فى مدينة العـقاد ( 1038 ) ـــ التعريف بشكسبير (15)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

      لا شك كما قال الأستاذ العقاد ، أنه من العسير جدًا أن تتفق وجهات النظر فى استحسان مزايا الشاعر مع كثرة موازين النقد وكثرة آراء النقاد وأساليبهم فى تطبيقها .

      وتطرد هذه القاعدة فى عظماء الشعراء ، فنعرفهم من الإنكار لهم كما نعرفهم من الإعجاب بهم .

      وليس أكثر من الإنكار على شكسبير ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ إلاَّ الإعجاب به وسرد مزاياه والرد على منكريه .

      هل هو شاعر فنان يمتاز بالجمال والسلاسة والطلاوة ؟

      هل هو شاعر حكيم يمتاز بأصالة الفكر وصدق التأمل واستبطان الحقائق ؟

      هل هو شاعر بصير بالطبائع والسرائر ؟

      هل هو شاعر المسرح ؟ هل هو شاعر القصة ؟ هل هو شاعر الملحمة ؟ هل هو شاعر قوم ؟ هل هو شاعر جميع الأقوام ؟

      تأتيك الإجابة بنعم ولا . ووراء هذه وتلك مرجع دائم يبرم وينقض ، وينتهى إلى مراجعة الموازين نفسها ، لأن الشاعر العظيم يصحح الموازين ويضطر فريق كل ميزان إلى إعادة النظر فيه .

*          *          *

      كان فولتير يقول عن شكسبير إنه محروم من الفن والنسق ، والمثل الأعلى عند فولتير فى الفن والنسق أن يكون وفقا لسنن الأقدمين .

      ولكن فولتير لم يستطع أن ينكر عليه « العبقرية المفعمة بالقوة والخصب والدراية بما هو طبيعى وجليل » . ثم عاد بعد ذلك بأكثر من ثلاثين سنة فكتب إلى هوراس والبول (سياسى وأديب انجليزى) يقول عنه : « إنه ذو سجية حسنة ولكنه ذو منهجية همجية بلا نسق ولا فطنة ولا فن ، يخلط الضعة بالعظمة والهذر بالهول … »

      وفيكتور هيجو ، وهو ند لفولتير فى النقد وفهم الشعر ، يفضل الفن الحديث على فن الإغريق لأن الفن الإغريقى يخرج « الناشز النافر » من حسابه دون أن يلتفت إلى الصلة بينه وبين الروعة والجلال ، ولكنه يرى أن المحدثين وفى طليعتهم شكسبير يعرفون كيف يصبح النافر جليلاً والجليل نافرًا ، وينظرون آخر الأمر إلى النقيضين فى أطوار الطبيعة ولا ينسون التقريب بينهما حيث هما متقاربان فى الحقيقة .

      ويضاهى فولتير وهيجو فى النقد والأدب : هردر ، وفردريك شليجل الألمانيان ، وعندهما أن المسرحية العظيمة لن تخلو من الفن لأن الفن ينبع من الروح ، ويقول هردر إنه لا يدافع عن شكسبير وإنما يستند إليه ليرد على ناقديه ، فإنه ترجمان الطبيعة التى تتكلم بألسنة كثيرة.

      وبنديتو كروشى الإيطالى ، جوابه لهم فيما افترقوا فيه أن الفن يلتقط أبطاله من الحياة ولكنه لا يماثلها ، وأن شكسبير عبقرية عالمية لا يحدها زمانها ولا تحدها أى فترة ، وأنه يمثل أشتاتًا من البشر يشرف عليها ليمثلها على سواء ولا ينعزل عنها .

      أما « جورج براند » الكاتب الدانماركى ؛ الذى يرى الأستاذ العقاد أنه أبرع من عرفوا بين النقاد الباحثين فى فلسفة الجمال ـ وصاحب الآراء المأثورة فى مباحث « الاستاطيقا » (علم الجمال والمحاسن) وتطبيقاتها على الشعر والمسرحية بصفة خاصة ـ فإنه يرى أن الوحدة فى العمل الفنى شرط لازم ، ولكنه لا يحصرها فى شروطها عند الأقدمين ، بل يفضل عليها أحيانًا وحدة الباعث والحركة ووحدة الجو الوجدانى الذى يحيط بالأمكنة والأزمنة والحوادث والشخوص ، ولا ينكر أن شكسبير كان يتخير اللهجة الخطابية فى أشعاره ومسرحياته ، ولكنه يعزو ذلك إلى حكم الموقف بعد انتقال التعبير من اللاتينية إلى الكلمات السكسونية فالإنجليزية ، وأنه ليس من الفن ولا من التأثير الفنى أن تأخذ الألفاظ السوقية لتصفها على حالها فى موضع اللغة التى قدستها التقاليد .

      والكاتب الإنجليزى « والتر بانر » إمام مدرسة الفن للفن ؛ فيبدى أن هذه المدرسة تجد رضاها فى شكسبير ، لأن رواياته « توليفة » من النفوس البشرية تمتزج وتنفرد كأشعة الطيف الشمسى ، فلا تنافر بينها فى امتزاجها ؛ ويختار « بانر » ملهاة « الحب الضائع » وهى من أوائل مسرحيات شكسبير ، ليورد منها الأمثلة على براعة اللفظ المنتقى لجمال إيقاعه والنماذج الإنسانية المتلاقية لما بينها من تجاوب الأشكال والشيات (العلامات).

*          *          *

      وربما يتفق ناقدان من مدرسة واحدة على فهم واحد للشعر ، ولكنهما لا يتفقان ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ على مواضع الاستحسان .

      فالناقد الانجليزى « مورتون لوس Luce » صاحب كتاب « متناول شكسبير » يرى أن قصة « لوكريس » دون قصة « فينوس وأدينوس » ، لأنها أقل طبيعة وأقل نغمة وأقل جمالاً وأقل شعرًا ، بينما يبدى « جورج ريلاند Ryland » صاحب كتاب « الكلمات والشعر » أسبابًا أخرى ، ويقول : « إن الزينة فى قصة فينوس تنوب عنها التشبيهات فى قصة لوكريس … » ويمضى الناقد فى بيان الأسلوب الذى يناسب السياق المسرحى ويخالف السياق الوجدانى فى قصة فينوس وأدينوس .

*          *          *

      وكلما أمعن القارئ فى استطلاع هذه الآراء ، تأكد لديه أن مقاييس الفن تستهدف للتعديل والتنقيح لاسيما كلما اقتربت من عبقرية نادرة من عبقريات الفنون ، ويصدق ذلك على كل عبقرية تخلق الفن ولا يخلقها الفن ، فالشاعر العظيم يأتى بدستوره الذى يجرى عليه حسابه .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *