فى مدينة العـقاد (998) ـــ نظرية الشعر عند العقاد (10)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

     فلسفة العقاد من شعره

  ـ 1 ـ  

 

     جعل أديب الفلاسفة الدكتور زكى نجيب محمود ، جعل غايته فى الفصل الرابع الذى خصه للأستاذ العقاد فى كتابه « مع الشعراء » استقصاء « فلسفة العقاد من شعره » .

    تستطيع الفلسفة والشعر أن يتباينا ــ فيما يراه ــ أشد ما يكون التباين .

    كما يستطيعان أن يتقاربا حتى ليوشك أن يختلط الأمر على الناظر إليهما ، فيحسب الشعر فلسفة ، والفلسفة شعرًا .

    للفلسفة معنيان : أن تُفهم بمعنى الحكمة التى يستخلصها صاحبها من تجربته الحية كما مارسها وعاناها فى حياته .

   وإما أن تُفهم بمعنى التجريدات الصورية التى يستخلصها المفكر من مفاهيم العلم وقضاياه ، ابتغاء أن يصل إلى المبادئ الأولى .

    فإذا كانت الفلسفة بالمعنى الأول كاشفة عن سرائر الكاتب .

    فإنها فى المعنى الثانى ذكية ولكنها لا تفصح عن شىء من خوالج السريرة .

    بالمعنى الأول حياة ومضمونها .

    وبالمعنى الثانى فكر وصورته .

    بالمعنى الأول هى قلب ولسان وجنان ووجدان .

    وبالمعنى الثانى هى ذهن وذكاء ومنطق وتحليل .

    وهى بالمعنين معًا تعمم الأحكام .

    لكن التعميم فى الحالة الأولى يرتكز على خبرة حياة شخصية لدى الفرد .

    أما التعميم فى الحالة الثانية فلا ذكر فيه للأفراد .

    ويتباعد الشعر والفلسفة أشد ما يكون التباعد حين تدور الفلسفة فى مثل هذا التجريد .

   ويتقاربان حين تكون الفلسفة حكمة حياة عند صاحبها .

    ويتباعدان حين تروم الفلسفة أن تقول الحق خالصًا لا جمال فيه ، بينما يريد الشعر أن يصوغ الجمال خالصًا لا يعنى إلاَّ به .

    ولكنهما يتقاربان حين يريد الفيلسوف أن يسوق الحق مكسوًّا بثوب الجمال ، أو حين يريد الشاعر أن يصوغ الجمال منطويًا على حق .

   ومن قبيل الفلاسفة بهذا المعنى ، كان العقاد الفيلسوف فيما يرى الدكتور زكى نجيب محمود ؛ ومن قبيل الشعراء بهذا المعنى كان أيضًا العقاد الشاعر .

   كان العقاد فيلسوفًا وكان شاعرًا .

 

ــــ 2 ــــ

 

    يدور فى بلادنا الفكر الفلسفى الحديث على محورين : الحرية ، والعقل .

   الحرية لا تكون إلا َّفكاكًا من القيود .

   والعقل لا يكون إلاَّ التزامًا للقواعد والقيود .

   فكيف إذن ــ فيما يطرح الدكتور زكى نجيب ــ يكون الجمع بين « فكاك الحرية » وانطلاقتها ، و « قيود العقل » وقواعده ؟

   كان أسلافنا الفلاسفة المسلمون يدور محور نشاطهم حول التوفيق بين العقل والنقل .

    فصار محور نشاطنا اليوم هو التوفيق بين العقل والحرية .

    من القبيل الأول كان استبداد المستبدين ما بين مستعمر وحاكم .

   ومن القبيل الثانى كانت أغلال الجهل والخرافة .

   واستلزمت هذه الازدواجية معولين ينصرف كل منهما إلى قبيل من القبيلين .

    وهكذا كان الأستاذ العقاد فيما يرى الدكتور زكى نجيب محمود ، كان فى مقدمة الطليعة التى أضاءت سراج الفكرتين معًا .. أضاءهما كاتبًا ناثرًا ، وانبعث ضوؤهما عنده شاعرًا .

 

ــــ 3 ــــ

 

     على أن فكرتى الحرية والعقل تلتقيان على يدى الأستاذ العقاد ، حتى لا يمكن تصور إحداهما دون الأخرى .

   ومن آرائه ــ فيما يضيف ــ أن الحياة بأسرها عمل فنى ، تسوده الأصول نفسها التى تحكم جميع الأعمال الفنية على اختلافها .. تحكمها الأصول التى تحكم بيت الشعر ، ولحن الموسيقى ، وصورة المصور أو الرسام أو النحات .

   فحرية الفن أو حرية الحياة ــ لا تكون بغير قواعد تحكم سيرها .

   يقول الأستاذ العقاد فيما ينقله ــ إلينا الدكتور زكى نجيب محمود :

      « انظر إلى بيت الشعر وتصرف الشاعر فيه ، إنه مَثَلٌ حق لما ينبغى أن تكون عليه الحياة بين قوانين الضرورة وحرية الجمال ، فهو قيود شتى من وزن وقافية واطراد وانسجام ، غير أن الشاعر يعرب عن طلاقة نفس لا حد لها حين يخطر بين هذه السدود ، ويطفر من فوقها طفرة النشاط ، ويطير بالخيال فى عالم لا قائمة فيه للعقبات والعراقيل ، وهكذا فلتكن الحياة وعلى هذا المعنى فلنفهم ضروراتها وقوانينها ، فما الضرورات والقوانين إلاَّ القالب الذى تحصر فيه الحياة عند صبها وصياغتها ليكون لها حيز محدود فى هذا الوجود ، ولتسلم من العدم المطلوب الذى تصير بها الفوضى إليه ـــ وإلاَّ فتصور عالمًا لا موانع فيه ولا أثقال ثم انظر ماذا لعله يكون ؟ إنه لا يكون إلاَّ فضاء بغير فاصل ، أو هيولى بغير تكوين .. فلنعلم كيف نحمل الحياة بقيودها ، ونجرى بها كأنها لا تعوقنا عن بلوغ ما نريد » .

    وهكذا تلتقى عند الأستاذ العقاد الحرية والعقل أو القيد فى كيان واحد . من قيود العقل قيد التجارب التى تحد من الهوس والاندفاع ، وقيد الحب . وفيه يقول الأستاذ العقاد :

وهذا إلى قيد المحبة شاخـص                    وفي الحب قيد الجامح المتوثـب

ينادى : أنلنى القيد يا من تصوغه               ففى القيد من سجن الطلاقة مهربى

أدره على لبي وروحي ومهجتى              وطوق به كفى وجيدى ومنـكــبـى

 

ومن هذه القيود قيد الجاه والسلطان ،  وقيد الأبوة  :

ورُبّ عقيم حطم العقم قيده       يحن إلى القيد الثقيل على الأبواب

   وهكذا الحياة كالنهر الدافق ، توضع له الجسور والسدود ، فيستقيم جريانه فى مجراه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *