فى مدينة العـقاد (1000) ـــ نظرية الشعر عند العقاد (12)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     فلسفة العقاد من شعره

     الأصل عند العقاد ــ فيما يخلص الدكتور زكى نجيب محمود ـــ هو « الحياة الشاعرة » لا « الحياة العاقلة » .

     الحقيقة الباطنية تُدرك بوجدان الشاعر وقلبه ، لا بمنطق العالم ورأسه ، والإنسان حىٌّ  ما حرص على خوالج شعوره وانفعالات عاطفته ، ميت أى فى حكم الميت إذا ما اقتصر على حجج العقل وحسابه :

    كُنْ بالخوالج حيًّا فالحُجَى جدث        لربه . ووقار الحلم أكفان

    وإنما المرء يحيا فى خوالجه        وليس يجيبه فى الألباب رُجحان

 

   غزارة الحياة فينا تقاس بجيشان العاطفة لا برجاحة العقل :

 

والعقل من نسل الحياة وانما          قد شاب وهى صغيرة تتزين   

والطفل تصحبه الحياة وماله          لب يصاحب نفسه ويلقن

 إن العواطف كالزمام يقودنا          منها دليل لا تراه الأعين

 

    وعند العقاد أن الفارق بعيد بين حقيقة ندركها بالوجدان حيةً نابضةً دافقة ، وحقيقة ندركها بالعقل الصرف فندركها أعدادًا رياضية باردة كالثلج .

     وفى قصيدة « القمة الباردة » فى الجزء الثالث من ديوانه ، يقول العقاد ما معناه أن قمة الجبال باردة تعلوها الثلوج ، وكذلك المعرفة . فإذا نظر الإنسان إلى حقائق الأشياء مجردة وهو عل قمة الإدراك العقلى ، لا يشعر بشىء .

     لا يعنى هذا أن نطمس  العقول اكتفاءً ببصيرة الوجدان ، بل أن نستخدم العقل إلـى غاية مداه ، وبعد ذلك وفوقه نركن إلى إدراك الوجدان ، لأنه وحده صفو الحياة ، وجد منذ وجدت :

إذا ما ارتقيت رفيع الذرى                  فإياك والقمـة البـاردة

هنالك لا الشمس دوارة                     ولا الأرض ناقصة زائدة

ولا الحادثات  وأطوارها                     مجددة الخلق  أو بائـدة

 

    الحقيقة الأولى أقرب إلى أن تدرك بالوجدان قبل أن يدركها العقل . فإدراك البداهة الفطرية ـ وليس تدليلات المنطق وبراهينه ـ هى المعوّل عليها فى القضايا الكبرى للحياة .

    والشاهد على ذلك ما نراه فى لمحات الفلسفة ولمعات الفنون .

معلمة الإنسان ما ليس يعلم                وقائلة ما لا يبوح بـه الفـم

وكامنة بين النفوس بداهة                           وما علمت فى مهدها ما التكلم

ومخرجة الأوهام من ظلماتها               على أنها من سطوة النور تحجم

ومسمعة الإنسان أشجان نفسه            فيطربه ترجيعها وهى تـؤلم

أعيدى على القول أنصت وأستمع          حديثًا له فى نوطة القلب ميسم

حديثًا يناغينى وأذكر أنــنى                         تسمعته والقلب وسنان يحلـم

وأوغل بالذكرى فأزعم  أنـه                         قديم  كعهد القلب أو هو أقدم

ويا ليتنى أدرى أنفس سحيقة              تنادين منها أم فؤادى المكلم

كأن لنا نفسين : نفس قريبة               وأخرى على بعد المزار تسلم

 

    فى هذه الأبيات فيا يقول الدكتور زكى نجيب محمود ـ لمحة أفلاطونية ، تجعل وراء هذا العالم عالمًا أعلى وأكمل ، نقبس منه القيم العليا والمعايير المثلى التى نقيس بها أوضاع الحياة الدنيا .

       فالموسيقى الفذ مثلا ـ فيما يقول ـ إنما يبلغ ذروة العبقرية حين يوحى من خلال ألحانه بمعانٍ يستمدها من عالم الروح أو من عالم القيم .. وهو عالم المثل والنماذج التى يتساوى الجميع  ـ العالم والجاهل ـ فى إدراكها ، لأن البداهة الفطرية فيهما سواء  :

أملهمة الإنسان ما لا يزيده                 فصيح ولا يزرى بمعناه أبكم

إليك تناهى كل علم ومنطق                 فسيان مطبق لديك وأعجـم

وما المطرب الشادى بمبدع لحنه           ولكنه شبابة تترنــم

ألا حديثنا عن إله نحبه                     ونعبده حبا ولا نتأثـــم  

فما كان للوحى الإلهى مسلك                إلى القلب أشحى من صداك وأكرم

حديثك من كل اللغات منظم                  ومعناك فى كل النفوس مقسـم

فللوحش فيه والأناسى عولة                وللنار والأعصار فيه تهــزم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *