فى مدينة العـقاد (1007) ـــ العقاد ومدرسة الديوان (2)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

       تنفك تلك الدهشة ، وإن بقى المبرر ضعيفًا غير مقبول ، حين نعلم أن خصومة شديدة كانت قد شجرت بين المازنى وشكرى على أثر ما نشره شكرى فى مجلة « المقتطف » عــن « انتحال المعانى الشعرية » ، حيث تضمن المقال اتهام المازنى بسرقة عدة معانٍ بل قصـائـد من الشـعر الإنجليـزى المنشـور فـى المجموعـة الرائعـة المعروفـة باسـم « الذخيرة الذهبية » (Golden treasury) ـ الأمر الذى أثار المازنى ثورة عنيفـة جعلته يصل فى الخصومة إلى حد اتهام شكرى بالجنون ، وكان هذا سبب ـ ولا أقول مبرر ـ وصفه بـ « صنم الألاعيب » فى المقالات التى نشرها عنه فى الجزء الأول من كتاب الديوان .

      أجل بذلك يزول العجب وتنفك الدهشة !

      ولكن ذلك لا يزيل سحابة شجرت بين كبيرين ، بلغ من حد الخصومة فيها أن يخرج المازنى فى مقالاته العنيفة ضد شكرى ، عن أبسط مبادئ الموضوعية والإنصاف !

      تقول الصفحات المطوية ، أن المازنى شعر بندم شديد على ما كاله لصديقه وصاحب الأفضال ـ فى قسوة بالغة .

      بيد أن المازنى لم يقف عند حد الندم والأسف ، وإنما امتشق قلمه لا ليقر فقط بخطئه ، وإنما ليعطى عبد الرحمن شكرى حقه الواجب ودينه الذى فى رقبته .

      كتب المازنى يقول فى مقال نشره ـ بجريدة السياسة فى الخامس من أبريل سنة 1930 : « وقل من يذكر الآن شكرى حين يذكر الأدب ويعد الأدباء ، ولكنه على هذا رجل لا تخالجنى ذرة من الشك ، فى أن الزمن لابد منصفه، وإن كان عصر قد أخمله . ولقد تغير زمن كان فيه شكرى هو محور النزاع بين القديم والجديد . ذلك أنه كان فى طليعة المجددين إذا لم يكن هو الطليعة والسابق إلى هذا الفضل ؛ فقد ظهر الجزء الأول من ديوانه سنة 1907 إذا كانت الذاكرة لم تخنى (والصحيح أنه نشر عام 1909) ، وكنا يومئذ طالبين فى مدرسة المعلمين العليا ، ولكنى لم أكن يومئذ إلاَّ مبتدئًا ، على حين كان هو قد انتهى إلى مذهب معين فى الأدب ، ورأىٍ حاسمٍ فيما ينبغى أن يكون عليه . ومن اللؤم الذى أتجافى بنفسى عنه أن أنكر أنه أول من أخذ بيدى وسدَّد خطاى ، ودلنى على المحجة الواضحة ، وأننى لولا عونه المستمر لكان الأرجح أن أظل أتخبط أعوامًا أخرى ولكان من المحتمل جدًّا أن أضل طريق الهدى » .

      ولم يكتف المازنى بإبداء ذلك الندم والإقرار لشكرى بالريادة والفضل عليه ، فعاد يكتب بجريدة السياسة ذاتها بعدد 12 أبريل سنة 1930 ، إقرارًا ثانياً بالغ الوضوح . قال فيه : « وقد احتمل شكرى وحده فى أول الأمر وعكة المعركة بين القديم والجديد ، (يقصد معركة الديوان ذاتها) ، ثم استأنف يقول : « وشكرى رجل حساس رقيق الشعور سريع التأثر ، وهو بطبعه أمْيل إلى اليأس ، فشق عليه أن يظل يدأب وليس من يعنى به ، وأن يقضى خير عمره ويرفع صوته بأعمق ما تضطرب به النفس الملهمة الحساسة ، وليس من يستمع إليه أو يعيره لفتة ! » .

      كان شكرى عظيمًا حينما لم تعقه صداقته والمازنى ، من أن يبدى رأيًا اعتقده فى بعض قصائد المازنى !

      وكان المازنى عظيمًا فى رجوعه إلى الحق ، وإبداء أسفه علانية ، والإقرار الواضح الجلى بريادة شكرى وأفضاله الشخصية عليه ، وأنه فى مقدمة وعلى رأس مدرسة أو معركة الديوان ، التى تصدت للقديم وأبانت مثالبه ، وقدمت الجديد ، الذى لا خلاف على أنه ـ بغض النظر عن عنف التناول ـ كان ذا أثرٍ على الحركة الأدبية وعلى الشعر ، بل وتظهر آثاره فى شعر أحمد شوقى أمير الشعراء نفسه .

      ومن المؤكد ـ فيما يقول أستاذنا الدكتور محمد مندور شيخ النقاد ـ أن عبد الرحمن شكرى قد أعطانا جوهر المذهب الشعرى الجديد ، والذى دعا إليه فى بيت الشعر الذى وضعه على غلاف أول ديوان أصدره . يقول :

ألا يـا طائــر الفـردو                       س إن الشــعر وجـــدان

      لفت شكرى الأنظار إلى أن وظيفة الشعر الأساسية هى ـ وكما يجب أن تكون ـ التعبير عن الوجدان الذاتى للشاعر ، وأنه من السخف أن يظل الأدباء والشعراء مؤمنين بتقسيم الشعر إلى أبواب أو فنون ، كالوصف والحكمة والغزل والمدح والهجاء والرثاء وما إليها . فالشعر فى جوهره عاطفة .. يقول شكرى فى مقدمة الجزء الرابع من ديوانـه : « ليس شعر العاطفة بابًا جديدًا من أبواب الشعر كما يظن البعض ، ذلك أنه يشمل ـ أى شعر العاطفة ـ كل أبواب الشعر ، ذلك أن النفس إذا فاضت بالشعر أخرجت ما تكنه من الصفات والعواطف المختلفة فى القصيدة الواحدة ، ومنزلة أقسام الشعر من النفس كمنزلة المعانى من العقل ، فليس لكل معنى منها حجرة من العقل منفردة ، بل إنها تتزاوج وتتوالد منه . فلا رأى لمن يريد أن يجعل كل عاطفة من عواطف النفس فى قفصٍ وحدها …. وهناك فئة تريد مـن الشاعر أن يكون أكثر شعره تكلفًا للحكمة ، فيأتى بأمثالٍ من بطون الكتب وأفواه العامة نصفها حق ونصفها باطل ، ثم يصوغها شعرًا من غير أن يكون قد أحس لذعها فى ذهنه ولا شعر بقيمتها » .

      بذلك وصل شكرى ـ فيما يقول الدكتور مندور ـ إلى الحقيقة الكبرى .. يعنى العاطفة التى يتكون منها جوهر الشعر ، والتى بدونها لا يُسمى شعرًا .

      والواقع أن عبد الرحمن شكرى قد صدر فى دواوينه السبعة ، وفى خواطره النثرية المتعددة التى جمعها فى كتبه الثلاثة « الاعترافات » و« الصحائف » و« التمرات » وفى مقالاته المتناثرة ـ صدر عن مذهب جمالى موحد هو مذهب التأمل أو مذهب « الاستبطان الذاتى » ، ثم يبقى أنه جمع فى مقدمته للجزء الخامس من ديوانه ، تحت عنوان « فى الشعر ومذاهبه » ـ جمع جوهر المذهب الشعرى النقدى الجديد الذى دعا إليه ورافقه فيه صديقاه العقاد والمازنى .

*          *          *

    ولم يكن ما تقدم هو كل الغبار الواجب إزالته قبل تناول هذا الموضوع المهم ، فالدكتور محمد مندور الملقب بشيخ النقاد ، كان من أهم من تعرضوا لتناول مدرسة الديوان ودور الأستاذ العقاد فيها ، فى النقد بصفة عامة ، وبالذات فى كتابه الضافى . « النقد والنقاد المعاصرون » ، وليس من حسن الفطن تجاهل ما يكتبه الدكتور مندور فى النقد والنقاد ، فهو نسيج وحده فى هذا الميدان ، بيد أن المعروف أن هناك خلافات كثيرة كانت قد شجرت بينه وبين الأستاذ العقاد قبل كتابته الفصل الخاص به وبمدرسة الديوان فى أواخر خمسينيات القرن الماضى . فهل تأثر الدكتور مندور أو تأثرت موضوعيته بهذه الخلافات ؟

      زاد حرصى على الاستيثاق ، حين لفت نظرى أثناء تصفح كتاب الدكتور مندور ، أنه كان فى الأصل مقالات متفرقة ، ولا بأس فى ذلك ، ولكن اللافت للنظر أنه رتب الفصول  بادئًا بعد الشيخ حسين المرصفى ، بميخائيل نعيمة وكتابه « الغربال » ثم عبد الرحمن شكرى ، قبل أن يتناول دور الأستاذ العقاد  ، مع أن كتاب الديوان أسبق صدورًا بعامين من صدور كتاب « الغربال » ، وهذا فى ذاته يستوجب البدء بالديوان وكاتبيه قبل الغربال وكاتبه ، وفضلاً عن أن هذا الترتيب المعكوس غير مبرر ، فإنه أدى بالمؤلف إلى أن يحيل فيما يتناوله من نظرات صائبة للأستاذ العقاد فى تجديد الشعر فى كتاب الديوان ، على ما ذكره سلفًا عن كتاب الغربال ومؤلفه ، وهذه الإحالة إلى ما صدر لاحقًا بعد كتاب الديوان ـ تخالف المنطق وطبائع الأمور ، لا سيما والأستاذ العقاد هو الذى كتب للأستاذ ميخائيل نعيمة مقدمة كتاب الغربال ، مما لا تستقيم معه هذه الخطة فى عرض الكتاب ، الأمر الذى اقتضى مزيدًا من التمحيص والإمعان فى الكتاب قبل الاعتماد عليه فيما نحن بصدده عن دور الأستاذ العقاد فى مدرسة الديوان ، وفى تجديد الشعر بوجه عام  .  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *