فى مدينة العـقاد (1036) ـــ التعريف بشكسبير (13)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

   وأول شعر قصصى نظمه شكسبير ، فيما يقول الأستاذ العقاد ، أسطورة فينوس وأدونيس أو ملكة الغرام ورب الجمال والشباب . اقتبسها من كتاب أطوار الحب للشاعر الرومانى « أوفيد » ، وقال عنها فى تقديمها إنها باكورة ابتداعه ، ونشرها فى عام 1593 ، ولكنها فى تقدير بعض النقاد نظمت قبل ذلك بست أو سبع سنوات ، وبدأها وهو فى قريته أو قريب العهد بالهجرة منها ، لأنها تنضح بأنداء الريف وترف فى ظلاله ، ويرجح هذا الرأى أن ناشرها
« ريتشارد فيلد » من أبناء ذات قرية ستراتفورد ، وقد راجت القصة رواجًا فاق تقدير الناشر والشاعر ، وأعيد طبعها نحو عشر مرات فى عشر سنوات ، وكانت من أسباب شهرة شكسبير فى عالم التمثيل .

    ومن يقرأ القصة اليوم ــ فيما يقول الأستاذ العقاد ـــ  لا يفتقد فيها لمحة من ملامح شكسبير فى مسرحياته التى كتبها نثرًا ونظمًا إلى مختتم حياته الأدبية ، ففيها عاداته فى تحميل العبارة غاية ما تطيق من معانيها وأشكالها ، وفيها شواهد الولع بالنقائض والأضداد ، وفيها آيات القدرة على تصوير الشخصيات وتدبير المواقف والمفاجآت ، وفيها عبرته الغالبة على جميع العبر فى روايات المأساة والملهاة : وهى الحذر من الجماح والاستغراق والإنذار بسوء العاقبة ، لأنها موكلة أبدًا باللجاجة فى الأهواء .  

    فالقصة شكسبيرية فى مزاجها لا تختلف فيها سمات الشاعر إلاَّ كما تختلف ملامح الصبا والكهولة . ولا ينسى القارئ فى أشد حالات الاسترسال مع القصة أنه حيال عمل محكوم ، وأن وراء الأهواء إشرافًا موزونًا ، يلمسه القارئ فى الحوار ويلمسه فى النتيجة التى تنتهى إليها القصة ، وهى فجيعة فينوس فى غرامها لأنها أغرقت فى ملاحقة أدونيس حتى هلك فى مطاردة السباع .

   وقد أهدى شكسبير قصته المنظومة إلى اللورد سوثامبتون الذى كان يناهز العشرين حين أهداها إليه ، وكان اللورد فى ذلك العصر نادرة من نوادر الذكاء والتفوق والجاه والجمال ، وحصل على إجازة أستاذ فى الآداب وهو فى العشرين ، وكتب اسمه بين ذوى الألقاب فى الحاشية الملكية وهو دون العاشرة ، وملك زمانه بين فتننة المال والجمال وغرور السلطة وغرور النبوغ ، على المثال الذى جعله بطلاً من أبطال شكسبير فى مسرح الحياة .

   وبعد سنة أهداه شكسبير قصته الشعرية الثانية ، وكان مدارها كالقصة الأولى ــ على لجاجة الحب ولكن من جانب الرجل هذه المرة ، وموضوعها هى الأخرى مقتبس من أشعار أوفيد .

    وكانت هذه القصة الثانية عن اغتصاب لوكريس زوجة كولاثيموس من كبار نبلاء الرومان ، وكان المغتصب « تاركوين » ـــ ابن ملك الرومان ـــ يهيم بها ويلاحقها على غير جدوى ، ومما زاده  هيامًا بها أنها اشتهرت بالعفة كما اشتهرت بالجمال ، وقد تحدث قادة الرومان يومًا فى معسكرهم فذكروا عفة نسائهم ووفاءهن لهم فى غيبتهم ، وأرسلوا إلى المدينة من يمتحن هذه العفة فوجدوا النساء جميعا يرقصن ويلهون بالسمر والمنادمة ، إلاَّ لوكريس ــ سيدة الجمال بينهم ــ فإنهم وجدوها فى دارها تشتغل بمغزلها إلى الهزيع الأخير من الليل ، فجن جنون
«
تاركوين » وعز عليه أن تمتنع عليه امرأة من نساء المدينة اللاهية وهو صاحب الغزوات فى ساحة الحب وساحة الحرب ، وخالف إليها زوجها مع الليل فهددها بالفضيحة وأقسم ليقتلن عبدًا ويلقيه إلى جانبها على فراشها ، فلم يرعها التهديد ولم يرجع عنها حتى اغتصبها عنوة وعاد من حيث أتى ، وأصبحت لوكريس فى ثياب الحداد تأخذ على ولاتها العهد أن يقتصوا لها ، ثم بخعت نفسها وخرج زوجها يطوف المدينة بجثتها ويستعدى الرعية على رعاتها ، فثارت ثائرة المدينة على الملك وأسرته ، ولم تهدأ هذه الثائرة إلاَّ بإجلاء البيت المالك كله عن عرشه ، وإقامة الحكومة الجمهورية .

     *      *      *

    هذا والقصتنان المنظومتان نفحتان من روح واحدة وطرازان فى التعبير من نسج واحد ، وإن كانت الثانية أجود وأنضج وأكثر اتقانًا من الأولى .

*      *      *

   ولشكسبير فى غير المسرح والقصة ـــ مقطوعات كثيرة على وزن الموشحات ، نظمت فى أغراض الشعر الغنائى ، ومن ثم فهى أدل على نفس الشاعر ودخائل طويته وأصدقها تعبيرًا عن حبه وعطفه . ويبلغ عدد هذه المقطوعات 154 موشحا نظمت فى ست سنوات ما بين سنتى 1592 ، 1598 .

   والخطاب فى أكثر هذه الموشحات موجه إلى شاب مفرط الجمال ينصح له الشاعر أن يحتفظ بجماله وأن يبادر إلى تخليده فى عقبه ، ويلومه أحيانًا لأنه استغوى بجماله عشيقة الشاعر ، ويشير فى بعض الموشحات إلى عشيقة لعوب يسميها « السيدة السمراء » وإلى شاعر منافس يؤثره ذلك الشاب الجميل برعايته ، ويقول الشاعر إنه يستحق منه أن يعنى بشعره لحبه وإعجابه إن قرأ شعر الآخرين لبلاغته وإتقانه . ثم تختم الموشحات بمقطوعتين إغريقيتين عن « كوبيد » إله الحب الصغير لم تثبت نسبتهما إلى شكسبير .  

    وتكاد الآراء تتفق على أن اللورد ساثوبتون هو عنوان الفتى الموصوف أو المخاطب فى أكثر هذه الموشحات ، ويستخلصون من ذلك أن اللورد ــ صديق شكسبير وبطله على مسرح الحياة ـــ هو موحيها وملهمها ؛ الذى احتفى بقصص الشاعر وشجعه بالإصغاء إلى أغانيه ومنظوماته .       

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *