فى مدينة العـقاد (910) – شعراء مصر – وبيئاتهم فى الجيل الماضى (10)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

عبد الله النديم

المتوفى سنة 1886

 

     للنديم فى نشأة الأستاذ العقاد حضور واضح تحدث عنه ، نراه في المجلد الأول لمدينة العقاد ، ولكنه هنا يعرض إليه من زاوية الناقد الذى يستطلع أثر البيئة في تكوينه . كان
عبد الله النديم خطيب الثورة العرابية ، وأقرب الأدباء إلى زعيمها ، ولكنه لم يكن شاعرها مع ولعه العظيم بالنظم وطموحه فيه إلى مجاراة المتنبى وأمثاله . قال الأستاذ أحمد سمير الذى ترجم له ـ قال فى صدر مختاراته المعروفة بسلافة النديم :

 

    « اتصل بكثير من المقربين والعظماء كالمغفور له شاهين باشا كنج وغيره من وجوه القطر وأعيانه ، فكانت له لديهم مجالس مشهودة حضرها أفاضل الشعراء والمنشئين ، وناظروه وطارحوه فى أساليب متنوعة وفنون متعددة من النظم والثر فظفر بهم جميعًا حتى كانوا لديه كالراعى لدى جرير أو كالخوارزمى أمام بديع الزمان ، فاعترفوا له بالسبق وهم بين طائع وكاره . أذكر له من ذلك أنه حضر اجتماعًا حافلاً لدى شاهين باشا تحامل عليه فيه كل القوم فاقترح بعضهم عليه إنشاء قصيدة يعارض بها دالية المتنبى المشهورة التى مطلعها :

 

      أقل  فعالى   بله أكثره   مجد                 ودًا الجد فيه نلت أو لم أنل جد

 

     وقيل له إنه لا يتأتى لشاعر أن يعارض قوله فى هذه القصيدة :

     ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى            عدًّوا  له ما  من صداقته بد

 

فغضب النديم وأمسك القلم وأنشأ قصيدته الدالية التى أولها :

     سيوف الثنا تصدأ  ومقولى الغمد             ومن سار فى نصرى تكفله الحمد

  إلى أن قال معارضًا ذلك البيت الذى ظنه المتعنت معجزًا :

     ومن عجب الأيام سهم لها حجا               يعارضه  غر  ويفحمه  وغد

     ومن غرر الأخلاق أن تهدر الدما             لنحفظ أعراض تكفلها   المجد

 

     « وأردفها بخمسة أبيات على شاكلتهما ، ولكن لم يبق غيرهما فى محفوظى لأنى إنما سمعتها منه سماعًا سنة إحدى وثمانين وثمانمائة وألف فأفحم المعارض وأبلس ، ولم يدر كيف يقول  » .

     وفى هذه القصة التى نقلناها بنصها ، يتضح طموح عبد الله النديم إلى الشعر ، كما أن فيها ـ فيما يعقب الأستاذ العقاد ـ بيانًا لمعنى الشعر عند أدباء ذلك العصر وقرائه . فهو عندهم مغالبة لسانية ومساجلة ولباقة منطق وسرعة جواب وارتجال . ودون أن يرجع معظمهم فى تحديهم ومقارناتهم إلى  مقياس صحيح .

      والمحفوظ إلى اليوم من نظم النديم قليل لا يتجاوز مئات الأبيات ، بيد أن مترجمه الأستاذ أحمد سمير فيما يورد الأستاذ العقاد ـ يذكر أن له ديوانين منظومين يشتملان على نحو سبعة آلاف بيت ، ويروى أنه كلفه مرة ثم أخرى بإحضار ديوانين له أحدهما عند المرحوم عبد العزيز بك حافظ ؛ فلما قصده لمس أنه مصاب فى قواه العقلية فأنصرف عنه ، والثانى لدى شخص آخر اعتذر له بأنه ضاع منه ، وأنه عندما أخبر النديم أنبأه فى مكتوبه الثالث إليه ـ بأنه إنما طلبهما ليحرقهما براءة منهما ومن أمثالهما لأن فيهما هجوًا كثيرًا ، وخاتما المكتوب بقوله :
« وقد خلعت تلك الثياب الدنسة ولبست ثوب : « إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا » .

 

       وفى هذه القصة بيان آخر لمكان الشعر فى رأى أبناء ذلك الجيل . فهو عندهم شىء
لا يجمل بالحسيب ولا بالتقى الورع ، وقد قيل إن شاعرًا آخر ـ فيما يذكر الأستاذ العقاد ـ هو الشيخ على الليثى لعن من يطبع ديوانه المخطوط ، لأنه يخشى حسابه على يد الملكين
لا النقاد :

     ويروى عن الإمام الشافعى قوله :

     ولولا الشعر بالعلماء يزرى          لكنت اليوم أشعر من لبيد

 

    وهذا بدوره نظرٌ إلى الشعر من أنه يتسع للدعاية والمجون والابتذال بالمدح والهجاء ،
لا من حيث أنه تعبير عن النفس الإنسانية وعن الحياة .

*       *       *

   فلماذا لم يكن النديم شاعر الثورة العرابية مع طموحه فى الشعر ؟ ألأنه شاعر غير مطبوع أم لأنه ثائر غير مطبوع ؟

      كلا السببين صالحان فى رأى الأستاذ العقاد لتعليل فتوره عن صوغ الشعر فى الثورة أو الحض عليها والخطابة فيها بالقصائد المنظومة .

     فالملاحظ أن الثورات لم يكن لها قط شاعر يحرضها كما يحرضها الخطيب والكتاب ، وإنما قد توحى الثورة إلى الشاعر معانى ثورية ولكنها لا تتخذه أداة لها فى إشعال نيرانها أو  الكلام بلسانها . وهكذا كان شأن كبار الشعراء أو الشعراء النابهين الذين ظهروا إبان القلاقل السياسية وما يشبهها .

من ذلك أن الشاعر الإنجليزى العظيم  « جون ميلتون » ، قد ظهر إبان قلاقل الثورة الإنجليزية وصاحب زعيمها « كروميل » ـ إلاَّ أنه انقطع عن الشعر طوال السنوات التى اشتغل فيها بسياسة قومه وإصلاح عيوب المجتمع في عصره .

ولا يعنى هذا أن الثورة لم تؤثر فيه ، فهذا الأثر واضح فى صياغته لحوار الشيطان وأصحابه فى الجحيم في قصيدة « ميلتون » المشهورة عن « الفردوس المفقود » .. فلم يكن ذلك إلاَّ أثرًا نفيسًّا من آثار العراك السياسى الذى صرفه عن الشعر نحو عشرين سنه .

     ومثل هذا يرد على دانتى وماتزينى وكار دوتشى  الذين عاشوا إبان القلاقل والثورات القديمة والحديثة في إيطاليا . ويرد ذلك أيضًا على فكتور هوجر أنبه الشعراء الفرنسيين
 ذكرًا . فهم قد استوحوا من القلاقل والثورات خيالاً يمثلونه فى صورة من صور التمرد الشعرية أو ترجمة من تراجم الحالات النفسية ، ولكنهم لم يجعلوا الشعر خطابة تدور على موضوعات الثورة إلاَّ فيما ندر .

   وأرجو ألاَّ يرد إلى ذهن القارئ أن الأستاذ العقاد يقارن بذلك بين عبد الله النديم وبين هؤلاء الشعراء العظام ، وإنما هو أراد أن يدلل على أن الثورات لها خطباء كبار ليس لها شعراء كبار.

     ولقد كان عبد الله النديم خطيبًا مطبوعًا ومحدثًا ظريفًا ، وكان إذا كتب فكأنما يرتجل الخطابة لسهولة منحاه وتدفق كلامه وتناسق عباراته ، إلاَّ حينما يكتب الخطب المنبرية أو المقامات المصنوعة ، فتلك لم تكن من عمل الفطرة والارتجال ، وللنديم من فصوله المطبوعة أو خطبه المكتوبة ـ فصل عن الخطابة بسط فيه رأيه .

   يقول الأستاذ العقاد :  

    « وإلى جانب هذا الأسلوب الخطابى المرسل أسلوب آخر فى الخطب المنبرية ومقدمات الكتب والرسائل المصنوعة لا يخالف ما جرى عليه العرف فى زمانه ، فهو فى هذا الأسلوب صانع وهو فى النظم كذلك صانع ، وتلفيقاته فى النظم وفى النثر المصنوع على حد سواء ، ولما يتعمده من محسنات البديع وجناساته وتنميقاته . كما قال مثلا من قصيدة غزلية :

     سلوه عن الأرواح فهى ملاعبه               وكفوا إذا سل المهند حاجبه

     وعودوا إذا نامت أراقم شعره                          وولوا إذا ديت إليكم عقاربه

     ولا تذكروا الأشباح بالله عنده                فلو أتلف الأرواح من ذا يحاسبه

    وصاحب مثل هذا النظم لا يُسْلَك فى عداد الشعراء ، إلاَّ لأنه نموذج من نماذج زمانه ، ومعرض لتقرير الحقيقة في أمر الخطابة والشعر أيام الثورات السياسية وما شابهها من الثورات الاجتماعية .

      ولكنك لا تستطيع أن تنكر عليه أنه كان أعجب نموذج من نماذج الشخصيات فى تاريخ الأدب المصرى الحديث ، ولا أنك تبحث عن مثيل له بين ذوى الأدوار فى طلائع النهضات فى عالم الأدب والثقافة ، فلا تظفر له بمثيل .

        كان عبد الله النديم ، الأثير لدى الأستاذ العقاد ، حركة لا تهدأ ، ومن رجال العمل ورجال القلم والقرطاس ، وكان يخطب ويكتب وينظم الشعر والزجل ويؤلف الروايات المسرحية التى لها أبطال من فصحاء العرب أو من عامة المصريين ، وهو نموذج يوجد فى بلاد الفطرة ويوجد فى طلائع النهضات ، وليس فى طلائع نهضتنا ـ فيما يختم الأستاذ العقاد ـ ليس فيها مثال آخر من هذا الطراز يضارع عبد الله النديم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *