فى مدينة العـقاد (1034) ـــ التعريف بشكسبير (11)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

      يتصدى  الأستاذ العقاد لبيان ما أسقطه الناشرون ( رواية بركليس ) من المجموعة الأولى التى نشرت لمؤلفات شكسبير ، ولماذا وضعوا رواية ترويلس وكريسيدا ثم رفعوها ثم عادوا ووضعوها بعد إثبات رواية « تيمون الأثينى » فى مكانها الأول ، ولماذا عاد الناشرون فى المجموعة الثالثة فأثبتوا « رواية بركليس » ، وأثبتوا روايات أخرى حذفها الناشرون بعد ذلك ، وما أدى إليه ذلك من إعادة البحث على أساس النقد الموضوعى والنقد النفسانى إلى جميع مؤلفات شكسبير وخصوصًا الروايات التى كانت محلاًّ لتردد بين الناشرين فى مختلف الطبعات .

      ومضى الأستاذ العقاد يستقصى ما أثير فى هذا الشأن مـن بحـوث ، وآراء الدكتـور « اسكندر بيتر » أستاذ الأدب بجامعة جلاسجو وصاحب الرسائل الحديثة فى ترقيم شكسبير وتقسيم فصوله (1945) ، وآراء الشاعر الناقد « جون ماسفيلد » فى كتابه الوجيز عن شكسبير ، وما طرحه « جيمس سبدنج » (Spedding) من تساؤلات  فى مقاله بمجلة الجنتلمان فى أغسطس 1850 ، وما ادعاه مـن أن روايـة « هنرى الثانى » مـن عمـل « جون فلتشـر » إلاَّ القليل منهـا ، وما أبـداه الأستـاذ « جون ماسفيلـد » عن روايـة « ترويلس وكريسيدا » التى تردد الناشرون بشأنها ـ من أنها مسودة حوار بقيت فى انتظار الإتمام ، وتضاربت الأقوال عن تمثيلها فى حياة شكسبير .

      ويضيف الأستاذ العقاد أنه « بعد أكثر من مائتى سنة من صدور المجموعة الأولى ظهرت مسرحية باسم توماس مور تشتهر الآن باسم المسرحية المخطوطة ، لأنها ظلت من عهد كتابتها فى أواخر القرن السادس عشر ـ محفوظة بخطوط النساخ لم تطبع قبل سنة 1844 حيث وصلت إلى أيدى الجماعة الأولى التى تألفت لإحياء آثار شكسبير ، وهى الآن تلحق بمجموعاته فى الطبعات الأخيرة ، ولا تثبت لها صلة به غير اشتمال مسوداتها على كلمات بخطه كما تبين من تحقيقات الخبير المختص بالخطوط « موند تومبسون » . وتدور فصول المسرحية على ترجمة الفيلسوف المؤرخ الوزير توماس مور صاحب « المدينة الفاضلة » ورائد البحث عن المدن الفاضلة فى العصور المتأخرة ، وقد كان من المعارضين للملك هنرى الثانى فى دعوى الرئاسة الروحية والدنيوية ، وموضوع حياته وموته ـ جدير بقلم شكسبير ، ولكنه لا يطرد مع طريقته فى اختيار أدوار المسرحيـات التاريخيـة وعناوينها » .

*       *       *

    « وعلى هذا المثال تناولت مدرسة النقد التحليلى ومدرسة النفسانى مسرحيات الشاعر ، وأفاض الشراح من المدرستين فى تناولها إفاضة موفورة الأسباب والأمثال تستعصى على الحصر ـ فيما قال الأستاذ العقاد ـ فى هذا الكتاب ، وأسفرت هذه الدراسات ـ التحليلية النفسانية ـ عن ثروة نفيسة من أسرار اللغة وبواطن المعانى ودقائق الفهم والاستدلال . وثبت من محاولاتها العصية أنها مسبار من التحقيق لا غنى عنه فى تقويم المؤلفين وتواليفهم ، وإن لم يأت بالنتيجة القاطعة فى جميع الأحوال ، وزاد صعوبة فى دراسة شكسبير أن الشكوك كلها قائمة على فوارق التعبير وفوارق التنسيق ، وأن الشراح والنقاد لم يتيسر لهم إقامة الحد الواضح بين الفروق الضرورية التى لا بد منها والفروق العارضة التى توجد فى أحوال ولا يلزم أن توجد فى سائر الأحوال »  .

     فمن الفروق الضرورية فيما يقول الأستاذ العقاد « أن تختلف البواكير والنهايات فى أعمال كل مؤلف كبير المواهب متعدد الجوانب يتطور سريعًا وترتبط أطوار التقدم والنضج عنده بمطالب المسرح ودواعيه الفنية ، مع ما يقترن بها من دواعى الإدارة والانتقال من فرقة إلى فرقة ومن موضوع إلى موضوع … لقد وجدت فوارق البواكير والنهايات فى أعمال كل شاعر وكاتب من الأقدمين والمحدثين ، وكانت هذه الفوارق على أوسعها وأغربها بين أوائل شكسبير وخواتيمه ، فامتلأت مؤلفاته الأولى بالكناية والنزوع إلى الإشباع والتركيز وتحميل العبارة غاية ما تطبق من القصد والإيحاء ، وغلب عليه التكلف فى هذا الطور الأول على ديدن المبتدئين الذين يدفعون الظنة عن قدرتهم على مجاراة الفحول من نظرائهم المنافسين ، فبالغ فى إثبات تلك القدرة وصمد على أسلوب الإشباع سنوات ، ثم تحول عنه فلم يتركه كل الترك ، بل ترك الإطناب والتفخيم ولم يترك تحميل الكلمات غاية ما تطيق من معانٍ وإشارات ، لأن أفكاره بطبيعتها تزيد على وعائها من الألفاظ والتراكيب » .

        هذه الفوارق الضرورية بين البواكير والنهايات تأتى فى سنوات طويلة أو قصيرة ويسهل استقراء التواريخ والأدوار ، إلاّ أن المؤلف قد تلازمه الفوارق الضرورية فى الحقبة الواحدة وفى موضع بعد موضع من العمل الواحد ، وتلك هى الفوارق بين حالات الإجادة والإلهام وحالا الإهمال والركود ، أو هى الفوارق بين المؤلف على أحسنه وأجوده والمؤلف نفسه على أردأ حالاته وأبعدها عن الإجادة والإتقان ، وشكسبير من المؤلفين الذين يعظم التفاوت بين أعماله فى الحالتين .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *