رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

rattia2@hotmail.com

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

      كان عمر بن أبى ربيعة ، هو وحده الشاعر المكثر بين الوادعين المترفين من أهل زمانه ، وكان مكانه فى طبقته يتيح له ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ أن ينقل عنها وتنقل عنه ، ويسمع منها وتسمع عنه ، وتختلط به من باب المصاحبة والمساواة .

      كان فى القمة من بيوت قريش غنىً وجاهًا وحسبًا ، وكان همّه بمن يساوينه فى الطبقة من بنات تلك البيوت .

     وحسانه اللاتى اشتهر بالحديث عنهن وأحب أن يتسم بحبهن ، كلهن من ذوات الحسب والثراء ، ومن طبقة محدودة لها ذوقها الخاص .

    فعائشة بنت طلحة التى أراده زوجها مصعب بن الزبير أن يتحدث فى شعره عنها ، هى بنت طلحة بن عبيد الله ، وحفيدة أبى بكر الصديق من ناحية أمها ، وصاحبة شهرة مستفيضة .

     والثريا ـ ولعلها أحظى الحسان عنده ـ هى بنت على بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر بن عبد شمس ، وصاحبة حظ موفور من المال والدور والرياض .

     والسيدتان سكينة بنت الحسين وفاطمة بنت عبد الملك بن مروان ـ لهما فى النسب والثراء مكان لا يعلوه فى زمانهما مكان ، ويلحق بهما من قريب أو بعيد حسان أخريات من كبار البيوتات  .

      فلا عجب إذن أن ينفرد عمر بحديثه المنظوم عن هذه الطبقة ، فهو شاعرها الذى اجتمعت له الأسباب .

      ولا عجب إذن يكون ديوانه كله ـ إلاَّ القليل ـ فى الغزل ورسائل الغرام .

     ومن تمام العلم بالترف الذى كان مهتمًا بوصفه ، أنه فى الجملة ترف ساذج لا يخلو من مسحة البداوة .

      ومن صفاته كان عمر شاعر عصره وشاعر طبقته وشاعر طريقته فى الغزل .

 

طبيعة غزله

 

     كانت العلاقة بين الرجل والمرأة فى قبائل العرب البادية على سنة الفطرة ، ولكنها لم تكن على حالة واحدة . قد تغلب عليها القوة أو الضعف ، وقد توصف بالشدة كما توصف بالسهولة واللين ، وقد تظل على البساطة وقد يعرض لها بعض التركيب أو التعقيد .

     ففى البداوة الأولى كانت مناعة الحوزة هى الفضيلة العليا ، لأنها غاية ما يتمناه البدوى فى كفاح العيش ليضمن بقاءه بين المنافسين والمغيرين .

     فالقبيلة الشريفة هى التى تمنع ماءها ومرعاها وتذود عن حياضها وجيرتها .

     والسيد الشريف هو الذى لا يُستخف بجواره ولا يُعتدى على ذماره .

     والمرأة الشريفة هى التى يصعب منالها ولا يسلس قياده .

      فالعفة هنا ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ هى فضيلة « حربية » تابعة للفضائل العامة التى تغلب على أحوال القبيلة برمتها  .

*         *         *

     وإذا نظرنا للمرأة من حيث هى عرض الرجل الذى يحميه ويغار عليه ـ فلا جرم يصبح اللغط باسم المرأة إهانة لها وللرجل الذى يحميها .

       ثم يجىء سلطان الدين فيضيف إلى حصانة البداوة مناعةً إلى مناعة ، ويزيد حق أولياء النساء فى حماية أسمائهن والمطالبة بعقاب من يغازلهن ويلغط بذكرهن .

      بيد أن الأدب البدوى يدركه أحيانًا ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ عرض من أعراض التغير أو الانحلال ، لجدب شديد يحطم قيوده ، أو لترف تنغمس فيه القبيلة فتلين بعد جفاء
وصلابة ، أو لقلة الحاجة إلى القتال ونخوة العداء التى تجعل المناعة فضيلة الفضائل ، أو لما يحدثه النعيم من حب الدعابة والسخر بالجلافة .

    هنالك ترى من سهولة الغزل ما تستغرب أن تراه فى حاضرة من حواضر العصر
 الحديث .

     وهنا يورد الأستاذ العقاد قصة طويلة ينقلها بصبر وبتصرف يسير عن أبى الفرج الأصفهانى فى ترجمته ليزيد بن الطثرية ، ويقفى بعدها ما يراه أعجب من  قصة الأصفهانى فى استباحة الغزل أو استحسانه ـ ويقفى بما رواه عن ياقوت الحموى في مادة « رباط » من معجم البلدان .

    لينتهى إلى أن الملحوظ مما قدمه ، أن خفض العيش وقلة الحاجة إلى نخوة القتال ـ لهما اتصال بما شوهد من سهولة الغزل بين القبائل العربية ، ولهذا كان أكثره إلى سلالات اليمن الذى عرف منذ القدم « باليمن السعيد » لخفض عيشه ورقة أخلاقه .

    ويرى الأستاذ العقاد أن البادية أقرب إلى الغزل ـ متى قل وازع الصولة أو سطوة الدين ـ من أهل الحاضرة ، خلافًا لما يرد إلى الظن من أول وهلة .

       لأن أهل البادية أقرب إلى غرائز الأحياء الفطرية فيما يعالجونه ، ولأنهم كذلك أوفر نصيبًا من الفراغ ، وأدنى إلى اللقاء ، وأقل من أهل المدن الكبيرة أندية وملاعب للرياضة العامة يقضون فيها سويعات الراحة والبطالة .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *