فى مدينة العـقاد ـــ شاعر الغزل عمر بن أبى ربيعة (15)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

ذوق الشاعر في جمال المرأة

 

    قضى عمر بن أبى ربيعة أكثر أيامه في مخالطة النساء ، ونظم أكثر شعره فى وصف محاسن المرأة . ومن الطبيعى أن يرد إلى الخاطر أنه كان صاحب ذوق مأثور فى جمال النساء.

   والمشهور فيما يقول الأستاذ العقاد ، أن الرجل الذى يخالط النساء يعرف جمالهن ويصير حجة فيه وفى تذوق شمائله .

     إلاَّ أن هذه الشهرة وهمٌ كسائر الأوهام الشائعة التى لا تثبت للمراجعة والتمحيص .

   فليس « زير النساء » أو « العاشق » بالحجة ــ فيما يقول الأستاذ العقاد ــ فى ذوق الجمال ، فالأول موكل بحب الأنوثة قبل أن ينظر إلى الجمال ، والثانى موكل بحب « الشخصية » التى تستهويه مهما كان حظها في الجمال .

   والأول مثل الأكول يلتهم كل ما يصادفه ، ومن ثم ليس حجة فى التمييز .

   والثانى مولع بصنف واحد من المآكل فهو مصروف عن كل ما عداه .

   وإنما يسأل عن جمال المرأة الرجل الصحيح الذى يملك ذوقه فلا يصرفه صارف عن تمييز الحُسن .

   كذلك من يرى ويقابل ويستكثر من الرؤية والمقابلة وهو ناظر فيما يراه بعين المساواة .

     ويتساءل الأستاذ العقاد : ماذا كان ذوق الجمال عند عمر بن أبى ربيعة شاعر الغزل وأكثر شعراء عصره مخالطة لبناته المشهورات بالجمال ؟

 

     كان ذوقه ـ فيما يرى ـ هو الذوق الطبيعى الذى يتفق لكل من كان مثلة .

     فهو عربى حضري مترف مولع بمعاشرة النساء ، وكل من كان عربيٍّا حضريٍّا مترفًا فلن يكون ذوقه فى جمال المرأة إلا كذوق عمر بن أبى ربيعة ، كما رأيناه في شعره وأخباره  .

     وقد كان ذوق العرب عامة فى الجمال ذوق الفطرة السليمة ، التى لم يُفْسدها الترف ولم تغريها بدع الحضارة . وكانوا يستحسنون من جمال المرأة الوضاحة والهيف والرشاقة والخفر ، ويشيدون بهذه الشمائل فى كل ما روى عنهم من غزل البداوة .

     وربما أحبوا مع ذلك الامتلاء فى بعض المواضع المحببة ، ولكننى أتذكر شخصيًا قالة الأعشى فى وصف المحبوبة :

         ودع هريرة إن الركب مرتحل             وهل تطيق وداعًا أيها الرجل

        غراء فرعاء مصقول عوارضها           تمشى الهونيا كما يمشى الوجى الوحل

     وقد كنا ندرس هذه الأبيات فى المرحلة الثانوية تمثيلاً لمقاييس ذلك العصر ، وهو حب السمنة ـ لا الرشاقة كما يقول الأستاذ العقاد ـ لتبدو المرأة فى مشيها الهوينا كالجمل الذى يسير بتؤدة فى الوحل .

     على أن الأستاذ العقاد يستقصى أبياتًا تجرى على ما استنتجه ، لا ثبات أن غاية الحسن المطلوب فى المرأة أن تكون كما وصفها كعب بن زهير حين قال :

        هيفاء مقبلة عجراء مدبرة                لا يشتكى قصر منها ولا طول

    وهو الذوق الذى يجرى عليه ابن أبى ربيعة ، كما يجرى عليه « العرف القومى « حين يقول :

        إنى رأيتك غادة خمصانة                   ريَّا الروادف عذبة مبشَارا

        محطوطة المتنين أكمل خلقها              مثل السبيكة بضعة معطَارا

       كالشمس تعجب من رأى ويزينها           حسب أغرّ إذا تريد فخَارا

    أو حين يقول:

           فيهن طاوية الحشا              جيداء واضحة الجبين

          بيضاء ناصعة البيا              ض كدَّرِة الصدف الكنين

      وكان على فرط مخالطته النساء المتبرجات يحمد الحياء .

 

    والخفر فى المرأة محمود لدى العربى البدوى الذى ينظر للمرأة فى فطرتها الأولى .

    ويرى الأستاذ العقاد أن العرف العربى أو العرف الفطرى واضح فى وصف ابن ربيعة لا تخطئه العين .

    ولكن هذا العرف يطرأ عليه ــ فيما يرى ــ عارضان يغيرانه وينحرفان به عن قصده : معيشة الحضارة والبيئة الاجتماعية التى عاش فيها ابن أبى ربيعة ، وبيئة الترف والنعمة والرضاء التى عاش فيها .

فالحضارة والنعمة تظهران فى الترفع عن عيشة البداوة والاشتغال بالرعى ، كما يقول :

      معاصم لم تضرب على البهم فى الضحى             عصاها ووجه لم تلحه السمائم

      ( السمائم هى ريح السموم )

      وتظهران فى المباهاة بكسل المرأة ونومها إلى الضحى وفرط غضارتها ، لأن ذلك جميعه عنوان الغنى والاستغناء والدلال على الرجال ، فإذا ذكر الهيف فى جمال المرأة خُيل إليك أنه يذكره متابعة للعرف وعادة من عادات اللسان وهو ساه عن معناه ، وأنه يناقض وصفه حين يذكر الهيف ويقرنه بما ليس يجتمع معه من صفات البدانة والضخامة التى قلما ينساها فى وصف حسناء ، كما فى قوله:  

مهفهة غراء صرفٌ وشاحها                           وفى المرط منها أهيلٌ متراكم

أو قوله

   أسيلات أبدان ، دقاق خصورها                          وثيرات ما التفت عليه الملاحف

   أو قوله :

هيف رعابيب بدن شُمس                              فيهن حسن الدلال والخفر

( الرعبوب الناعمة والشماس هو الاباء والعناء )

   وكان اختياره أدل على ذوقه من كلامه ، فقد قيل فى وصف « الثريا » التى لهج بمحاسنها أنها كانت ضخمة العجيزة ، وهو عيب لم يحمله على استحسانه سوى دلالته على النعمة وقلة الحركة فى البيت . وهو ما يذكّرنا بأبيات الأعشى السالف بيانها .

   وخلاصة القول فيما ينتهى الأستاذ العقاد ـ أن عمر بن أبى ربيعة كان يحمد من محاسن المرأة ما يحمده الرجل الذى نشأ بين العرب فى بيئة الحضارة والنعمة  .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *