فى مدينة العـقاد (907) – شعراء مصر – وبيئاتهم فى الجيل الماضى (7)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

 

السيد توفيق البكرى

المتوفى سنة 1932

 

     السيد البكرى أيضًا ــ استقامت له وحدة الأسلوب من طريق الدعوة الدينية ، وهو يرتفع بنسبه إلى صميم العرب من آل أبى بكر الصديق ، وكان وافر الحظ من آداب الجزالة وآثار العربية الصحيحة ، وفى هذا كله يتقارب الشبه بين البكرى  ومحمد عبد المطلب ، ولكن يرجح نصيب البكرى فى الكفتين فيما يرى الأستاذ العقاد .

ويختلف السيد البكرى عن محمد عبد المطلب ، فى أن البكرى لم يكن مستغرقًا فى الطريق الدينية استغراقًا لا منصرف له عنه . ذلك لأنه تعلم طرفًا من علوم العصر ، وألمّ ببعض اللغات الأوروبية فضلاً عن التركية ، واقتبس شيئًا من أدب الفرنسيين والإنجليز ، وعاش فى أوروبا وجال بين بلدانها وعاشر العلية بين أبنائها ، ومن ثم فإنه مع جنوحه للقديم ؛ قد اتصل بالحديث العصرى عن قرب .

فإذا كان عبد المطلب يميل إلى قوة الأسر ، فإن البكرى يميل إلى أبهة المنظر وروعة الموقع .

هذا يبنى قصرًا ، وذاك يبنى حصنًا .

    وكلاهما ضخم باذخ ، ولكن كما يكون الفرق بين ضخامة البداوة وضخامة الحضارة ، أو بين بذخ الفطرة وبذخ الترف . 

إلى الفرق بين حياتيهما ، يرجع الفرق بين أدبيهما .

فعبد المطلب عاش عيشة الريفى المكفى المؤنة ، والبكرى عاش عيشة الأمراء والأثرياء .

   ولا شك أن ساكن القصر الباذخ فى حضارة القاهرة ــ مأخوذ بأوضاع الحضر وأذواقه ومطالبه وأخلاقه مهما يبلغ نزوعه إلى صحة العربية واستحياء القديم ، فهو يختار من العربية الصحيحة ما يلائمه ومن القديم الحى ما هو أقرب إليه .

   ولهذا أوشك البكرى ــ فيما يقول الأستاذ العقاد ــ أن يحصر بلاغة البداوة الأولى فى الرجز وأغراضه من أقوال العجاج ورؤبة وذى الرقة .

فلما أختار فحول البلاغة للشعر ؛ إذا به يختار لأبى نواس ومسلم بن الوليد وأبى تمام والبحترى وابن الرومى وابن المعتز والمتنبى وأبى العلاء المعرى ، ولا يكاد يعدو طبقة
العباسيين .  

   فالبداوة جزالة الأموى الراجز ، وللحضارة معانى العباسى الشاعر .

   ويمكن أن يقال إن البكرى يحفظ للجاهليين وللمخضرمين ويروى أشعارهم ويعلق على أخبارهم .

ولكنه كان يعيش مع العباسيين ويعارضهم ويتقبل أغراضهم .

     تقرأ قصيدة المتنبى فى رثاء جدته ، فتراه يقول :

ألا لا أرى الأحداث مدحًا ولا ذمًّا          فى بطشها جهلاً ولا كفها حلمًا

أحن إلى الكأس التى شربت بها           وأهوى لمثواها التراب وما ضما

وإن لم تكونى بنت أكرم والد              فإن أباك الضخم كونك لى أما

   ثم تقرأ لبكرى قصيدته التى يرثى بها أباه ، فتراه يقول من ذات البحر والقافية :

سقت رحمة الله الضريح وما ضما        وروت به هاما وروت به عظما

يعز على العلياء أن يسكن الندى         ترابا وأن نلتقى به الحسب الضخما

   وتقرأ قول ابن الرومى :

لما تؤذن الدنيا به من صروفها           يكون بكاء الطفل ساعة يولد

وإلا فما يبكيه منها وإنها                  لأرحب مما كان فيه وأرغد

   ثم تقرأ للبكرى يجاريه :

وما أذن القوم لما أقاموا                   صلاة الجنازة يوم الوفاة

وأذن للطفل يوم الولاد                     فهذا الأذان لتلك الصلاة

 

أو تقرأ لإبن الرومى أيضًا :

لم أخضب الشيب للغوانى         لأبتغى عندها ودادا

لكن خضابى على شبابى         لبست من بعده حدادا

   ثم تقرأ للبكرى فى نحو هذا المعنى :

أشعره بيضاء أم                  أول خيط الكفن

   والبكرى يجيد المعارضة أحيانًا حتى يلحق إنه بأساتذته المتقدمين ، وله من الحكمة
ما يضارع حكم المعرى ، ويستقل بالنظرة العصرية كقوله فى غرض من أغراض الاجتماع الحديث :

لا تعجبوا للظلم يغشى أمة        فتنوء منه بفادح الأثقال

ظلم الرعية كالعقاب لجهلها       ألم المريض عقوبة الأهمال

   أو قوله فى هذا الغرض :

والناس يخشون من بطش المليك بهم    وماله دونهم بأس ولا جاه

كصانع صنما يوما على يده               وبعد ذلك يرجوه ويخشاه

   وهذا وذاك من نمط قول المعرى :

مل المقام فكم اجاور أمة                  أمرت بغير صلاحها أمراؤها

ظلموا الرعية واستباحوا كيدها           وعدوا مصالحها وهم اجراؤها

« إلا أن البكرى ــ فيما يقول الأستاذ العقاد ــ يعتسف أحيانًا ، ومن أمثلة ذلك فيما تقدم قوله فى أذان الولادة وصلاة الجنازة وقول ابن الرومى فى بكاء الوليد عند استهلاله . فإن بكاء الطفل وهو يخرج من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا مثل صادق من تصاريف الحياة ومثل شائع بين جميع الناس ، أما المناسبة بين أذان الولادة وصلاة الجنازة فهى مناسبة « موضوعة طارئة » لا توافق هذا المعنى المتصل بالمولد والممات وهما اعم شىء وأعمقه فى وجود الإنسان ، وقد كان جائزًا أن يختلف الأمر فنصلى شكرًا للولادة ونؤذن إعلانًا للوفاة ، وقد جاز عند ملايين من الاحياء ألا تقام الشعيرتان ، فالفرق بين معنى ابن الرومى ومعنى البكرى هو الفرق بين المناسبة الموضوعية والمناسبة الصادقة التى لا تؤثر فيها اختلاف الشعائر والعادات والأقوام والأزمان » .

*          *           *

وقد كان البكرى عباسيًّا فى صياغة نثره الذى كان يتحرى فيه التجويد والبلاغة ، كما كان عباسيًّا فى روح الشعر واختيار القدوة .

   ويبدو للأستاذ العقاد أنه كان فى نثره أشعر منه فى نظمه . ذلك لأن موضوعاته المنثورة صالحة لموضوعات الشعر الصادق وفيها نفحة من نفحاته .

   وله أمثلة من ذلك فى وصف باريس ، وفى وصف غاب بولون ، وفى أبناء الأغنياء ، وفى هذه الأمثلة من نثرة المجدد ــ موضوعات شعر ولفتات شعر . ولكن الصنعة أفسدت الطبيعة ، والمحفوظ جنى على الملحوظ .

   وقد غلبت الصنعة على نثر البكرى ، ولم يكن له بُدٌّ من التكلف والمحاكاة .

   ولم يكن هكذا فى شعره ، لأن الشعر يستغنى بالوزن والقافية عن الإغراق فى الصناعة والمغالاة بالزخارف .

   والتنازع بين القديم والحديث يبلغ به أن ترى فى القصيدة الواحدة ما قد يُخَيَّلُ إليك أنها لشخصين لا لواحد .

   ويبلغ من الروح العصرية أن يذهب أو يكاد مع الشعر المرسل الذى تتعدد فيه قوافى القصيدة الواحدة كما صنع فى « ذات القوافى » .

   ولكنه يمزج « الشعر المرسل » أو ما شابهه بالحنين إلى المحبوب .

   فترى فى القصيدة أحيانًا ما ينبئ عن ناظمين : 

      أحدهما يغلب إحساسه .

       وثانيهما يغلب تقليده .

فقد كان القديم يستولى من البكرى على جانب التعليم والقصد والتكلف والصناعة فيه ..

والحديث يستولى منه على الإحساس والسجيّة وما يصدر عن النفس بلا كلفة ولا إرادة .

    وهنا يبين فرق آخر بين عبد المطلب وتوفيق البكرى . وهو أن الشعر لم يكن عند البكرى كما كان عند عبد المطلب مسألة لغة ولهجة بدوية ؛ ولكنه كان مسألة إحساس مرهف وشاعرية مطبوعة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *