فى مدينة العـقاد (909) – شعراء مصر – وبيئاتهم فى الجيل الماضى (9)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

عبد الله فكرى

المتوفى سنة 1889

 

      عندما قامت فى القاهرة أمارة حديثة فى أوائل القرن التاسع عشر ، وقامت معها دواوين شتى ، عادت الذكرى ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ بالأدباء من طلاب هذه الوظائف الديوانية ، إلى ما كان مأثورات القاهرة فى عهد صلاح الدين والأيوبيين ، من صيرورة الأدباء قدوة مرموقة لكل موظف أديب متطلع إلى رئاسة الإنشاء وما إليها من الدواوين العالية .

      ونشأ بين وزراء مصر طائفة تشبه وزراء الأيوبيين والعباسيين بعامة من قبلهم فى النشأة والثقافة والمروءة والمكانة . فهم إما معلمون لولاة العهود ، أو كتاب ومشيرون لأصحاب العروش.

      وهؤلاء الأدباء الوزراء أو المتطلعون إلى مناصب الوزارة والرئاسة ، هم الذين أطالوا أيام البقاء لأدب « الرسائل والجناسات والألغاز » إلى أن قضت عليه مدرسة الداعين إلى أدب العربية الأولى ومدرسة الداعين إلى أدب الطبع فى وقت واحد .

      وقد كان عبد الله فكرى علمًا ظاهرًا بين هؤلاء الديوانيين . ولد سنة 1250 هـ/ 1834م، وكان يختم كتبه بخاتم مرقوم فيه الآية « قال إنى عبد الله آتانى الكتاب » لأن جملة حروفها توافق سنة ميلاده الهجرية بحروف الجمل ، وقد كان اتخاذ مثل هذه الشارات على خواتم الكتاب وذوى المناصب معروفًا فى أيام العباسيين ومن حذا حذوهم من الفاطميين والأيوبيين .

      كان مولده بالحجاز لأب مصرى وأم من المورة ، ومات أبوه وهو صغير فكفله بعض عمومته وحفظوه القرآن وألحقوه بالأزهر وألم بعلومه ، وعنى بإتقان اللغة التركية لأنه كان يرشح نفسه لوظائف الحكومة ، وظل يترقى فى أعمال الترجمة حتى بلغ من شأنه أن يصاحب الخديو إسماعيل عند سفره إلى الآستانة ، ثم ندبه الخديو لملاحظة الدروس الشرقية التى كان يتلقاها أنجاله الأمراء توفيق وحسين وحسن ومعهم الأمير إبراهيم أحمد والأمير طوسون سعيد.

      ومن ثم كان عبد الله الفكرى من « الديوانيين » بالتربية والنشأة والممارسة .

      وكان يصنع التواريخ ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ بحروف الجمل فى مطالع القصائد وخواتيمها . فقال فى فتح « سباستيول » وكل مصرع من مطلع القصيدة تاريخ للسنة :

لقد جاء نصر الله وانشرح القلب          لأن بفتح القرم هان لنا الصعب

      قال مؤرخا زواج الأمير حسين كامل :

أرخ لنحــو حســين                         تـزف عين الحيــاة

      وكان يكثر من الجناس فقال فى مدح « أسكار » ملك السويد حين سافر إليها لحضور مؤتمر المستشرقين :

وتلا به أسكار رب سريره                 قولا به لذوى النهى إسـكار

      وقال فى مليح رآه أول الشهر :

وبدر تبدى شاهرا سيف جفنه             فروع أهل الحب من ذلك الشهر

وليلة أبصرنا هلال جبينــه                 علمنا يقينا أنـه غرة الشهـر

      وقال فى قصيدة أرسل بها إلى الشدياق :

تفديك نفس شج عليل آسـى               عز الدواء له وحـار الآسـى

أضناه طول أسـاه حتى أنـه                يحكى لفرط ضناه ذاوى الآس

      « كان يصف الآنية والأزهار ويشبه بالنفائس على طريقة الظرفاء المقتدى بهم فى عصر الأيوبيين وما بعده خلال المنادمات والمطارحات .

      « وله غير المقطوعات والقصائد التى تمثل بها الأستاذ العقاد ـ له أبيات متفرقة فى أغراض التورية والاستخدام تذكر القارئ بأغراض النظم التى كان يطرقها الأدباء الديوانيون وتمادى فيها من جاء بعدهم من المقتدين والمقلدين ، ومنها قصيدته التى يعارض بها لامية ابن مطروح ويقول فى مطلعها :   

غزالى حـلالى فيه الغـزل                   فحرم قربى وفى القلـب حـل !

      « حتى قصائده فى الحكمة ، كانت ألصق بوصايا المتأخرين ونصائحهم منها بالحكم المطبوعة التى كانت تتخلل قصائد الشعراء عقدا فى أدب الجاهلية والمخضرمين وفحول القرنين الثالث والرابع .

      « وربما كانت قصيدة الاعتذار إلى الخديو توفيق ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ خير ما نظم فى اللفظ والمعنى ، ولكنها على ذلك من الأغراض التى تخطر لكل معتذر ينظم أو لا ينظم . فلم يزد عليها من وحى الشاعرية ما يمتاز به طبع الفنان ولهجته فى التعبير » .

      ويشير الأستاذ العقاد إلى أنه لا يتذكر كلامًا منظومًا له استروح فيه نفحة الشاعرية ـ غير أبيات قالها فى المجون . منها :

وهيفاء من آل الفرنج حجـابها             على طالبى معروفها فى الهوى سهل

تعلقتها لا فى هـواها مراقـب               يخاف ولا فيها على عاشـق بخـل

      « فهذه القطعة لها دلالة نفسية ، وعليها صبغة التعبير عن حالة المصرى المسلم الذى أرسل سجيته بلا محاكاة ولا تكلف حتى نطق مزاجه ونطقت عاداته بما ينم على ضميره وخلجات إحساسه فى أمثال هذه المواقف ، ومن هنا نسمت عليها نفحة الشاعرية ، ووضحت عليها الملامح النفسية ، ولكنها كذلك لم تخرج عن أعراض « الشقة المشتركة » بين طبائع الشعراء وغير الشعراء » .

*         *         *

      أما نثره ، فكان له فيه أسلوبان ، أحدهما مرسل يكتب فيه فى الشئون العملية والتقريرات العلمية وتغلب عليه ملاحظة المعنى وتقل فيه الأسجاع والفواصل .

      والأسلوب الآخر فهو الذى يحتفل لتنميقه وتزويقه ولا تفوته فيه سجعة واحدة على طريقة القاضى الفاضل والمقتدين به . وفيه يكثر السجع والجناس والطباق .

      وقد جرى عبد الله فكرى على هذا الأسلوب فى المقامات والألغاز والأوصاف والرسائل وسائر المطالب التى كان « الديوانيون » يحسبونها من مطالب الأدب ومعارض البلاغة .

      وعلى ذلك فالمدرسة التى مثلها بين أدباء مصر فى أواسط القرن التاسع عشر ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ هى المدرسة التى اصطلح على تسميتها بالمدرسة الديوانية ، وكان أشياعها فى تلك الفترة كثيرون ، إلاَّ أن قليلاً منهم من ضارع عبد الله فكرى فى صحة اللغة وبلاغة التركيب وسلامة الفهم والتفكير .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *