رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

rattia2@hotmail.com

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

محمود سامى البارودى

                 

    نحن نعرف في عصرنا الحاضر ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ نعرف شيئًا عن علاقة الشعر بالأدب وعلاقة الأدب بظاهرة الفنون الجميلة في الحياة الإنسانية ، وولع النفس بترجمة السريرة والكون فى قوالب جمالية محسوسة ، ونعرف أن الشعر مقترن بالحياة منذ وجدت فى الإنسان الناطق ، وأن له أصلاً سابقًا ـ فيما يرى ـ على الإنسان ، لعلنا نرى دلائله ومعانيه فى أهون الأحياء .

    ومن أجل هذا نحس للشعر أفقًا أوسع وأغوارًا أعمق وغاية أقصى وأشرف ، ومصدرًا أقدم وأبعد من تلك التى كانوا يحسونها للشعر فى الجيل الغابر ، وننتفع بهذه المعرفة فى اختيار موضوعات الشعر كما ننتفع بها في تقديره ونقده ، وتقدير شأنه وشأن قائليه .

    وعند الأستاذ العقاد أن البارودى لو كان يعرف « تعريف الشعر» من حيث دراسة الفنون الجميلة ودراسة المعانى النفسية ـ لحطم قيود التقليد كلها واسترسل فى حرية القول واستقلال الشخصية إلى غاية أبعد وأسمى .

    إن التعريف دليل على الفهم والفهم معين على الإجادة . فإذا كان الفاهم مبتكرًا مطبوعًا على القول ـ فإن ذلك أعون لابتكاره وطبعه وتسديد بصيرته .

   قال البارودى فى مقدمة ديوانه : « إن الشعر لمعة خيالية يتألق وميضها فى سماوة الفكر فتبعث أشعتها إلى صحيفة القلب فيفيض بلألائها نورا يتصل خيطه بأسلة اللسان ، فينفث بألوان من الحكمة ينبلج بها الحالك ويهتدى بدليلها السالك ، وخير الكلام ما ائتلفت ألفاظه وائتلفت معانيه ، وكان قريب المأخذ بعيد المرمى سليما من وصمة التكلف بريئًا من عشوة التعسف ، غنيًا عن مراجعة الفكر . فهذه صفة الشعر الجيد فمن آتاه الله منه حظًا وكان كريم الشمائل طاهر النفس فقد ملك أعنة القلوب . ونال مودة النفوس وصار بين قومه كالغرة فى الجواد الأدهم والبدر فى الظلام الأبهم ، ولو لم يكن من حسنات الشعر الحكيم إلاَّ تهذيب النفوس وتدريب الأفهام وتنبيه الخواطر إلى مكارم الأخلاق ، لكان قد بلغ الغاية التى ليس وراءها مسرح وارتبأ الصهوة التى ليس دونها لذى همة مطمح . ومن عجائبه تنافس الناس فيه وتغاير الطباع عليه . وصغو الأسماع إليه . كأنما هو محوق من كل نفس أو مطبوع فى كل قلب ، فإنك ترى الأمم على اختلاف ألسنتهم وتباين أخلاقهم وتعدد مشاربهم ، لهجين به عاكفين عليه ، لا يخلو منه جيل دون جيل ، ولا يختص به قبيل دون قبيل ، ولا غرو فإنه معرض الصفات ومتجر الكمالات … » .

وقال البارودى فى مدح الشعر نظما :

للشعر فى الدهر حكم لا يغيره                ما بالحوادث من نقض وتغيير

يسمو بقوم ويهوى آخرون به               كالدهر يجرى بميسور ومعسور

لـه أوابـد لا تـــنـفـــك ســائـرة                       فى الأرض ما بين إدلاج وتهجير

مـــن كل عائــرة تسـتن فى طــلق          يغتـــال بالبهر أنفــاس المحـاضير

تجرى مع الشمس فى     تيار كهربة           على إطـــار من الأضــواء مسعــور

تطارد البرق إن مرت وتـــــــتركه           فى جوشن من حبيك المزن مزرور

صحـــــائف لم تزل تتلى بألسنة             للدهر فى كل ناد منه معــــمور

يزهى بها كل سام فى أرومته                ويتقى البأس منهما كل مغمور

فكم بها رسخت أركان مملكة                 وكم بها خمدت أنفاس مغرور

والشـــعـر ديوان أخــلاق يلوح بــه                  ما خـــطه الفكر من بحث وتنقــير

كم شاد مجدًا وكم أودى بمنقبة              رفـعــًا وخــفـضًــا بمرجـو ومحـذور

أبقى زهــيـر به مــا شـــاده هــــرم                  مـــن الفــخـــر حــديــثًا جــد مــأثــور

وفل جــرول غــرب الــزبرقان بــه          غــباء مـنه بصـدع غــير مجــبـور

أخزى جرير به حى النمـير فما              عادوا بغـــير حــديــث منه مشهـــور

ولولا أبو الطيب المأثور منطقه              ما سار فى الدهر يومًا ذكر كافور

  ونرى كما يبدو من هذه القصيدة ومن مقدمة الديوان ـ أن الشعر عند البارودى هو وسيلة الحث على مكارم الأخلاق وإرادة القوة والغلبة لقائلة وخلود الذكر بعد موته .

   والشعر قد يخلد وقد يوحى بالمكارم وقد يوحى بغيرها ، وقد يصف العظماء أو يصف الطلول ، ولكنه فى جوهره شىء غير هذه الأشياء وله مقصد غير هذه المقاصد . ومن ثم ليست هذه المقاصد هى التى أنشأته ودعت إليه ، مثلما لم تنشىء ألحان الموسيقى وحركة الراقص وما إلى هذه المعانى من تعبيرات الجمال .

   إلاَّ أن البارودى جرى ـ فيما يشير الأستاذ العقاد ـ على قول أبى تمام حين قال :

ولم أر كالمعروف تدعى حقوقه              مغارم فى الأقـــوام  وهى مغــانم

ولا كالعلاما لم ير الشعر بينها               فكــالأرض غـــفــلاً لـيس فيها معالم

ولو خلال سنها الشعر ما درى               بغاة الندى من أين تؤتى المكارم

    وتلك طريقة القدماء بعامة فى تعظيم الشعر والإشادة بفضله على قائله وعلى من قيل
فيه .  

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *