فى مدينة العـقاد (906) – شعراء مصر – وبيئاتهم فى الجيل الماضى (6)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

محمد عبد المطلب

المتوفى سنة 1931

 

      سلم الشعر العربى فى مصر من سخافة التلفيقات اللفظية وركاكة الابتذال ، ثم اتجه إلى الفحولة والجزالة مع جيشان الحركة القومية ونشوب الثورة العربية .

      وترجع هذه السلامة ، فيما يرى الأستاذ العقاد ، إلى عاملين : أحدهما أدبى قريب من الشعر والشعراء وهو سريان شعر الفحول المطبوعين المشهود لهم بالسبق فى البلاغة والاستاذية ، مع اتصال بعض أطراف اليقظة الأدبية بالكتب الأوروبية والأنماط الحديثة فى شعر اللغات الحية التى كانت معروفة بين خاصة المصريين .

      أما العامل الآخر الذى أعان على تجديد الفحولة فى الشعر العربى « مصر » فهو دينى يتصل بالأدب والشعر ، واستفاد من هذا الطريق أناس لم يستفيدوا من الذوق الأدبى المحض والملكة الفنية الخالصة .

      ذلك أنه حينما شاعت النهضة فى الشرق ـ شاع معها الأسف بين المسلمين على ما أصابهم من ضعف بعد قوة وسيادة . ثم شاع بينهم أنه لا أمل لهم فى استرداد منعتهم إلاَّ بالرجوع إلى الإسلام فى أيامه الأولى حيث كانت الغلبة للجد والفطرة السليمة من البدع والمحدثات والعوارض .

      ومن هذه الوجهة سقطت المحسنات اللفظية والبدع المتأخرة عند من لم يسقطوها رعاية للذوق الأدبى والملكة الفنية .

      وليس بين شعراء هذه الفئة من يمثلها ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ كما مثلها الشيخ محمد عبد المطلب الشاعر المتبدى فى لفظه وأغراض كلامه ، لأنه سلك إلى هذا المذهب من طريقين : طريق الأصل العربى ، وطريق النشأة الدينية .

      أما الأصل العربى فمرده إلى جذور وأصول أسرة الشيخ ، فقد كان جده السابع أبا عشيرة من عشائر جهينة البالغة خمسة آلاف عددًا .

      أما النشأة الدينية فقد هيأها له أبوه الذى أخذ طريق الصوفية من الخلوتية ، عن شيخ الطريق الشهير إسماعيل أبو ضيف الذى ما إن لاحظ نجابة الابن محمد عبد المطلب وحفظه القرآن الكريم قبل أن يبلغ العاشرة ، أمر أباه بإرساله إلى الأزهر الشريف ، حيث جاور فيه نحو سبع سنين ، ثم انتظم فى سلك طلبة دار العلوم أربع سنوات .

      كان الشيخ محمد عبد المطلب ـ الشاعر ـ يحفظ القرآن الكريم ، ويقرأه ببعض الروايات ، وكان حجة فى الأدب واللغة ، محيطًا بأكثر جزلها وغريبها ، وكان فيما يقول الأستاذ العقاد ـ شاعرًا منقطع النظير فى شعره ؛ لا يكاد سامعوه يفرقون بينه وبين شعراء القرنين الثالث والرابع .. وكان رحمه الله شديد الحفاظ على شعار الإسلام وآثاره عاملاً على نشر آدابه .

*         *         *

      ولا غرابة إذن أن يصح أسلوبه وينبو عن زخرف الفصاحة الركيكة ، إذ كانت الدعوة إلى إحياء الفصاحة العربية والعودة بالإسلام إلى ما كان عليه ـ على أشدها ، فتلقاها الشيخ حفيًّا بها هو وأبوه الذى كان من أهل الطريق وأصله من العرب ونشأته على البداوة والدراسة الدينية وتعلم الفقه والعربية .

      وعلى ذلك سرعان ما نجا شاعرنا من آفات الزخرف والمحسنات اللفظية ، وابتغى قدوته بين الشعراء الجاهليين والمخضرمين ومن حذا حذوهم فى الجد والجزالة ، فطلب الفحولة ونبا عن المحسنات المصنوعة .

     فأنت تسمعه يستنزل الغمام على الدار حين يقول فى مدح عباس :

يا دار حياك الغمام فسلمى                 وهمت عليك يد المكارم فاسلمى

     أو تسمعه يذكر الغضا والأراك والنوى حين يقول :

ظلال الغضا لو عاد فيك مقيلى             نقعت بأنفاس الريـاض غليلى

      أو حين يذكر نجدًا فى قوله :

جددت عهدى أيام الربى           نفحـة جاءت بها ريح الصـبا

      وحين يتغزل أو يفخر أو يستطرد إلى الوصف والمديح ، لا ترى فى شعره معنًى غير معنى اللغة الفصيحة كما يريدها فى اللهجة البدوية .

      وغنى عن البيان فيما يقول الأستاذ العقاد ، أن اللغة ليست هى الشعر ، وأن الشعر ليس هو اللغة . وأن الإنسان لم ينظم الشعر إلاَّ للباعث الذى من أجله صور أو صنع التماثيل أو وضع الألحان .

      فهذه وتلك هى أدوات الفنون التى تظهر به للعيون والأسماع والخواطر حسب اختلاف المواهب والملكات .

      ولما ظهر المذهب الحديث فى الشعر ـ حاول شاعرنا أن يفهمه ليرد عليه ويتحداه ، إلاَّ أنه لم يفهم منه إلاَّ أنه وصف للمخترعات العصرية والآلات الحديثة .

      ويروى الأستاذ العقاد أنه لقيه بعد إلقاء قصيدته « العلوية » يعارض بها حافظ إبراهيم فى قصيدته « العمرية » . فسأله الشيخ مازحًا عن رأيه فى القصيدة وموضوعها واستهلالها ؟ حالة كون العقاد من أنصار المذهب الحديث !

      ويروى الأستاذ العقاد أنه أثنى على موضوع القصيدة ، وأنه ميدان جديد من الشعر يتسع للوصل والتحليل ، ولكنه مثل « عليًّا » على طريقته هو ولم يمثله على طريقة المحدثين .

      فأبدى الشيخ استغرابه ، متسائلاً أين هذا من وصفه للطيارة ، وكان قد استهل قصيدته بأبيات يصف فيها طيارة يتمنى أن يلقاها الإمام فوق السحاب لعله يرتقى إلى أوْجه .

      ومن أبيات هذه القصيدة « العلوية » :

أرى ابن الأرض أصغرها مقاما           فهل جعل النجوم بها مرامـا

زهــاه رونق الخضـراء لما                تلفت فى مجرتها وشـامـا

فشد على كواكبها مغيـرا                            وحلق فى جـوانبهـا وحاما

على بنت الهواء كأن طيفًا                 يشق الجو يقطعـه لمـامـا

      وإذ كان الأستاذ العقاد قد سمع القصيدة كلها فى الجامعة المصرية ، فقد قال له :

      « إننى أعجب بقوة الأسر فى العبارة ، ولكنى أراك الآن فى صميم التقليد وأنت تحسب أنك نجوت منه بطيارة ؟ فلولا أن العرب وصفوا للناقة التى يبلغون بها الممدوح لما وصفت الطيارة التى تبلغ الإمام . ولولا التخلص والاستطراد هناك لما كان التخلص والاستطراد هنا . وموطن الخطأ إنكم تحسبون وصف « أدوات المواصلات » فى عصرنا فرضًا على الشاعر الحديث. وليس الأمر على هذا الحسبان » .

      فالشاعر العربى إنما يصف الناقة لأنها جزء من حياته ، يحس بها الأنس فى البيداء وفى القفار الموحشة ، ويشرب من لبنها وينسج ثيابه ومسكنه من وبرها . فهو يعرفها وتعرفه كما يتعارف الصحاب .

      وعلى ذلك فالذين تنادوا بوصف الطيارة وأشباهها أسوة بما جرى عليه العرب فى وصف النوق والأفراس ، لا يدرون فى الواقع لماذا يصفون وينظمون ، ويحاكون على غير قياس ، بينما الشرط الأول فى الشعر الحديث أن يصف الإنسان ما يحسه ويعيـه .

      ولم يكن عبد المطلب ـ رحمه الله ـ بالوحيد فى هذا الخطأ ، فيما يعقب الأستاذ العقاد ، ولا فى عدم تفطنه إلى الفارق الصحيح بين شعر التقليد وشعر الصدق والحرية . فهناك من يلاقونه على هذا الخطأ .

      بيد أن الشيخ محمد عبد المطلب ؛ كان وحيدًا فى مدرسته الأدبية التى استقامت لها صحة الأسلوب من طريق الدعوة الدينية ، وكان شعره أوضح دليل على فائدة الدعوة الإسلامية فى إراحة العربية من آفات الزخارف والبهارج والطلاوات .  

  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *