فى مدينة العـقاد (914) – شعراء مصر – وبيئاتهم فى الجيل الماضى (14)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

محمود سامى البارودى

  

      وأسلوب البارودى فى الصياغة ، شاهدٌ على أنه قرأ المئات من قصائد الجاهليين والمخضرمين ، وفحول المحدثين ،  ومختاراته فيما يقول الأستاذ العقاد ـ التى جمع فيها نخب العباسيين ، مختارات قارئ مستقصٍ لما فى دواوين أولئك الشعراء من أبواب .

      ويقال إنه كان صاحب الدعوة الأولى لجمع أسفار المكتبة المصرية الكبرى ، لولعه بالدراسة وكثرة ما عرف من آثار القدماء .

     وسرى ولعه بالدراسة إلى اللغات الشرقية الأخرى التى كان يحسنها ، فاطلع على محاسن الفرس والترك ونظم ونثر فى اللغتين الفارسية والتركية . وفى السبعة عشر عامًا التى قضاها فى المنفى تعلم اللغة الإنجليزية وبرع فيها قراءةً وكتابةً وترجم منها  .

   وعلى ذلك فالبارودى فضلاً عن كونه إمام المطبوعين ، كان من أكبر الدارسين للأدب .

    ومن نظمه فى الطبائع الآدمية الأربع :  

إن ابن آدم ذو طبائع أربع             مجموعة الأجزاء فى أخلاقه

تبدو فواعلها على حركاته             فى بطشه وسكونه ، ونزاقه    

فإذا تغلب واحد منها على              أقرانه أدى إلى إقلاقه   

بينا تراه كالزلال لطافة                 ألفيته كالنار فى إحراقه

 

       وليس فى سيرة البارودى ـ فيما يذكر الأستاذ العقاد ـ ما ينبئ عن اتجاهه الأول إلى معالجة النظم وقراءة الشعر والأدب ، أو يشير إلى حوادث فى صباه تدل على هذا الاتجاه وهو طالب حرب وفنون عسكرية وليس بطالب لغة أو دراسة أدبية .

     وقد يكون الباعث له على حب الشعر وراثة بعيدة أو قريبة ـ فقد قال :

أنا فى الشــعر عريق                لم أرثْه عن كلالة

كان إبراهيم خالـــى                           فيه مشهور المقالة

     على أن الولع بالشعر لم يكن غريبًا عن طالب المدرسة الحربية ، إذ كانت الفروسية قرينة الشعر ، وقد كان اسم عنترة بن شداد وأبى فراس الحمدانى من أشهر الأسماء بين الفرسان الشعراء . وكان أبناء الشعب وأبناء السراة يسمعون فى المقاهى والمنتديات حديث الزير سالم وأبى زيد الهلالى وسيف بن ذى يزن ، وكلهم فرسان مغاوير .

     وربما كانت المدرسة الحربية يومئذ ـ فيما يضيف الأستاذ العقاد ـ من أسباب اتجاهه إلى النظم والقراءة الأدبية .. وربما بدأ يحفظ أبيات فقال فى النخوة  والتحدى فتهتز نفسـه للنظـم على وتيرتها ، فإذا هو ينظم ويستسهل النظم  ويهتدى إلى ما لديه من ملكة ومـن قـدرة لغويـة .

     والذى لا شك فيه ـ ما فُطر عليه من سليقة شعرية لا تحتاج إلى كثير من الشحذ .

     وقد حكى البارودى شعر البداوة ، وأفرط فى المحاكاة حتى ذكر الرسوم والأطلال والرعيان والقبائل ، كما فى قصيدته اللامية :

ألا حى من أسماء رسم المنازل              وإن هى لم ترجع بيانا لسائل

خلاء تعفتها الروامس والتقت               عليها اهاضيب الغيوم الحوافل  

فلأيا عرفت الدار بعد ترسم                  أرانى بها ما كان بالأمس شاغلى

عدت وهى مرعى للظبا وطالما              عنت وهى مأوى للحسان العقائل

 

    إلى آخر ما جاء بالقصيدة .. وكلها ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ علـى هـذا النسيـج المحكم والإجادة البالغة فى معارضته الأقدمين ، إلاَّ قليلاً من الهفوات التى قد تدل على تاريخ التقليد .

    بيد أن المعارضة على هذا النسق ـ فيما يضيف ـ هى أعرق فى البداوة من البداوة ، أو هى محاكاة مطبوعة ليس فيها من التقليد إلاَّ الرغبة فيه ، مثلما يفعل الممثل القدير .

      فالبارودى  فنان خالق فى إتباعه كما يكون المرء فنانًا خالقًا فى ابتداعه .. وفرق بين هذا التقليد وتقليد العاجز المتكلف .

      ولهذا بزغت مقومات « الشخصية » البارودية من وراء حجب الأوضاع وأعباء العرف والاصطلاح ، ومن ثم عُرف الرجل من شعره على صورة كالتى عرفه بها الأستاذ العقاد فى سيرته وأخباره ، أو كما قال :

         فانظر لقولى تجد نفسى مصورة                                                                                                                                                                     فى صفحتيه فقول خط تمثالى

    وعلى هذه المزية الملموسة من مزايا هذه الشاعرية ، يمضى الأستاذ العقاد فى تتبعها ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *