنان ويودعه من أقوال البطولة ما ليس من ضرورات المقام ـ غير أنه لم يزل يؤثر العبارة الجميلة على الصياغة المسرحية .

     « ثم يقول : « إن أحسن عاداته وأسوأها فى مسرحياته قبل النضج تتراءى فى أجمل مسرحياته الباكرة روميو وجولييت …»

    « ويمضى فيقول ما فحواه : « إن أسلوبه الأول اختفى سريعًا مع زيادة الخبرة والقدرة على الأداء . وفى سنة 1596 كتب تاجر البندقية فكان فيها حواره الجدى خيرًا من مساجلاته الفكاهية … وبعد تسعة أشهر على التقريب كتب الجزء الأول من هنرى الرابع فكان لأول مرة مسيطرًا كل السيطرة على أداة تعبيره ، وتعددت فى الرواية شخوصها المختلفة فكان لكل منها أسلوبه يلائمه ويحكيه … وبعد ذلك كتب روايته « عبد الله المغربى » فلعلها كانت أتم المسرحيات فى بنائها وتكوينها ، وأوفاها لجلاء أساليبه الأربعة فى الشعر الغنائى وفى القافية وفى الشعر المرسل وفى النثر … ولما كانت سنة 1606 كتـب ليـر وماكبث ، فجاءت أولاهما عصية على المطالعة لتركيز الفكر فيها لا لغرابة مفرداتها ، ولاستخدام الكلمة والصورة الخيالية معًا للإعراب عن معنى لا يسهل الإعراب عنه .. ومضت فترة ندرت فيها كتابة شكسبير … غير أن الحوار فى نادرة الشتاء يرينا شكسبير على أحسنه وإن اختل تأليف الرواية لانقضاء ست عشرة سنة بين فصلها الثالـث وفصلهـا الرابع … ، أما فى العاصفة فقد بلغ فى رأى النقاد الأكفاء قمة التأليف فى المسرحيات ، وجاء فيها بأجمل ما ترتقى إليه اللغة الإنجليزية فى نظم القصيد » .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *