رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

rattia2@hotmail.com

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

   دليل ما تقدم ، فيما يورد الأستاذ العقاد ـ أن شعراء اللغات الفارسية والعبرية والأوروبية ـ قد اختاروا أن ينظموا الشعر بلغتهم على أوزان العروض العربية ، وفضلوها على أوزانهم القديمة ، لأنها « أسهل منها وأجمل فى موقعها من الأسماع والنفوس » .

   ودليل الآخر على صواب هذا الاستخلاص ، أن شعراء العامة ـ فى العربية ـ لم يتعذر عليهم أن ينظموا الملاحم أو يتخللوها بالقصائد الموزونة المقفاة فى القصص الطويلة من قبيل « الزير سالم » و« الغزوات الهلالية » و« أخبار النبى أيوب عليه السلام » ، وحكايات البطولة والغرام فى اللهجات الدارجة ، وكلها تنظم ـ فيما يقول الاستاذ العقاد ـ فى بحور العروض وتلتزم فيها بالقافية ، ويستطيعها شعراء أميُّون لم يدرسوا الأدب ولم يتعلموا وزن الشعر ، ولم يرجعوا فى منظوماتهم وموضوعاتهم إلى غير السليقة والسماع .

     يقول الأستاذ العقاد :  

     « ولو جمعت أناشيد الأعراس والمآتم التى تنظم على الوزن وتلتزم فيها القافية لامتلأت بها المجلدات وظهر أنها جميعها أو أكثرها من نظم النائحات الجاهلات فى القرى الريفية التى لا تتلقى أناشيدها من معلمى الآداب أو أساتذة العروض.

    « وقد نظمت المسرحيات وترجمت الإلياذة وغيرها من أشعار الملاحم فاتسع لها الشعر العربى بعروضه وقوافيه ــ لم يكن نقص الترجمة ــ حيث يوجد النقص ــ راجعًا إلى عيب فى أوزاننا وقواعد عروضنا كما توهّم المتعجلون من نقاد هذه الأوزان والقواعد ، ولكنه كان شبيهًا بالنقص الذى يعرض للشعر المترجم من لغة إلى لغة ولو تُرجِم من اليونانية إلى الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية ؛ وكلها تجرى على قواعد متشابهة فى الأوزان . وفى الاستغناء عن القافية أو التزامها حيث يلتزمونها من أناشيد الرقص والغناء .

    « والثابت من تجربة الناظرين فى تعديل الأوزان منذ ستين سنة أن إلغاء القافية كل الإلغاء يفسد الشعر العربى ولا تدعو إليه الحاجة ؛ وهى تجربة اشترك فيها ثلاثة من أعلام الأدب العربى الحديث فى القاهرة وبغداد والإسكندرية وهم : توفيق البكرى وجميل صدقى الزهاوى
وعبد الرحمن شكرى .. وهم من أقدر أدباء عصرهم على الموازنة بين محاسن النظم فى اللغة العربية وبعض اللغات الشرقية والغربية . ومنهم من كان يقرأ الشعر بالتركية والفارسية عدا ما يعلمه من أشعار الإفرنج المحدثين والأقدمين » .

*       *       *

    ويتوقف الأستاذ العقاد عند ما تناوله الأستاذ أمين الشنقيطى والأستاذ أبو بكر المنفلوطى فى كتاب « صهاريج اللؤلؤ » ـ حيث تناولوا موضوع القافة العربية وصعوبتها .

   « أما جميل صدقي الزهاوى فقد عالج النظم بغير قافية وترك لنا قصائد مطلقة ولكنها على أوزان العروض ، كقوله في واحدة منها :

عيش رَخِىُّ العيش عُشْر من الوَرى               وتسعة أعشار الأنام مناكيد

   أَما فى بنى الأرض العريضة قادر                 يخفف ويلات الحياة قليلا

   أفى الحق أن البعض يشبع بطنه                 وأنَّ بطون الأكثرين تجوع

     ولكنه أراد أن يبرئ ذمته ويكل الأمر إلى حكم التاريخ فأبقى هذه التجربة تمضى فى طريقها حيث يستقر بها قرارها ، وقال فى مقدمة الديوان : « ولا أرى مانعًا من تغيير القافية بعد كل بضعة أبيات من القصيدة عند الانتقال من فصل إلى آخر ، كما فعلت فى عدة قصائد ،
لا دفعًا لملل السامع من سماع القافية الواحدة فى كل بيت كما يدَّعى بعضهم . فتلك حجة من يعجز عن إجادتها وإلاَّ لملَّ الناظر وجوه الناس لوجود ألف بارز في وسط كل وجه ، بل إراحة للشاعر من كد الذهن لوجدانها ، فإن الإتيان بها متمكنة ليس فى قدرة كل شاعر . وأجيز للشاعر أن ينظم على أى وزن شاء ، سواء كان من أوزان الخليل أو غيره
» .

   ويعقب الأستاذ العقاد على وجة نظر الزهاوى ، بأنها نظر شاعر رأى أن يتورط فى اختيار القوافى القلقة إذا أطال النظم على قافية واحدة ، ويرى أن يخرج من هذه الورطة التى وضع نفسه فيها ـ بالوقوف عند الحد الذى تنتهى عنده قدرته على القافية المتمكنة ، والاحتيال على ذلك بتغيير القافية من فصل إلى فصل فى القصيدة الواحدة ، دون أن يرى ضرورة لإلغاء القافية كل الإلغاء .

   وعلى نقيض ذلك رأينا أبا العلاء المعرى فى ديوان « اللزوميات » الذى عُرف بلزوم ما
لا يلزم ، وهو إمعان الشاعر فى الالتزام بالقافية ، فيأتى بحرف آخر قبل حرف القافية ويلتزم به طوال القصيدة .

   أما عبد الرحمن شكرى ، أحد أعضاء حركة الديوان ، فله شعر مرسل لم يلتزم فيه بقافية ، وينفرد أحيانًا بقافية لكل بيت ، وهو لا يخفى ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ موضع الضعف فى القصيدة من الوجهة الموسيقية ـ وهى قوام فن الشعر ـ ولكنه يعتقد أن مصير الحكم فى ذلك لألفة السماع ، ويترك الحكم الأخير لصقل الأسماع كما قال أبو العلاء المعرى ، ثم يقرن هذا التصرف المطلق فى القافية ـ بالتصرف المحدود فى الرباعيات والمزدوجات ، أو المقطوعات التى من فصول متعددة تتغير قافيتها بعد كل عدد من الأبيات .

   وخلاصة التجارب الواقعية ـ فيما يعقب الأستاذ العقاد ـ أن القافية لم تكن سببًا ـ قديمًا وحديثًا ــ لاختفاء المسرحية الشعرية من الأدب العربى القديم ، ولم تحل فى الزمن الحديث دون ترجمة الملاحم أو حوادث التاريخ إلى العربية ، وأن الصعوبة التى تعزى إلى القافية العربية لم تُعجز العامة الجهلاء ـ كما سلف ـ عن نظم الملاحم والقصص ونظم الأمثال والعبر على الأسلوب الذى يتداولها جمهرة الأميّين ، فضلاً عن الشعراء والدارسين .

    ولا يخفى الأستاذ العقاد اعتراضه الشديد على الدعوة إلى النظر فى القوافى والأعاريض ، وأن الذين يطالبون بإلغائها ـ إنما يثبتون عجزهم عن مزاولة النظم الذى يستطيعه العامة والأميُّون .

    فلا خير للآداب العربية فى عمل فنى يتصدى له من لا يقدرون عليه ، ومن لم يخلقوا له ، وليس عندهم فيه استعداد فطرى يضارع استعداد شعراء الربابة وناظمى القصص الهلالية وما إليها .

   هؤلاء يهدمون كل تراث ، ويقتلعون كل أساس ، ولا يقنعون بشىء دون فوضى الآداب والعقائد والأخلاق .          

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *