فى مدينة العـقاد (1011) ـــ العقاد ومدرسة الديوان (6)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     على قدر ما اتفق النقاد تقريبًا على انتقاد ما شاب كتاب الديوان من عنف وتجريح ، على قدر ما اتفقوا تقريبًا ـ إلاَ القليلين جدًّا ـ على سداد النظر الذى اعتنقه العقاد حول نظريته فى الشعر ، كذلك شكرى وإن خلا الكتاب إلاَّ من الهجوم عليه بضراوة كما أسلفنا ، أما المازنى فقد انصرف إلى المنفلوطى ونثره ، أما ما تعرض فيه لشعر عبد الرحمن شكرى فقد جانبه التوفيق والسداد ، بل واللياقة ، على نحو ما تقدم .

       ومن المعروف أن العقاد كان أسبق كتابةً والمازنى لكتاب الديـوان الـذى صـدر فى يناير/ فبراير 1921 ، من ميخائيل نعيمة الذى صدر كتابه الغربال بعد سنتين فى عام 1923 ، وبرغم أنهما لم يتقابلا ونفى كل منهما تأثره بالآخر ، إلاَّ أنهما قد اتفقا فى الخطوط العريضة ، وكذلك شكرى ، فيما أبان الدكتور محمد مندور فى كتابه القيم « النقد والنقاد المعاصرن » .

     وأول الأصول التى تتبدى فى نظرية العقاد فى الشعر ، سواء فى الكتاب أو فيما كتبه بعده من مقالات أسلفناها ، أن الشعر فى نظره « ليس صنعة » ، ولا زخرفًا ولا لهوًا ، وإنما هو « لباب اللباب » كما يقول الدكتور ماهر شفيق فريد فى تقديمه لطبعة مكتبة الأسرة ومهرجان القراءة للجميع ـ لكتاب الديوان ، فالشعر عند العقاد هو إذن « لباب اللباب » ، وأداة لمعرفة الذات والآخرين والكون . والشاعر المطبوع هو الذى يجمع بين عمق الفكرة ورهافة الوجدان وخصوبة الخيال والتمكن فى اللغة . إنه الذى يفرق بين شبهات السرائر وهواجس النفوس والضمائر وهمسات العواطف . يقولون إن أُذن الموسيقى المطبوع تميّز ـ فيما قال الدكتور ماهر شفيق فريد ـ بين ثلاثة آلاف نبرة ، ومن ثم فلا مغالاة فى القول بأن فطرة الشاعر المطبوع ينبغى ان تميز بين ثلاثة آلاف خاطرة من خطرات الإحساس المتوشجة المتنوعة . 

    وأورد الدكتور مندور الواجب تحيته على موضوعيته رغم عدم توفيقه فى ترتيب موضوعاته ، ورغم خصومته واختلافاته مع الأستاذ العقاد ـ أورد نقلاً عن شكرى أحد أضلاع مدرسة الديوان ـ أن أجل الشعر هو ما خلا من التشبيهات البعيدة والمطالعات المنطقية . أنظر مثلاً ـ فيما يسوق شكرى ـ إلى قول « مويلك » يرثى إمرأته وقد خلفت له بنتًا صغيرة ، فطفق يصف حالها بعد موت أمّها :

فلقد تركتِ صغيرةً مرحومةً       لم تَدْرِ ما جَزَعًا عليك ـ فنجزع

فقدت شمائلَ من لزامك حلوةً     فتبيتُ تسهر أهلها وتفجع

وإذا سمعت أنينَهًا في ليلها        طَفَقتْ عليك شئونُ عينى تدمع

     فهو لم يعلمك  شيئًا جديدًا لم تكن تعرفه ، ولم يبهر خيالك بالتشبيهات الفاسدة والمغالطات المعنوية ، ولكنه ذكر حقيقته ، ومهارته في تخيل هذه الحالة ووصفها بدقة .. ومن أمثال هذا النحو قول ابن الدمينة في وصف حياء الحبيبة :

بنفسى وأهلى ـ من إذا عرضوا له             ببعض الأذى ـ لم يَدْرِ كيفَ يجيب

ولم يعتذرْ عذرَ البرىء ولم تزل                 وبه سكتة حتى يقال مريب 

      مثل هذا الشعر يصل إلى أعماق النفس ويهزها هزًّا ، والشعر هو ما ( أشعرك ) وجعلك تحس عواطف النفس إحساسًا شديدًا .

    ويتوقف الدكتور مندور لينقل إلينا فقرات مهمة مما كتبه العقاد في كتاب الديوان ، تعبيرًا ـ فيما يرى ـ عن تبنيه هذا الفهم الجديد لوظيفة التشبيه في الشعر ، وجعل منه أحد الأسلحة العنيفة التى هاجم بها شوقى وشعره فى كتاب « الديوان » ، حيث يوجه حديثه إلى شاعرنا التقليدى الكبير أحمد شوقى ـ فيقول :

    « اعلم أيها الشعر العظيم أن الشاعر من يشعر بجوهر الأشياء ، لا من يعدها ويحصى أشكالها وألونها . وأنه ليست مزية الشاعر أن يقول لك عن الشىء ماذا يشبه ؟ وإنما مزيته أن يقول ما هو ؟ ، ويكشف لك عن لبابه وصلة الحياة به » .

    « وليس هم الناس من التصعيد أن يتسابقوا في أشواط البصر والسمع ، وإنما همهم أن يتعاطفوا ويودع أحسهم وأطبعهم في نفس أخوانه زبدة ما رآه وسمعه ، وخلاصة ما استطابه أو كرهه ، وإذا كان وكدك من التشبيه أن تذكر شيئًا أحمر ، ثم شيئين أو أشياء مثله فى الاحمرار ، فما زدت على أن ذكرت أربعة أو خمسة أشياء حمراء بدل شئ واحد ، ولكن التشبيه أن تطبع في وجدان سامعه وفكره صورة واضحة ، مما انطبع في ذات نفسك ، وما ابتدع التشبيه لرسم الأشكال والألوان . فإن الناس جميعًا يرون الأشكال والألوان محسوسة بذاتها كما تراها ، وإنما ابتدع لنقل الشعور بهذه الأشكال والألوان من نفس إلى نفس . وبقوة الشعور وتيقظه وعمقه واتساع مداه ونفاذه إلى صميم الأشياء يمتاز الشاعر على سواه . ولهذا لا لغيره كان كلامه مؤثرًا ، وكانت النفوس تواقة إلى سماعه واستيعابه لأنه يزيد الحياة حياة ، كما تزيد المرآة النور نورًا ، فالمرآة تعكس على الوجدان إحساسًا بوجوده . وصفوة القول أن المحك الذى لا يخطئ في نقد الشعر هو إرجاعه إلى مصدره ، فإن كان لا يرجع إلى مصدر أعمق من الحواس فذلك شعر القشور والطلاء ، وإن كنت تلمح وراء الحواس شعورًا حيًا ووجدانًا تعود إليه المحسوسات ، كما تعود الأغذية إلى الدم ، ونفحات الزهر إلى عنصر العطر ، فذلك شعر الطبع القوى والحقيقة الجوهرية ، وهناك ما هو أحقر من شعر القشور والطلاء وهو شعر الحواس الضالة والمدارك الزائفة ، وما خال غيره كلامًا أشرف منه إلا بكم الحيوان الأعجم » .

*       *       *

    وهذا كلام رائع يدل ـ فيما يقول الدكتور مندور ـــ على فهم صحيح لحقيقة الشعر كما يفهمه الغربيون ، وإن كان الملاحظ أنه يجمع ويمزج بين عدة مذاهب شعرية تتصارع ولا تزال تتصارع في الغرب ، مما يقطع بأنها خلاصة الرواسب التى استقرت في نفس العقاد وصحبه من مراجعاتهم لشعر الغربيين ومذاهبهم الشعرية .

  « فالعقاد في هذه الفقرات القوية المركزة يريد من الشاعر أن يكشف لنا عن لباب الأشياء ، ولكننا في الحقيقة لا نعرف عن هذا اللباب شيئًا ، ولا يزال الفلاسفة يقتتلون حول تحديده ، فمنهم الوضعيون الذين يسلمون بوجود الأشياء وجودًا حسيًا منفصلاً عن الإنسان ، ومنهم المثاليون أو النفسيون الذين لا يؤمنون بوجود خارجى لتلك الأشياء ولا يعترفون لها بلباب . وإنما يرونها صورًا ذهنية عند الإنسان ويرجعون لبابها إلى هذا الصور أو الانعكاسات ـ إلى صور مثالية مجردة بعيدة عن عالمنا ـ المحسوس . والوضعيون يرون في معطيات الحواس وسيلة فعالة لتحقيق صور الأشياء الذهنية ، بينما يرى المثاليون والنفسيون أن تلك الصور الذهنية لا تستطيع أت تحققها ، بل تقتصر على إحداث وقعها في الذهن ، وبتمايز ذلك الواقع تتمايز الأشياء . وعلى أساس كل من وجهتى النظر الفلسفيتين ظهر في الشعر المذهب البرناسى القائم على عنصر البلاستيك أى التجسيم  ، وهم يطلبون إلى الشعر تصوير تلك المجسمات بفضل معطيات الحواس التى هى أبواب النفس البشرية ، وذلك بينما يرى الرمزيون وأنصار الشعر الصافى أن وظيفة الشعر إنما هى نقل وقع الأشياء من نفس إلى نفس ، فالشعر عدوى ونقل حالات نفسية لا تجسيم أو تفسير أو نقل معان أو صور محددة . ولذلك يقولون بنظرية « العلاقات » التى عبر عنها « بودلير » في بيت شعر له بقوله : « إن العطور والألوان والاصوات تتجاوب » أى تتبادل ويحل بعضها محل بعض فى إحداث الوقع النفسى الواحد ، بحيث يستطيع الشاعر أن يصف مرئيًا بصفة ملموس ، فيقول مثلاً عن السماء المغطاة بسحب رمادية بيضاء : إن لونها . كان في نعومة اللؤلؤ . واللون لا يعبر عنه في اللغة التقليدية بالنعومة ، ولكننا مع ذلك نحس قوة التعبير ونجاحه من الناحية النفسية إذ نراه ينقل إلى نفوسنا إحساس الشاعر الحقيقى ، ووقع ما رأى في نفسه . وهذا اتجاه له أصوله في حقائق اللغة ووظائفها ، بل في لغة الشعراء التقليدين أنفسهم حيث نرى شاعرًا عريقًا فى محافظته على عمود الشعر العربى كالشيخ على الجارم يقع متأثرًا بهذا الاتجاه الجديد ، أو منساقًا بشعره الغلاب ، على هذا النحو الجديد من التعبير ، فيقول :

     أسوان تعرفه إذا اختلط الدجى      بالنبرة السوداء فى أناته

    فالنبرة صوت ، والتقليد لم يجر بوصف الأصوات بالألوان لاختلاف الحاسة ، ومع ذلك  يصف الجارم تلك النبرة بأنها سوداء ، فيكسب تعبيره قوة شعرية نافذة ناجحة فى إحداث العدوى ونقل الحالة النفسية من الشاعر إلى القارئ أو السامع » .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *