فى مدينة العـقاد ـــ شاعر الغزل عمر بن أبى ربيعة (17)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

      لم يكن أمامى بدٌّ ، وقد خصص الأستاذ العقاد فصلاً من كتابه لنوادر وأخبار ابن أبى ربيعة ،  بحثًا عن سماته ـ من أن أتناول ما أورده ، وقد آثرت فيما سبق أن أعرض ما رواه كما رواه عن مصادره ، ولكنى وجدت أن هذا شىء يطول ، ولا أرى فيه من الأهمية ما رآه الأستاذ العقاد ، ومجمل ما أضافه إلى ما أسلفناه موقف عن تعرّض النساء له ومعابثته لتزجية الوقت واستدراجه فاستدرج وهو يظن أنه المدبر ، وخبر آخر يورى بأنه كان يتتبع كل جميلة يسمع بها ليحادثها ويتغزل بها ولو لم تقع عينه عليها ، وكيف أوقعه هذا فى حرج بالغ حين فوجئ بأن التى يسعى وراءها هى أخت من يتحدث إليه عنها ، وأخرى جعل يطوف بها وهى تزجره واضطرت إزاء إلحاحه أن تصاحب أخاها لينصرف عنها ، وتمثلت فى شأنه بقول النابغة :

 

     تعدو الذئاب على من لا كلاب له              وتتقى المستأسد الضارى

 

       وعلى ذلك فلم يكن ابن أبى ربيعة ، فيما أورد الأستاذ العقاد ، بالفاتك فى سبيل هواه ، وإنما كان لهوه سهلاً ، يستعين عليه باللهو السهل ، وكثيرًا ما كان يأتيه حظه بغير عناء ، وانتهى به بعض لهوه إلى الزواج « بكلثم » بنت سعد المخزومية ، وحين أراد أن يتقرب منها بعث إليها مع مخدومتها بأبيات منها  :

 

    من عاشق صب يُسر الهوى              قد شفه الوجد إلى كلثم

    رأتك عينى فدعانى الهوى                إليك للحين ولم  أعلم

    قتلتنا  يا حبذا  أنتمُ                        فى غير ما جُرم ولا مأثم

   والله قد أنزل فى وحيه             مبينًا فى  آيه المحكم

   ………………..

   ………………..

     فلما التقته واجهته بما اعتاد عليه من معابثة ، وبأبيات قالها تنطق بذلك .. وقالت له ألست القائل :

………………..

………………..

     لا تجعلن أحدًا عليك إذا               أحببته وهويته  ربا

     وصل الحبيب إذا  شُغِفتَ به واطو   الزيارة  دونه غبا

     فلَذاك أحسن من مواظبة             ليست تزيدك عنده قرْبا

    لا بل يملُّكَ عند دعوته                فيقول أفّ  وطالما  لبى

 

     وكان ختام هذه المعابثة ، أن بنى بها ، وأنجب منها ابنين ، وتوفيت وهى على ذمته .

*         *         *

      وهكذا تتكرر النوادر والأخبار فى حياة  ابن أبى ربيعة على أنماط شتى من نسق واحد . من ذلك تعرضه لمصعب بن عروة بن الزبير وأخيه عثمان ، وتوصيته لهما بأن يستمتعا بشبابهما قبل أن يندما على فواته ، وقوله لعروة ابن الزبير بن العوام بأنه موكل بالجمال يتبعه حيث كان ..

      إنى امرؤٌ مولع بالحسن أتبعه                لا حظّ لى منه إلاّ لذة النظر

 

     ويختم الأستاذ العقاد هذا الفصل بقصة دارت مع جارية له بعد أن تقدم به العمر ورغب فى الإقلاع عن الشعر ، وحلف أن يعتق رقبة لقاء كل بيت يقوله . إلاّ أن جاريته جعلت تكلمه وهو لا يرد عليها جوابًا ، فقالت له : إن لك لأمرًا وأراك تريد أن تقول شعرًا ، فجرى لسانه بأبيات تسعة ..

تقول  وليدتى  لما  رأتنى                   طربت وكنت قد أقصرت حينا

أراك اليوم قد أحدثت شوقًا                           وهاج لك الهوى  داء دفينا

وكنت زعمت أنك ذو عزاء                          إذا ما شئت فارقت القرينـا

بربك هل أتاك لها رسول                    فشاقك  أم لقيت  لها خدينا

فقلت شكا إلىّ أخ  محب                     كبعض زماننا إذ تعلمينا

فقص علىّ ما يلقى بهند                    فذكر بعض ما  كنا نسينا

وذو الشوق القديم وإن تعزى               مشوق حين يلقى العاشقينا

وكم من خلة أعرضت عنها                 لغير قلىّ وكنت بها ضنينا

أردت بعادها فصددت عنها                  ولو جُن الفؤاد بها جنونا

 

        ووفاءً بقسمه ، أعتق ابن أبى ربيعة تسعة من رقيقه ، واحدًا عن كل بيت من أبيات الشعر التسعة ! .

        ومن ذلك يبين أن عمر فى شيخوخته وقيل إنه بلغ الثمانين ، ظل كما كان فى صباه ، ولم يُعرض عن حظ الشباب والجمال ؛ إلاّّ على كره منه وحنين أن يعاوده كلما تناساه أو حاول أن يتناساه !

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *