فى مدينة العـقاد ـــ شاعر الغزل عمر بن أبى ربيعة (14)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

صدقه الفنى فى شعره

 

    الصدق الفنى غير الصدق التاريخى من ناحية صدق الوقائع تاريخيًا ، وغير الصدق الأخلاقى من زاوية الالتزام بالأخلاق .

     فقد يصدق الشاعر تاريخيًا فيما يرويه .

     وقد يكون صدقه دالاً على خلق حسن أو معيب .

          ولكن هذا وذاك غير الصدق الفنى الذى يحاسب عليه الشاعر من الوجهة الفنية ، والمعنى بذلك صدق الشعور الذي يعبر عنه فى شعره ، وصدور ذلك الشعور عن مزاج أصيل لا تكلف ولا اصطناع أو اختلاق فيه .

    ويرى الأستاذ العقاد أن هذا الصدق الفنى في التعبير ، ثابت لابن أبى ربيعة من ثبوت مزاجه وثبوت فطرته التي جُبل عليها . وهى الفطرة التي أغرمته بالنساء والتحدث عنهن ، وتمثيل ذلك فى فن من الفنون ، هو هنا فن الشعر أو الأقصوصة المنظومة.

      وثبوت هذا المزاج كان للتحقق من صدق تعبير الشاعر ، حتى ولو لم تكن الأخبار التى رواها قد  وقعت على الوجه الذى رواه.

    وهذا الصدق الفنى ملازم ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ لشعر عمر بن أبى ربيعة فى معظم ما وصف ، سواء على الحقيقة أو المجاز .

      ومن أمثلة ذلك أنه وصف منظرًا رآه فى بيت فقال :

      ولقد قلت ليلة الجزل لما    أخضلت ريطتى ( الثوب ) على السماء

    فلما أنشد الأبيات خرجت له جارية حضرت المنظر فقالت: ما رأيت أكذب منك يا عمر! تزعم أنك بالجزل وأنت في جنبذ ( قبة ) محمد بن مصعب ، وتزعم أن السماء أخضلت ريطتك ، وليس في السماء قزعة  ( القطعة من الغمام ) ! … فقال : هكذا يستقيم هذا الشأن » .

    ونرجع إلى الأبيات التى « استقام له شأنها » بهذا التبديل فإذا هى بعد البيت المتقدم :

ليت شعرى وهل يردّن ليت                  هل لهذا عند الرباب جزاء ؟

كل وصل أمسى لدىّ لأنثى          غيرها ، وصلها إليها أداء

كل خلق وإن دنا لوصال             أو نأى فهو للرباب الفداء

فعدى نائلاً وإن لم تنيلى             إنما ينفع المحب الرجاء

    ويبدو للأستاذ العقاد أن القافية هى التى جاءت « بالسماء »، وأنه قد خلق المطر وابتلال ريطته ( أى ثوبه ) بعد أن عرضت له هذه الكلمة فى القافية ،  فلم يستقم له النظم إلاَّ  بهذا التبديل ، وربما حسبت ذلك ضعفًا منه فى الصناعة النظمية ، ولكن هذا الضعف لا يمنع أن يكون ذلك المنظر جائز الوقوع ومن ثم يكون وصفه متفقًا والشعور به على ذلك المثال.

    وهذا فيما يرى الأستاذ العقاد ، هو الصدق الفنى الذى يُحاسب عليه الشاعر فى هذا الباب.

   ولعل تبديله المنظر يؤدى معنى آخر له دلالته فى إعزازه للفتاة ، التى تجشم الخروج فى المطر لانتظارها ، وهذا المعنى يستحق أن يوصف ولو كان مخترعًا ، ولا يعاب من الوجهة الفنية .

     ويصل الأستاذ العقاد بذلك إلى التفرقة أيضًا بين الطبيعة الفنية والصناعة النظمية ، حتى وإنْ لاح أن كلمتى الفنان والصانع مترادفتان أو كالمترادفتين.

    وعلى ذلك فعمر بن أبى ربيعة وافر الحظ من الطبيعة الفنية التى تفوق فيها على غيره من الشعراء ، وأصبح إمامًا لطريقتها .

     ولكنه فيما يرى الأستاذ العقاد ـ ليس بوافر الحظ من الصناعة النظمية التى يلجئه الضعف فيها إلى التحول عن معناه.

       وخلاصة هذا جميعه ، أننا نستطيع أن نؤمن بصدق الشاعر فى فنه دون أن نكلفه صحة الواقعة وصحة الصناعة ، بل لعله يُرفع إلى مقام الإمامة بين شركائه في الطريقة والمزاج ، لأنه بصدقه الفنى فى التعبير وراء تمحيص الخبر أو تمحيص الصناعة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *