فى مدينة العـقاد ـــ جميل بثينة جميل بن معمر (2)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

عصر جميل

      عاش جميل فى القرن الأول للهجرة ، وهو قرن حافل بالأحداث ـ تحولت فيه الدولة الإسلامية من نظام الخلافة الراشدة إلى الملك الموروث ، ومن البيعة إلى التوريث ، كما تحولت حاضرة الدولة من قطر إلى قطر ، ومن سيرة إلى سيرة ، ومن الحجاز إلى الشام ، ومن بساطة الحياة الدينية إلى بذخ المعيشة الحضرية التى جمعت ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ بين بقايا حضارة فارس وبقايا حضارة الروم .

       وأوجز ما يقال فى تلك البيئة أنها البيئة التى تخرج أمثال « جميل » من شعراء البادية المحيطين بالحضارة الحجازية ، والمتصلين بحواضر الإسلام فى مصر والشام .

      وكان المعوّل الأكبر فى الحجاز ـ قبل الإسلام ـ على حياة المدن التى يقصدها الناس للتجارة ولقضاء المناسك ، وإذ طال العهد بتلك المدن فى التجارة واستقبال القصاد ، اجتمع فيها الثراء بأيدى السراة وأصحاب القوافل الغادية والرائحة فى رحلتى الشتاء والصيف .

     فلما ظهرت الدعوة الإسلامية ، شغلت الناس عن ذلك كله بانتشار الدعوة وقيمها ، وبصد محاولات المشركين لضربها ، ثم علت كلمة الدين فى عهد النبى عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدين من بعده .

      هنالك صار صعبًا على أصحاب اللهو والترف أن يتمادوا فيما كانوا فيه ، فاهتدى منهم من اهتدى ، واستتر منهم من بقى على ضلاله ، ووجد معظمهم منصرفًا له عن معيشته الأولى فى هذه المعيشة الدينية الجديدة .

       وانتقلت عواصم الدولة من الحجاز إلى الشام ، فتفرغ أولئك المترفون لحياة الفراغ التى لا رقابة عليها ، وربما تجاوز البعض إلى حياة المجون والبطالة .

      واستأنفت الحواضر الحجازية تاريخًا قديمًا كان لها فى اللهو والمجون ، و« الظرف » المأثور فى عرف أولى النعمة ، إلى المنادمة والمسامرة ، وأحبها وأشيعها حديث الغزل
والغرام .

       ولم يسلم من عدوى هذا الجو من عاشوا فيه ، فقد صار متنفس من يشاء ومن
لا يشاء .

      ومن أجرأ الرجال الذين نشأوا فى تلك البيئة « مصعب بن الزبير » سليل الشجعان ووريثهم فى شمائلهم .

      وقد كان له من الجد ما يشغله عن معيشة أهل البيئة الجديدة وينجيه من أوضارها .

      وكان وعبد الله بن الزبير ـ صاحبى ملك ينافس ملك بنى أمية ، وتولى إمارة البصرة والكوفة والطرق فضبط أمورها واستبقاها زمنًا على الولاء له وأهل بيته .

  وجدير بالذكر أن عبد الملك بن مروان قد نهض لقتاله بنفسه ، ومن موقعه المتقدم ، أنفذ إليه الجيوش وراء الجيوش ، فصدها ببسالة وفرق شملها ، ونظرًا لما كان بين عبد الملك ومصعب من صداقة قديمة وود ، أرسل إليه أخاه محمد بن مروان يعرض عليه الأمان وولاية العراقين وصلة كبيرة  من المال ، بيد أن مصعب أبى إلاَّ أن يقاتل حتى يغلب أو يموت دون تسليم  . ولما خذله أصحابه طمعا فى هدايا بنى أمية ، ظل يقاتل مع البقية الباقية من أنصاره حتى قتل .

    وقد قيل ـ فيما يروى الأستاذ العقاد ـ إن عبد الملك بن مروان  سأل بعدها أصحابه عن أشجع الرجال ، وهم يروغون فى الجواب ، فقال لهم عبد الملك بل أشجع الناس « مصعب بن الزبير » ، عرضت عليه الأمان والمال وولاية العراقين ، وعنده عائشة بنت طلحة أجمل النساء ، فآثر الموت على التسليم .

    ويذكر له الأستاذ العقاد حكايتين دالتين على كيف شاع الغزل وأحاديثه ومواقفه فى البيئة التي نشأ فيها وأحاطت به آدابها ، وإحداهما تتصل بالشاعر  « جميل » ، وتدور على بيتين قالهما في صاحبته بثينة. قال :

ما أنس لا أنس منها نظرة سلفت           بالحجر يوم جَلَتْهَا أم منظور

ولا انسلابتها خرسا حبائرها                إلىّ من ساقط الأوراق مستور

( الأوراق جمع رواق وهو الفسطاط ، والحبائر تعنى الثياب المطرزة أو الأساور ، والحجر اسم موضع ) .

    وقد قيل فيما يورد الأستاذ العقاد ، إن مصعبًا عندما سمع البيتين وَدَّ لو يعرف كيف جَلَتْها أم منظور. فأنبأوه أن أم منظور التى أشار إليها الشاعر لا تزال على قيد الحياة ، فكتب فى حملها إليه مكرمة ، فلما أتت وصفت له تلك الجلوة فقالت : « ألبستها قلادة بلح ومخنقة بلح واسطتها تفاحة، وضفرت شعرها وجعلت فى فرقها شيئًا من الخلوق ـ أى الطيب ـ ومر بنا جميل راكبًا ناقته فجعل ينظر إليها بمؤخر عينه ويلتفت إليها حتى غاب عنها .

  فقال لها مصعب : فإنى أقسم عليك ألا جلوت عائشة بنت طلحة مثل ما جلوت بثينة ، ففعلت، ثم ركب مصعب ناقته وأقبل عليهما وجعل ينظر إلى عائشة بمؤخر عينه ويسير حتى غاب عنها .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *