فى مدينة العـقاد ـــ شاعر الغزل عمر بن أبى ربيعة (11)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

    ويعرض الأستاذ العقاد مثالاً أو نموذجًا من أجود شعر ابن أبى ربيعة ، والتى عدت من روائعه التى جرت مجرى الأمثال ، قبل أن يقارنها بغيرها مما بدا فيه على الشاعر الجهد والإعياء في تقويم « البيت » والوصول به إلى القافية .

    ومن هذه الروائع التى يستشهد بها ، وجرت مجرى الأمثال ، قوله في بيان أقصى مدى           لحب :

حبكم يا آل ليلى قاتلى                ظهر الحب بجسمى وبطن

ليس حبٌّ فوق ما أحببتكم          غير أن أقتل نفسى أو أجن

    وقوله :

  ليت هندًا أنجزتنا ما تعد         وشفت أنفسنا مما تجد

واستبدت مرة واحدة               إنما العاجز من لا يستبد

    وقوله :

           وذو الشوق القديم وإن تعزى          مشوق حين يبقى العاشقينا

وله وصف حسن كما قال :

أبت الروادف والثدى لقمصها   مس البطون وأن تمس ظهورا

ووصف جوادًا مجهدًا فأبدع حيث قال :

تشكى الكميت الجرى لما جهدته         وبين لو يستطيع أن يتكلما

    إلا أن الأكثر من شعره يبدو عليه الجهد والإعياء في تقويم البيت والوصول به إلى القافية ، وأمثلة ذلك كثيرة منها :

فقامت ولم تفعل ونامت فلم تطق                 فقلت لها قومى فقالت ولَم لَم

تبن غير أن قد أومات فعهدتها                  كشارب مكنون الشراب المختم

    فهو يكرر « لم » لغير موجب غير التخلص من حرج القافية ، وفرق بينها وبين الفعل الذى تنفيه في بيتين وهو لا يساغ .

   ومنها :

مرحبًا ثم مرحبًا بالتى قا                لت غداة الوداع يوم الرحيل

للثريا قولى له انت همى                ومنى النفس خاليًا والجليل

    أى وأقسم بالجليل ، واضطراره هنا ظاهر لإتمام البيت ، فضلاً عن وصل البيتين .

ومنها :

ألم تعلمى أنى ، فهل ذاك نافع          لديك وما أخفى من الوجد أفضل

أرى مستقيم الطرف ما أم نحوكم                فإن أم طرفى غيركم فهو أحول

    فهو هنا قد أراد أن يقول « ألم تعلمى أنى أرى مستقيم الطرف إلخ » ، فغلبه النظم وجاء بذلك الكلام المعترض الذى كان يحسن أن يتأخر أو يتقدم .

    وقلما تعرف له قصيدة ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ لا يضطر فيها إلى تحويل الضمير من المؤنث إلى الجمع ومن المخاطب إلى الغائب في البيت الواحد ، لضرورة الوزن ليس إلا .. كما قال :

يا سُكن حُبك إذ كلفت بحبكم           عرضًا أراه ورب مكة ممرضى

أو كما قال :

يا ربة البغلة الشهباء هل لكم          أن ترحمى عمرًا لا ترهقى حججًا

     وذلك فى شعره كثيرً جدًّا لا فائدة من إحصائه .

    وهو يخطئ قواعد اللغة لضرورة الوزن والقافية كما قال :

من ذا « يلمنى » إن بكيت صبابة     أو نحت صبًّا بالفؤاد المنضج

   ومن هنا لا تجزم يلوم .

 

   أو كما قال :

فقلت لهم كيف الثريا هُبلتم     فقالوا ستدرى ما مكرنا وتعلما

    ويبدو للأستاذ العقاد أن ضعف صناعته الشعرية ، ناجم عن ضعف اطلاعه على شعر المجيدين ، إلاَّ ما كان يسمعه ويسمعه غيره من شعراء زمانه .

    وربما كان ينجو من بعض هذا الضعف في الصناعة ، لو وفَّرَ لنفسه حظها من الإطلاع والرواية .

    وهنا يستشهد الأستاذ العقاد بما رواه « عثمان بن إبراهيم الخاطى » . قال :

    « أتيت عمر بن أبى ربيعة بعد أن نسك بسنين وهو فى مجلس قومه من بنى مخزوم ، فانتظرت حتى تفرق القوم ثم دنوت منه ومعي صاحب لى ظريف ، وكان قد قال لى : تعال حتى نهيجه على ذكر الغزل فننظر هل بقى في نفسه منه شىء ؟ فقال له صاحبى : يا أبا الخطاب أكرمك الله . لقد أحسن العذرى وأجاد فيما قال . فنظر عمر إليه ثم سأله : وماذا قال؟ فأنشده:

لو جُذّ بالسيف رأسى في مودتها                  لمرّ يهوى سريعًا نحوها راسى

    فارتاح عمر إلى البيت وقال : هاه ! لقد أجاد وأحسن … فقلت : ولله در جنادة العذرى . فقال عمر حيث يقول ماذا ويحك ؟ فأنشدته :

سرت لعينك سلمى بعد مغفاها                   فبت مستنبهًا من بعد مسراها

وقلت أهلاً وسهلاً من هداك لنا         إن كنت تمثالها أو كنت إياها

من حبها أتمنى أن يلاقينى             من نحو بلدتها ناع فينعاها

كيما أقول فراق لا لقاء له               وتضمر النفس يأسًا ثم تسلاها

ولو تموت لراعتنى وقلت ألا            يا بؤس للموت ليت الموت أبقاها

   فضحك عمر ثم قال : وأبيك لقد أحسن وأجاد وما أبقى …..  »

    وعلى ذلك فقد كان قمينًا أن يكثر من الإجادة لو أكثر من الاستجادة ، وأن يقوّم من صناعته لو نظر فى صناعات المقتدرين من صاغة القريض ، بيد أنه وكما يبدو من أخباره كان عاكفًا على نفسه راضيًا بما يصل إلى سمعه في غير ما جهد ولا متابعة

    ومن ثم كان إمام مدرسة ولم يكن إماما في صناعة القصيد.

     على أن مدرسته كانت فذة فى الأدب العربي بأسره ، لأنها مدرسة لا يسهل على العقل أن يتخيل نظيرها كثرة وشيوعًا في غير الحجاز وفي غير تلك الآونة.

    فابن أبي ربيعة هو ابن الحجاز، وابن العصر، وابن البيئة التى ترجمها، فأحسن الترجمة، ثم عاش بهذه المزية بين شعراء العربية .

*           *          *

    على أن هناك  من النقاد من يرى أن الشاعر قد أبدع فن القصة المنظومة أو أكثر منها إكثارا لم يُعْرف فى شاعر قبله . وهذا في رأى الأستاذ العقاد صحيح إذا كان المراد هو الإكثار دون الإبداع والاختراع ، وإذا كان المراد هو « الحوار القصصى »  دون القصة بمعناها الشامل الوافى ولو كانت أقصوصة وجيزة.

    فما لوحظ له هو من فن « الحديث المنظوم » ، وليس من فن القصة كما يتخيلها المطبوعون عليها. ولا نزاع فى قدرة ابن أبي ربيعة على الحديث المنظوم ، فهو فى هذا الجانب من صناعته قليل النظير.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *