فى مدينة العـقاد ( 1032 ) ـــ التعريف بشكسبير (9)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

المؤلف

 

       ولدت المسرحية الإنجليزية ، فيما يستهل الأستاذ العقاد هذا الفصل ، قبل مولد شكسبير فى منتصف القرن السادس عشر ، وسميت بالمسرحية الحديثة ، وكانت فتحًا ، فلم تكـن طريقها ممهدة سهلة ، وظهرت المسرحيات الأولى نحو سنة 1550 م ، ولم يبدأ القرن السابع عشر إلاَّ وكانت قد أوفت على التمام ، ولم تزحزحها من مكانها إلاَّ مسرحية جديدة أخرى جاءت فى إبان عصر العلم الحديث ، بين أواسط القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين .

       كان التجديد فى القرن السادس عشر غلابًا ماضيًا فى طريقة بين محافظة المتطهرين وطلاقة الإنسانيين ، وبسبب مؤازرة صفوة العلية النبلاء ، لم تعقه مقاومة المتطهرين بل وكانت ـ من حيث لم تقصد ـ من أسباب سرعة التجديد وانطلاقه .

       وكان الكاتب المعاصر آنذاك  ـ «جوسون  Gosson» (1554 ـ 1624 م) لسان حال المحافظين المتشددين ، وكان شعاره فى حملته على المسرحية الجديدة أنها فن بلا روح ، حيث كان يلتمس روح الفن فى القداسة التقليدية .

       وكان « مارلو » رائد المسرح فى عصر شكسبير ـ لسان حال الغلاة من المجددين ـ كان يقول إن الدين لعبة … وأنه « لا خطيئة أقبح من الجهالة » ، وشعاره أن المسرحية الجديدة قد وجدت فكرها ولم تضيع روحها ، فالروح لا تضيع مع المعرفة ، وإنما مضيعتها فى الجهالة والجهلاء .

     وكان العصر ـ فيما يضيف الأستاذ العقاد ـ بحاجة إلى مذهب قوام بين المذهبين ، فكان قوامه فى عالم المسرح مذهب شكسبير معتدلاً متوسطًا بين الإيمان بالمعرفة والإيمان بالغيب .

       ولعل المعرفة لم تكن وحدها كفؤًا لمناضلة العادات المتراكمة من بقايا القرون الوسطى لو لم تصاحبها الحماسة الوطنية ، واتجهت معها إلى وجهتها فى تلك الحقبة من نشأة المسرحية الجديدة التى نشأت فى إبان يقظة الأمة والدولة واتجاههما معًا إلى مطاولة المجد الرومانى فى مظهره القديم ومظهره الجديد ، وأصبح الاستقلال بالفن فخرًا وطنيًّا ونزعة نفسية تمتزج بالأنفة وحب المعرفة .

      ومن ظواهر هذه النزعة المستقلة ، أنهم سلكوا فى مسرحهم المسلك الذى يوافقه ويوافقهم ، ولم يتقيدوا بشروط المسرح القديم فى قواعد التأليف والتمثيل .

       فقـد كان الكاتـب الإيطالـى «كستلفتر Castelvetro» قد اقتبس من كتاب أرسطو « شرط الوحدة » فى الحادث و « الوحدة » فى الزمن ، وأضاف إليهما « شرط الوحدة » فى المكان .

 

      وتناقل المترجمون إلى اللغات الأوروبية هذه الشروط ؛ فقيدوا مدة المسرحية بيوم أو ما يزيد عليه بقليل ، وقيدوا موضوعها بحادث متصل الأجزاء لا ينفصل جزء منها عن سائرها دون إخلال بزبدة الرواية أو غايتها ، وقيدوا مجال الحادث بمكان واحد أو بمجال تزدحم فيه الوقائع فى أضيق الحدود . ولكن هذه القواعد أُهملت فى بيئة المسـرح الإنجليزى .

    وقد ذكر « ميرز » ــ فيما يقول الأستاذ العقاد ــ ذكر اسم شكسبير فريدًا بين المؤلفين الذين ضارعوا كُتّاب الرومان المشهورين فى ذلك العصر ، لأنه أجاد فن المأساة وفن الملهاة ؛ وكان وحده ندًّا لبلوتس وسينكا فى هذين الفنين .

 

    ولا شك أن المسرحية الجديدة لم تلق ــ فيما يقول ــ هذا الإقبـال العميم لمجـرد أنهـا جديـدة وحسب ؛ وإنما لقيته ووجدت الإقبال عليه من المؤلفين والممثلين والنظارة والرعاة الحماة .

    على أن الإقبال العميم وإن كان كفيلاً بسعة الانتشار ، إلاَّ أنه لا يكفل حتمًا أن يرتفع فن المسرحية إلى ذروته العليا فى كل العصور ، وإنما يكفل هذا « عبقرية » تعطى العصر فوق ما أخذت منه وتنتمى إلى جميع الأجيال لا إلى فرد جيل . وقد كانت المسرحية بحاجة إلى مؤلف يفوق زمنه ليرتفع بها إلى ذروتها العليا ، وقد وجدته يوم وجدت شكسبير .    

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *