فى مدينة العـقاد (911) – شعراء مصر – وبيئاتهم فى الجيل الماضى (11)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

 

على الليثى

المتوفى سنة 1896

 

      لم تكن الأندية الخاصة التى يغشاها العِلْيَة ، شائعة بالقاهرة فى القرن قبل الماضى ، ولم يكن فيها نادٍ يشترك فيه الوزراء ورؤساء الدواوين والأثرياء ، وإنما كانت هناك المنادر ( جمع مندرة ) والمجالس فى البيوتات الكبيرة هى قبلة الزوار والقصّاد من هؤلاء وأولاء ، كمجالس الخلفاء أو الأمراء فى الزمن القديم ، يختلف إليها العالِم والشاعر والنديم وطلاب الحاجات والمزدلفون إلى القوة والثروة .

      والمنادمة صناعة تحتاج إلى صناعات .. فلابد للنديم من العلم فى حين ومن الرأى فى حين ، ومن اللهو والفكاهة فى حين آخر ، ومن الكياسة والظرف فى جميع الأحيان .

      وإذا جاز بين الظرفاء والأنداد أن يخطئ النديم ، فليس ذلك مما يجوز لنديم الأمراء والرؤساء أصحاب الأمر والنهى والثواب والعقاب والتصويب والتخطئة كما يحبون .

       بل الواجب على النديم أن يتحسب لما قد يظنونه خطأً فلا يقع فيه ، وأن يعرف
كيف يردهم ـ بلطفه وكياسته وازدلافه ـ عن غضبهم إذا غضبوا أو الاعتقاد بصواب ما يقوله .

      هذا وليس الإضحاك بميسور للنديم فى جميع أحواله ، فقد يفتر طبعه أو يخبو ذهنه فى ساعة ، وقد يفهم النكتة على وجه خلاف سامعيه . ومن ثم فلا غنى له عن رياضة الناس على سماع نكاته واستحسانها  .

      فالمنادمة على لطفها ورقتها ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ صناعة عسيرة شاقة لا يحذقها النديم إلاَّ بعد مراسٍ طويل .

*         *         *

     ويرى الأستاذ العقاد أن الشيخ « على الليثى » يمثل مدرسة الندماء ، وأنه ارتقى فيها حتى كان ينادم الخديوى إسماعيل والخديوى توفيق ، وبقى من نوادره ودعاباته ما يذكره المتأدبون والمعنيّون بأخبار القصور .  

     قال يواسى نفسه أو يواسى الخديوى توفيق بعد فشل الثورة العرابية :

كل حال لضده يتحول                       فالزم الصبر إذ عليه المعول

يا فؤادى استرح فما الشأن إلآَّ            ما به مظهر القضاء تنزل

رب ساع لحتفه وهو ممن                ظن بالسعى للعلا يتوصل 

   ونستطيع أن نفهم من هذه الأبيات وما تلاها عن الثائرين ، أنه كان ممن حملوا المسئولية على الثورة العرابية !

وقال معزّيا فى محمود باشا الفلكى :

أرى النيازك عن سام من الفلك      مذعورة أصبحت تصبو إلى الدرك

كالطير فاجأها البازى وأذهلها         فحاكت البرق وانقضت عن الحبك

   إلى أن يقول :

أليس نسر سماء العلم قد علقت      كف المنون به فإنجاز فى الشرك 

الصبر يا نفس ، واستبقى منايحه   أو فالتصبر أن تبغى الهدى فلك

حل القضاء وناعى المجد أرخنا      « قد مات محمود باشا الفلكى »

وهذه القصيدة لم تنظم ارتجالاً فيما يرى الأستاذ العقاد ؛ أو فيما تستدعيه مناسبات المجالس كما يغلب على أشعار الندماء ، إنما تلمح عليها ما يبدو أحيانًا من الولع بتسجيل المناسبات .

   وقد كان كثيرًا ما يطلب من النديم أن يبادر إلى القول فيما يقع بين يدى مولاه من الطرائف والنوادر .

   ولا ريب فإن الكبير الذى اقترح القول ـ يطربه أن يرى فى حضرته شاعرًا عظيمًا كالشعراء العظام الذين كانوا يزينون مجالس الخلفاء والأمراء . وكان مقياس العظمة الشعرية عندهم ، أن يرتجل الشاعر ولا ينسى شيئًا مما يقتضيه المقام . 

   ويغلب هذا الطابع ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ يغلب على شعر الندماء حتى كانوا يلتزمونه فى غير ما يقال على البديهة أو يقال فى حضرة الكبراء .

   ويتمثل الأستاذ العقاد ببعض أبيات نظمها الشيخ على الليثى فى وصف زيارة سائحة أمريكية زارته فى ضيعته بالصف .

   ويخيل إلى من يقرأها ـ وأمثالها ـ أنها إنما نظمت لغرض واحد أن تثبت لقائلها قدرة النظم وتنفى عنه مظنة الاستعارة والاقتباس .

وهذا « الطابع » فى شعر الندماء خاصة ، وفى شعر معاصريهم بعامة ، يدل على حالة النقد والذوق الأدبى فى زمانهم ، كما يدل على طريقتهم ودواعى النظم عندهم .

   وكان الشيخ على الليثى أقرب إلى العصر الحديث ، وطابع المنادمة أظهر عليه وعلى نظمه من زملائه فى هذه المدرسة ، ولهذا اختاره الأستاذ العقاد لتمثيلها دون غيره مما نبغوا فيها كالسيد على أبى النصر المنفلوطى الذى توفى قبلة ببضع عشرة سنه . وهما يتقاربان فى كثير من المزايا والخصال ، وفى الحظوة لدى الأمراء والكبراء .

   وكلاهما ـ فيما يضيف ـ لم يفرغ للعلم ولا للشعر ، وإنما صرف عنايته الكبرى إلى ابتغاء الحظوة عند الولاة والحكام . وقد مر بنا توعد الشيخ على الليثى بلعن من يقدم على طبع ديوانه المخطوط .

   ويغلب ـ فيما يرى ـ أن يكون لهوان الشعر عندهما أسباب مشتركة فى النشأة وأغراض المنادمة وخاتمة الحياة . فكلاهما ألهاه الأدب عن إتمام العلم بالجامع الأزهر ، فوقر فى خلدهما أن الطريقين مختلفان . وكلاهما أصاب غنى فى الشيخوخة فرجحت لديه مكانة السرىّ على مكانة النديم ، وهما لم يزنا الشعر بميزان النقد ليعرفا ما فيه من الضعف والنقص .. فقد كان ذلك بعيدًا !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *