فى مدينة العـقاد (913) – شعراء مصر – وبيئاتهم فى الجيل الماضى (13)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

محمود سامى البارودى

المتوفى سنة 1904

                             

      أخذ محمود سامى البارودى مساحة خاصة ، وعناية أخص ، بالكتاب ، وقد مَرَّ بنا  حين حديث الأستاذ العقاد عن شاعر النيل حافظ إبراهيم ، ما يحمله لكل منهما من تقدير خاص ، وما عقده بينهما من مقارنات أو موافقات ، ولكنه يتحدث هنا عن البارودى إمام الشعراء فى هذا الطور الحديث ، وصاحب الفضل الأول فى تجديد أسلوب الشعر وإنقاذه من الصناعة والتكلف العقيم ، ورده إلى صدق الفطرة وسلامة التعبير .

     فى الانتقال من دور الركود والجمود فى الشعر ، إلى دور النهضة والإجادة ، أربع مراحل ـ أو درجات ـ متواليات .

     «  أولها »     دور التقليد الضعيف أو التقليد للتقليد .

     « وثانيها »  دور التقليد المحكم أو التقليد الذى للمقلد فيه شىء من الفضل والقدرة .

     « وثالثها »  الابتكار الناشئ من شعور بالحرية القومية .

     « ورابعها »  الابتكار الناشئ من استقلال الشخصية أو الشعور بالحرية الفردية .

   

     على أنه لا توجد حدود حاسمة تمنع الاختلاط تمامًا بين كل مرحلة وأخرى ، سواء من الناحية المادية أم الأنحاء النفسية  .

        فقد ترى فى المقلد الضعيف نفحة من استقلال الشخصية ربما لا توجد بنفس القدر لدى الشاعر المبتكر فى العصور التى تكتمل فيها الحرية الفردية .

       وقد ترى للشاعر المستقل نزعة إلى المحاكاة تلحقه بمعنى من المعانى بضعاف المقلدين أو بذوى الإتقان والإحكام فى التقليد .

      وإنما تأتى التفرقة بين المراحل ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ علـى التغليـب والترجيـح لا على الحصر والتقييد .

     ومكان البارودى عنده ، من تلك المراحل الأربعة ، يأتى فى الطليعة من مرحلة الابتكار التى يأتى بها الشعور بالحرية القومية . ولكنه يقلد أحيانًا ، ويبتكر أحيانًا .

     على أن له ميزة واضحة لا نظير لها فى تاريخ الأدب المصرى الحديث ، هى أنه وثب بالعبارة الشعرية وثبةً واحدة من طريق الضعف والركاكة إلى طريق الصحة والمكانة ، وأوشك أن يرتفع ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ هذا الارتفاع بلا تدرج ولا تمهيد ؛ وكأنه القمة الشاهقة التى تنبت فى  متون الطود عما قبلها .

     ولا يكاد يوجد قمة تساميه أو تدانيه فى الخمسمائة سنة السابقة على عصره .

     على أن الإشارة إلى ارتفاعه بلا تدرج ولا تمهيد ؛ لا تنفى التدرج والتمهيد كلية ، ففى الصورة اسم « الساعاتى » المتقدم على « البارودى » بزمن وجيز ،  ودوره واضح فى الانتقال من التقليد والمقلدين العروضيين ، إلى المستقلين المطبوعين .

       فقد يظهر الشاعر العظيم وقبله خواء وبعده خواء ، وقد يظهر وبعده أناس أقل منه وأقرب إلى من ظهروا قبله ، إلاّ فى الأدب المصرى العربى الحديث ، فإنه يشبه العلوم والصناعات من بعض خصائصه فى الحاجة إلى التدرج والتمهيد ، لأن اللغة العربية الفصحى ـ وهى أداتـه ـ لا تسلس للشاعر بغير دراسة واتصال بحركة التقدم فى العلم والحضارة .

      فالتمهيد فى مراحل الإجادة الشعرية ضرورى لازم كالتمهيد فى مراحل العلم والصناعة.

      ولم يكن قبل البارودى من هو أمتن منه .

      وأيضًا لم يكن قبل الساعاتى من هو أمتن منه .

      على أن هذه ليست قاعدة مطردة ، فقد جاء أبو تمام بعد أبى نواس ، وجاء ابن الرومى بعد أبى تمام ، وجاء المتنبى بعد ابن الرومى ، وجاء المعرى بعد المتنبى ، ومع ذلك فإن المناظرة بينهم ليست مناظرة ترتيب وصعود فى الدرجات .

      ومن هنا تبدو صعوبة التجديد فيما كان يعانيه أدباء الجيل الغابر . فإن أحدًا منهم لم يكن ليستغنى عن تمهيد ما قبله ودرجات من سبقوه .

    وعلى الرغم من ضرورة هذا التمهيد ولزومه ، فإن وثبة البارودى ـ هذا الإمام القدير ـ توشك أن تنسينا ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ ما تقدمها من التدرج والتمهيد لظهورها .

     وقد قال الأستاذ حسين المرصفى فى كتابه الوسيلة الأدبية ، كما مرّ بنا ، إن محمود سامى البارودى لم يقرأ كتابًا من فنون العربية ـ بيد أنه عندما بلغ سن التعقل وجد فى طبعه ميلاً إلى قراءة الشعر وعمله ، حتى تصور فى برهة يسيرة هيأت التراكيب العربية ، فصار يقـرأ وهـو لا يكاد يلحن .

     والأستاذ المرصفى لا يعنى بهذا إلاَّ أن البارودى لم يتعلم النحو والصرف والبلاغة والعروض ، ولم ينظم الشعر لأنه تعلم العروض ، ولكنه تعلق بالشعر عن هوى وسليقة ، وأتقن أوزانه ونغماته بموسيقية مطبوعة المطبوعين فى العصر الحديث .       

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *