فى مدينة العـقاد (905) – شعراء مصر – وبيئاتهم فى الجيل الماضى (5)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

 

إسماعيل صبرى

المتوفى سنة 1923

 

   إذا أتيح لك أن تحضر مجلسًا من مجالس الظرفاء القاهريين فى الجيل الماضى ، خيّل إليك ــ فيما يقول الأستاذ العقاد ــ أنك فى حجرة رجل نائم مريض . فالكلام همس وكذلك الخطو والإشارة ، فكل شىء يوحى بالإشفاق من الصوت أو الحركة ، إلاَّ ساعة الضحك فى بعض الأحيان إذا صحا المريض .

وتلك فيما يقول ــ حال معهودة فى أذواق الأمم ، لها نصيب عريق من الحضارة .

فالحضارة تنتهى فيها إلى ترف ، والترف ينتهى إلى نعومة ، والفضيلة الكبرى تنتهى إلى الذوق المترف الناعم أو الكياسة ، ولا صبر فيه على العزم والصلابة فى عمل ولا حس ولا طلب تتوق إليه النفس .

  

 *          *          *  

 

وفى هذه البيئة نشأ إسماعيل صبرى الشاعر الناقد البصير بلطائف الكلام ، يعرف الرقة بسليقته وفكره ولا يتكلفها .

وهذا الذوق خبير بالجيد والردىء من الكلام ، وقادر على التمييز الصحيح بين الذهب والبهرج فى رونق الفصاحة . 

   ولما تهيأ لإسماعيل صبرى أن يتلقى العلم فى فرنسا ويطلع على آدابها وآداب الأوروبيين ، كان من الاتفاق العجيب ــ فيما يقول الأستاذ العقاد ــ أنه اطلع على الآداب الفرنسية وهى فى حالة تشبه الذوق القاهرى آنذاك من بعض الوجوه ، فكانت تدين فى الأغلب الأكثر بتلك الرفاهية الباكية التى كان يمثلها « لا مرتين » وضربائه .

   وإسماعيل صبرى شاعر صادق الشعر ، ناقد بصير بالنقد . إلاَّ أنه لا يتعدى فى شعره ونقده ــ نطاقًا يرسمه له مزيجٌ من ذوقه القاهرى وذوق المدرسة « اللا مرتينية » فى أحسن ما كانت عليه من شعور وتمييز .

   شعره لطيف لا تصنع فيه ، ولكنه غير بصير ولا عارف بالصحة كلها .

   وأثره فى تهذيب الأذواق ونفى الزيف ــ أثر واضح لا ريب فيه ، ولكنه أثر محدود بذلك النطاق المرسوم .

   وإن شئت ــ فإن أدبه أدب « الذوق » ، وليس أدب النزعات والخوالج ، وأدب السكون لا أدب الحركة والنهوض ، وأدب الاضطلاع الحسن لا أدب الابتكار المنكشف الجسور .

 

     *          *          *  

 

   قال صبرى فى بعض شعره ، إن عزيمة بطلة « تلامس » الصخر فتنبت الأزهار :

وعزيمة ميمونة لو لامست               صخرًا لعاد الصخر روضًا أزاهرا

 

وشبيه بهذا أن يقول صبرى فى الغزل والتشبيب :

يالواء الحسن أحزاب الهوى              أيقظوا الفتنه فى ظل اللواء

فرقتهم فى الهوى ثاراتهم                 فاجمعى الأمر وصونى الأبرياء

           

   ترى هنا « ذوق » وكياسة ، ولا ترى عشقًا وحرارة . وتذكرنا الأبيات بنديم قاهرى فى سهرة من سهرات الطرب مع صحبة بمغنية أو غانية يتكلف فى الزلفى إليها والثناء عليها .

وهو لم يذب حبًا هنا إلاَّ كما ذاب كل قاهرى ظريف يقول لصاحبته : « أنا أذوب … !».

وأنه لم يخش على صاحبته هبوب النسيم من جانب الروض إلاَّ كما يخشى كل قاهرى ظريف من الهواء وما هو أرق من الهواء .

    « وإنما هو إسماعيل صبرى فى صميمه وحقيقة نجواه حين يقول لها إنه تعب من اللوعة وكلٍّ من الحرب ولا أمل له فى غير السكينة والسلام .

     « ويخيفه صراع كما يخيفه صراع الحب ، فهل يبتهل إلى نجم هالى أن يفضى به إلى « غد » يختم الصراع ويفك الأسر :

أغدًا يصبح الصراع عنــاقا               فى الهيولى ويصبح العبد حـرا

إن يكن كل ما يقولون فاصدع            بالذى قد أمرت . حييت عشرا

« وأطيب غاية للحياة هى واحة القبر ونومة طويلة يجد فيها ترياق السآمة :

 

إن سئمت الحياة فارجع إلى الأر          ض تنم آمنا من الأوصاب

 

*          *          *

 

« حتى الغيب حين يشغله أمره ويكربه سره لا يتطلع من دياجيه إلى علم أو وعى . وإنما يتطلع إلى اللطف فى الغضب والرحمة فى الجبروت :

يا رب أهلنى لفضلك وأكفنى              شطط العقول وفتنة الأفكار 

فهو فيما يعقب الأستاذ العقاد ــ  « يستكفى الله الشطط لأنه لا يطيق العناء ، وهو يستطلع الغيب لأنه يتعب من الحيرة ويجفل مما وراء الفناء وهو يحن إلى المجهول ولكنه لا يسعى إليه ولا يتجشم المشقة فيه . بل يسأل الله أن يأمر الوجود ليشف عنه ــ ثم يسأله أن يشف عن لطف إذا شف عن غضب : وعن رحمة إذا تكشف عن جبروت .

   « تلك هى خليقة الحضارة التى تنتهى إلى ترف ، والترف الذى ينتهى إلى نعومة ، وذلك هو معدن « الذوق » المشفق من تنبيه النائم المريض » .  

   ويرى الأستاذ العقاد ــ كما قال مرارًا ــ أن « التلطف الناعم » شىء ظريف فى لحظة أو حالة ، ولكنه ليس هو الحياة فى أعماقها ولا هو الشعور فى مثله الأعلى .

   وأنه « لو كانت الدنيا كلها يحسها صبرى أو كما يصورها في شعره ، ولو كانت الفطرة الإنسانية كما فطر عليها أو كما يريدها ، ولو كانت عظائم الطبيعة وذخائرها كما تبدو أو تبدو فى ثنايا كلامه ــ لكان الذوق الناعم هو قسطاس الشاعرية ومطلب الفنون وعنوان التعبير السليم . »

   إن قسطاس الشاعرية غير ذلك ، ومطلب الفنون أعلى من ذلك ، وعنوان التعبير أسلم من ذلك .. لأن الحياة غير تلك النعومة ، ولأن الطبيعة الإنسانية أرحب وأرفع وأقوى وأعمق
مما صورته طبيعة إسماعيل صبرى .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *