فى مدينة العـقاد (908) – شعراء مصر – وبيئاتهم فى الجيل الماضى (8)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

عودة إلى السيد توفيق البكرى

                                           

     تلقى الأستاذ العقاد خطابًا فيه بعض الاستفهام وبعض المراجعة والاعتراض على ما كتبه فى الأسبوع المنصرم عن السيد البكرى ، فاستوقفه الخطاب عن المضى إلى شاعر آخر ، لما ارتأى فى الخطاب من تساؤلات يمكن أن تخطر على بال غيره ، واجتزأ من عبارات الأديب المعترض ما يغنيه فيه ، شاكرًا له ـ فيما أبدى ـ مراجعته وإطراءه على السواء .

     قال كاتب الخطاب « … ولم أفهم لماذا تكون كثرة التشبيهات مخلة بالشاعرية أو مجحفة بحسناتها وذاك حيث تقولون أن الإكثار من التشبيهات وذكر الآثار الدوارس منع كلام البكرى  أن يكون أقرب إلى السليقة وأدخل فى باب الأدب الحديث » .. ثم ألا تلاحظون أن هناك تناقضًا بين قولكم « ويبدو لنا أنه كان فى نثره أشعر منه فى نظمه » وقولكم بعد ذلك « إن شعره كان خيرًا من نثره فى اجتنابه الصنعة وانبعاث الشاعر فيه على سجيته شاعرًا عصريًا جهد المستطاع .. » .

    أما التناقض ، فأجاب بأنه لا يرى له محلاًّ بين القولين . لأنه تكلم عن « الموضوعات » حين فضل نثر البكرى على نظمه من ناحية الشاعرية . فقال : « يبدو لنا أنه كان فى نثره أشعر منه فى نظمه لأن « موضوعاته » المنثورة صالحة « لموضوعات » الشعر الصادق وفيها نفحة من نفحاته » .

     أما أنه فَضَّلَ نظمه على نثره من ناحية « اجتناب الصنعة » ، فبسبب ما بينه من أن الموسيقية فى النظم تغنى الشاعر عن الإغراق فى الزخارف والتنميقات التى يحتاجها الناثر .

    فتفضيل النثر على النظم إنما كان فى « الموضوعات » .

    وتفضيل النظم على النثر إنما كان فى « الصنعة » .

    بينما لا يكون التناقض إلاَّ بين رأيين مختلفين فى الشىء الواحد ، والحالة الواحدة .

     فإذا ما سأل سائل : وكيف يكون البكرى شاعرًا فى نثره أكثر من نظمه والسليقة واحدة والشعور واحد ؟

    فإن جواب ذلك أن البكرى كان يكتب كثيرًا ولا ينظم إلاَّ عرضًا فى أثناء الكتابة أو فى خاطرة عابرة قلما يسترسل معها إلى الإطالة ، ومن ثم فقد اتسعت له فى النثر مجالات السليقة الشاعرة وظهرت فيه لفتات الشاعر وأغراضه وخصائص ذوقه وفكره .

    ولعله لو أطال النظم كما أطال النثر ـ لكثرت موضوعاته وتساوت فى هذه المزية قصائده ومقاماته .

    وربما كان البكرى ممن يرون كما كان يروى الأقدمون « أن الشعر أسرى مروءة الدنى وأدنى مروءة السرى » وأن الانقطاع له والإكثار منه لا يجملان بصاحب المقام الدينى والحسب العريق . وليست الكتابة كذلك عند أصحاب هذا الرأى ولا سيما الكتابة التى تصاغ فى قالب الرسائل بين الأكفاء ولا يطلع عليها القراء إلاَّ إذا طالعهم بها أديب من محترفى الصناعة ليتولى هو شرحها وتقديمها إلى الناس ، مثلما جرى فى كتاب « صهاريج اللؤلؤ» ديوان البكرى الجامع لنخبة نثره وشعره ، ويؤيد ذلك أن البكرى طبع كتابه « أراجيز العرب » وشرحه وقدمه ، كذلك فعل بالنسبة لكتابه « فحول البلاغة » .

*          *           *

    ويكتفى الأستاذ العقاد بذلك بيانًا لما حسب الأديب كاتب الخطاب أنه تناقض فى حكمه على شعر البكرى ونثره .

     ولكنه يرجع إلى التشبيهات التى قد يخيل إلى بعض القراء والنقاد أنها هى قوام الشعر ودليل الشاعرية . بينما هى عنده لا تكون كذلك إلاَّ إذا جاءت وسيلة لحسن التعبير ولم تجئ غاية مقصودة يتعمدها الشاعر ويتكلف لها ، ولو لم يكن لها دلالة ولا زيادة فى الإحساس بالشىء المُشَبّه أو المعنى المقصود .

     « وقد كان البكرى يظن أن التشبيهات مفروضة عليه فرضًا فلا يجوز له أن يدع شيئًا يذكره دون أن يشفعه بشبيه من لونه وشكله . ومن هنا أصبحت « أداة التشبيه » أظهر حرف فى أوائل جمله وعباراته ، فإن لم ترد ظاهرة وردت بمعناها فى كل فقرة وكل صفحة محسوسة أو مدركة بالوهم والخيال .

     « وليس هذا هو القصد من التشبيه ولا لهذا حسن فى الذوق وواجب فى الشعر والبيان ، إنما القصد منه أن نعرف وقع الشىء كيف يكون والإحساس به كيف يحيك فى النفوس » .

    ويضرب الأستاذ العقاد مثلاً بأبيات للمتنبى يشبه فيها الموج والطير والجنات من حولها ، ولكنه إنما وصف لنا وقع هذه الأشياء فى روعنا ولم يعن كثيرًا بظاهر أوصافها .. فهدير الموج كهدير الفحول ولكن الموجة والفحل لا يتشابهان ، والطير فى تحوامها على الماء تمثل لخيالنا صورة الأفراس التى خرجت من عنان فرسانها ، ولكن الطير لا تشبه الفارس ولا الأفراس .

    فأهل البداوة والريف ـ مثلاُ ـ أكثر تشبيهًا بطبيعة معيشتهم من الحضريين ، ولا سيما المحدثين . لأن الأشياء المحسوسة عندهم أقل من الأشياء المتخيلة أو الغائبة ، ولأن التفرس وإنعام النظر حاجة عندهم من حاجات الحياة بين الجبال والصحارى والسهول .

    والبكرى قد جاءه الخطأ ـ فيما يقول ـ من ناحيتين : « أولاهما : قراءة التشبيهات الجاهلية والبدوية ، والأخرى شعر ابن المعتز خاصة وهو إمام المشبهين « لمحض التشبيه » أو الشاعر الذى كان يصف « آنية بيته » لأنه خليفة نشأ فى قصور الملك والإمارة » .. فجدير بالبكرى إذن وهو من بيئة الحسب العريق أن ينحو هذا النحو ويجرى على هذه الوتيرة .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *