فى مدينة العـقاد (1004) ـــ نظرية الشعر عند العقاد (16)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

      من المعروف أن أضلاع « مدرسة الديوان » ـ ثلاثة ، العقاد وعبد الرحمن شكرى والمازنى ، والحديث عن هذه المدرسة يقتضى تفصيل إسهام كل عضو من أعضائها فيها ، وقد لاحظَتَ موسوعة أعلام الأدب المعاصر فى مصر ، أربع ملاحظات :

الأولى : أن ما كتبه عبد الرحمن شكرى والمازنى حول الشعر ونقده يعكس قراءة أدبية ونقدية . على حين تعكس كتابات العقاد فضلاً عن ذلك ـ قراءات أخرى لفلاسفة ، ولشعراء فلاسفة ، ولعلماء نفس ، وقد ذكر العقاد أنه الذى نبه زميليه إلى قراءة ماكس  نوردر ونيتشه ولسنج .

              وقبل لقاء العقاد بزميليه ـ كان لا يزال يغلب فى قراءاته جانب الفلسفة والنقد « العلمى الفلسفى » ، وشعراء الفرس المترجمين إلى اللغة الانجليزية ـ وكان يترجم مقالات ماكس نوردر ونيتشه وإيمرسون وحافظ الشيرازى لمجلة البيان .

              على حين كانت قراءة زميليه شاخصة إلى النقد والأدب المحض ، ويذكر المازنى أن شكرى فَتَّحَ عينيه ـ إلى جانب هازلت وكارليل ولى هنت وماكولى ـ على أسماء شكسبير وردزويرث وبيرنز وميلتون .

    وبعد لقاء الثلاثة ، أصبح ما يقرؤه أحد أعضاء هذا الثالوث شركة بينه وبين زميليه . وفى ذلك يقول العقاد فى مقدمته لديوان « سبيل الحياة » للمازنى : « كنا نتلاقى على مائدة الأدب والمطالعة نقرأ ابن الرومى ونعارضه . ونقرأ الجاحظ والشريف الرضى ونختلف فيهما ، ونقرأ وليام هازليت ناقد الإنجليز الأكبر ونرفعه مكانًا عليًا فوق زمرة النقاد العالميين . ولا نسمع بشاعر أو كاتب من أعلام الأدب والفكر فى اللغات الأجنبية إلا ذهبنا نلاحقه ونطارده فى كل ما يصل الينا من كتبه . ثم نقتسم نصيبنا منه بالمذاكرة والمشاورة ، كما نقتسمه بالمنازعة والمشاجرة فى أحايين » .

              وترى الموسوعة أن هذا الثالوث كانت قراءاتهم منذ تم لقاؤهم ـ وعلى الأقل حتى حدوث القطيعة بينهم ـ تدور فى نفس الفلك ، ويشهد على ذلك ما كتبوه قبل صدور كتاب « الديوان فى الأدب والنقد » سنة 1921 ، ويبدو فيه أنهم كانوا يستقون من نبع واحد ، ويستحسن الواحد منهم من الآراء ما يستحسنه رفيقاه ويستهجن ما يستهجنانه  .

والثانية : أن المازنى كان الوحيد بين « جماعة الديوان » ـ الذى حاول أن يضع نظرية متكاملة للشعر فى عمل واحد فى وقت مبكر ، حين نشر فى سنة 1915 كتابه الصغير المهم : « الشعر غاياته ووسائطه » ، وتناول فيه قضايا أساسية من بينها مكانة الشاعر ، وطبيعة الشعر ، ووظيفة الكلمات  والصور ، وارتباط العواطف ببحور الشعر التى تحدد أوزانه .. إلخ .

                 بل إنه أول من هاجم فى صراحة وعنف  ـ شعر واحد من أبرز شعراء المدرسة التقليدية وهو حافظ إبراهيم ، وجمع المقالات التى كتبها عنه فى مجلة « عكاظ » فى سنة 1913 ـ فى كتابه الصغير أيضًا : « شعر حافظ » ، فى نفس سنة 1915 .

              وجدير بالذكر أن كتاب الديوان ، قد خلا من أى نقد أو هجوم على « حافظ إبراهيم » ، الذى كان العقاد يكن له إكبارًا خاصًّا ، وتقديرًا عظيمًا .

              أما عبد الرحمن شكرى فكان له دور شفاهى ضخم ، فلم يكن من عادته أن يدون ما يقوله ، وقد تناثرت آراؤه عن الشعر فى مقدمات دواوينه وبخاصة الديوان الثالث ( سنة 1915 ) والخامس ( سنة 1916 ) .

              أما العقاد فقد تناثرت نظريته عن الشعر ـ قبل صدور كتاب الديوان ـ وجمعت فى كتب أمثال : الفصول ، والمطالعات فى الكتب والحياة ، ومراجعات فى الآداب والفنون ، وساعات بين الكتب ، وغيرها ، وقد تقدم الحديث عن هذه المجموعات فى المجلد الأول لمدينة العقاد . أما فى كتاب الديوان ، فقد قدم فيه العقاد نقده « التطبيقى » على نطاق واسع ، والذى هاجم فيه شعر شوقى بعنف .

والثالثة : أن الإسهام الحقيقى لكل من شكرى والمازنى فى قول الشعر ونقده ، لم يتجاوز عشر سنوات قبل صدور كتاب الديوان ، ويكاد يكون قد توقف تقريبًا بعد صدوره بقليل .

              أما العقاد فامتد اهتمامه بالشعر منذ صدور « خلاصة اليومية » فى سنة 1911 ـ إلى أن وافته المنية فى مارس 1964 .

والرابعة : أن كتاب « الديوان » يعتبر فى الواقع كتاب العقاد وحده ، فعلى الرغم من وجاهة بعض آراء المازنى وعصريه نقده القصصى فى هجومه على المنفلوطى ، فإن الكتاب خلا من أى آراء أخرى للمازنى ـ فيما عدا تهجمه غير الموضوعى على صديقه عبد الرحمن شكرى ، ثم عاد وأقر بخطئه فيه وبأفضال عبد الرحمن شكرى عليه ، حين كان فى أول الطريق بكلية المعلمين العليا ، بينما كان شكرى قد قطع شوطًا كبيرًا فى تكوين نظريته الشعرية ، ولم يبخل عليه بالإرشاد ووضع أقدامه على الطريق الصحيح .

               أما عبد الرحمنْ شكرى ، وكان دمثًا حساسًا ، فقد دخل فى عزلة مرة بعد تهجم صديقه المازنى عليه ، وقد عالجت هذه القصة فى مقال « أوراق مطوية » الذى نشر بجريدة الأهرام بعدديها 10 ، 24 / 6 /2019 ، لمن يحب الرجوع إليهما .

    بينما حمل العقاد عبء رسالة « جماعة الديوان » ، واستكمل بعد صدور كتاب الديوان بسط آرائه فى العديد من من المقالات ، والتى تقدم بيان معظمها ، وقد استعرضت موسوعة أعلام الأدب المعاصر فى مصر ـ فى المجلد الأول من المجلدين اللذين خُصَّصا للعقاد ـ استعرضت ما كان قد أبداه فى المقالات الثمانى التى نشرت فى ربيع سنة 1927 ، والتى ضمتها مجموعة « ساعات بين الكتب » ـ القاهرة 1968 ، وإحداها عن « وحدة القصيدة » ـ والتى فرق فيها بين الشعر العربى والشعر الإنجليزى ، وأوضح أنه نتيجة لدوران الشعر العربى على الحس ودوران الشعر الإنجليزى على العاطفة والخيال ، لا توجد قصيدة انجليزية تخلو من رابطة تجمع أبياتها على موضوع واحد او موضوعات متناسقة ، ومن هنا كانت وحدة الشعر عندنا البيت ، وكانت وحدته عندهم القصيدة ، فالأبيات العربية طفرة بعد طفرة ، والأبيات الإنجليزية موجة تدخل فى موجة لا تنفصل من التيار المتسلسل الفياض ، وسبب ذلك هو أن الحس لا يربط بين المعانى وإنما يربط بينها التصور والعاطفة والملكة الشاعرة .

    وما أبداه العقاد حول هذا المبدأ فى نظريته الشعرية ، أبداه عن باقى مقومات هذه النظرية ، بدءًا من صحيفة « الدستور » سنة 1909 ، ثم فى كتاب « الديوان » سنة 1921 ، ثم فى صحيفة البلاغ عام 1928 ، ثم فى كتابه عن « ابن الرومى» ـ حياته من شعره 22 عام 1930 ، وهو ما جعل الدارسين يجمعون على أن العقاد هو « محامى مدرسة الديوان » ، والذى ظل طوال حياته يردد مبادئها فى إلحاح حتى رسخت فى الأذهان .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *