فى مدينة العـقاد ( 1031 ) ـــ التعريف بشكسبير (8)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

       ولا تتم صورة « الإنسان شكسبير » ـ فما يضيف الأستاذ العقاد ـ إلاَّ إذا عرفنا أنه عاش فى عالم الكشوف ، وأهمها الكشف عن طبيعة الإنسان فيما يعنينا من ملكات الرجل فى تصوير مئات من الرجال والنساء يمثلون الطبائع المختلفة ، وبخيرها وشرها .

      كما لا تتم صورة « العبقرى العالمى » بغير تلك الخطوط التى ترتسم بها سمات القرية بناحيتيها الطبيعية والاجتماعية ، فإن القرية هى التى ترسم لنا من صـورة « شكسبير الإنسان » ـ ملامح السمت والحرص على السمعة وتوجيه خلائق الجد والدأب إلى غايتها فى القرية بين غايات الفن والشهرة ، وقد تفسر لنا هذه الخطوط القروية خفايا السنوات المجهولة .

      فلا لغز فى اختيار شكسبير بضع سنوات يشتغل فيها بالتمثيل منزويًا عن عشيرته الأولى قبل أن ترتفع مغبة الاشتغال بهذه الصناعة .

      وهذا المسلك لا يحتاج إلى تفسير ، فلا فكاك منه للفنان المطبوع الذى ولد قرويًّا ومات قرويًّا  ولم تصرفه المدينة ولا العالم عن أحضان الطبيعة فى قريته بين مآلف صباه ومعاهد آله وعشيرته . فلم يكد يفرغ من حق المدينة والعالم عليه ؛ حتى عاد إلى قريته التى أعطته حياته الأولى ، ليعطيها بقية حياته .

 

الفنان

 

     من المؤكد أن صيت شكسبر ، مستمد من التأليف والشعر ، وأن « التمثيل » عارض قصاراه أنه مما يعد الكاتب لعمق تجسيد أبطال وشخوص رواياته ، وظنى أن الأستاذ العقاد لم يكن بحاجة ـ لولا أنه العقاد ـ لأن يفرد الصفحات التى أفردها للحديث عن « شكسبير الممثل » ، لا سيما وهو يسلم فى بداية ذلك الفصل بأن الراجح أن شكسبير الممثل لا يفوق نخبة الممثلين كما فاق المؤلف شكسبير نخبة المؤلفين ، حتى إنه اتخذ مدخلاً لبحثه أنه لا يرى أن عنايته بالتمثيل كانت أقل من عنايته بالتأليف ، مستدركًا بأن العناية بالشىء والقدرة عليه لا تتلازمان .

    إلى ذلك يسلم الأستاذ العقاد بأنه لا يبدو أن شكسبير تخصص فى فن من فنون التمثيل كما اشتهر بعض زملائه بالأدوار الهزلية أو أدوار الفواجع ، ولم يضارع ملوك الفكاهة أو ملوك الفاجعة  .

     فماذا بعد ؟

      يسوق أن « جرين » حاول أن يوغر صدر الشعراء على « شكسبير الممثل » الذى يسلمون له بقدرته فى التفوق بصناعته عليهم .

       وأن « أوبرى » يروى أن شكسبير « كان حسن التمثيل جدًّا » .

       وأن « راو Rowe » يقول إنه كان يمثل دور الطيف فى رواية هاملت وهو من   أصعب الأدوار فى زمانه قبل ابتداع وسائل الإضاءة الطيفية .

      وأن « أولديز Oldys » ( 1696 ـ 1716 م ) ـ يروى فى تعليقاته التى إقتُبست فى طبعة شكسبير سنة 1778 ـ أن شكسبير كان يمثل دور آدم فى رواية « كما تهوى ».

*         *         *

    ولعل أهم ما أبداه الأستاذ العقاد ، الحصر أو البيان الذى حرره « فريب Fripp » عن الفرق الكبرى التى زارت « ستراتفورد » ـ مسقط رأس شكسبير ـ أكثر من عشرين زيارة إبان أن كان شكسبير فى بداية التكوين ، وذلك منذ سنة 1569 ــ وكان فى الخامسة أو السادسة ـ إلى أن فارق القرية حوالى سنة 1587 ، أى وهو فى نحو السادسة والعشرين ، ومن هذه الفرق فرقة « ليستر » التى عمل شكسبير فى مسرحها وكتب لها كثيرًا من رواياته .

    وقد تتبع الأستاذ العقاد شيئًا غير قليل من هذه الزيارات ، والدور الذى كان لجون شكسبير ــ والد وليم ــ فى استقبال تلك الفرق والاشراف على تصديق الرخص والطلبات التى تفرق على الفرق التمثيلية فى رحلاتها خارج العاصمة ، وعادة القوم آنذاك فى اصطحاب أبنائهم إلى معاهد التمثيل ، وربما يشاهد الطفل الصغير رواية واحدة تتكرر أمامه سنة بعد سنة ، وينمو فى أيامه وينمو فى فهمها والاحساس بمعانيها ومناظرة وطرق الممثلين المختلفين فى أداء الدور الواحد ، وربما تسنى له أن يشهد الدور الواحد الذى يمثله نخبة من أقطاب المسرح كل منهم بطريقته ، وربما قرأ المنظر فى مختاراته المدرسية ورآه على المسرح معروضًا بأزياء المسرح وهيئات الإخراج والتحضير ، وربما احتوته ردود أفعال النظارة ، إلى أن المعلوم عن ممثلى ذلك العصر أنهم كانوا يخلقون فنهم على أيديهم ، ويفتتحون طريقهم غير مسبوقين إليه .

    ويبدو لى شخصيًّا ــ أن ذلك كان له أثره فى تنمية عقلية شكسبير الابداعية فى التأليف ، أما فى التمثيل فقد أورد الأستاذ العقاد أنه أصاب حظًا ثابتًا من النجاح فى بضع سنوات ، ولكنه على ما يظهر لم ينشئ لنفسه شهره ممتازة فى نوع من الأدوار كالذين تخصصوا من زملائه لتمثيل الفواجع أو الفكاهات ، أو تمثيل أدوار الملوك والأحباب .

     وبغير ذلك ــ فيما أرى ــ فإن قيمة شكسبير هى فيما ألفه ونظمه من شعر وروايات ، ومع ذلك أنهى الأستاذ العقاد هذا الفصل بقوله إن شكسبير حضر إلى لندن وهو ممثل صغير ، ثم فارقها بعد نحو عشرين سنة وهو ممثل كبير وشريك فى أكثر من دار للتمثيل .   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *