رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

rattia2@hotmail.com

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

الشعر لازم 

     لن يكفيك فى تتبع الأستاذ العقاد فى الشعر ، أن تلم فقط بكتبه وهى كثيرة . ذلك أن طاقته اتسعت لآلاف المقالات الثرية التى للأسف لم تصنف حتى الآن تصنيفًا نوعيًّا . وأنت وحظك أن تقع عيناك أو لا تقع على مقال مهم منشور فى مجموعة أو فى يوميات أو فى جريدة  .

     والواقع أن موهبة الأستاذ العقاد فى الشعر ، واهتمامه به ، قد تجلى فى أعمال ومقالات متفرقة إلى جانب كتبه المؤلفة . وقد صادفنى فى مجموعة « حياة قلم » التى جمعها وقدمها الأستاذ طاهر الطناحى رئيس تحرير كتاب ومجلة وروايات الهلال ، صادفنى مقالٌ للأستاذ العقاد فى لزوم الشعر ، وآخر فى التجديد فى الشعر .

     وتعرف من مقال « الشعر اللازم » إيمان الأستاذ العقاد بهذا اللزوم فى جميع العصور ، فيما سلف من ألوف السنين ، وفى الحاضر ، وفيما هو آت ، فالخيال الذى هو عدة المخترعين والمخترعات ، هو جوهر وعماد الشعر ، وأن الشعر ألزم ما يكون للإنسان فى عصر الصواريخ ، وأن حفاوتنا به فى هذا العصر شهادة لعصر الصاروخ تثريه وتعليه ، وفى الغرب الذى يدين بالصاروخ علامات وآيات تنوه بلزوم الشعر ، وفى سنوات الصاروخ صارت جائزة نوبل العالمية للأدب فى الست سنوات الأخيرة ( آنذاك ) ، إلى خمسة من الشعراء .

     فإذا كان الشعر لازمًا فى لغة من اللغات ، فإنما يلزم أنه فن من الفنون .

     وألزم ما فى الفن أنه ذو قواعد وأصول ، توائم فى كل لغة ما طبعت عليه ، وتوائمه فى اللغة العربية على التخصيص ، لأنها لغة الوزن فى كل كلمة وفى كل صيغة ، فليست فى العربية كلمة واحدة تنعزل من وزن إشتاق أو وزن سماع .. ولم يكن غريبًا إذن أن يصنف الأستاذ العقاد كتابه الضافى « اللغة الشاعرة » الذى أشرنا إليه سلفًا .

     يرى الأستاذ العقاد أن الشعر فن ، وأنه لا شعر بغير فن ، ولا فن بغير قاعدة .. وهذا هو عنده « بيت القصيد » .

     والذين يقولون بغير ذلك ، يقولون عجبًا يستغربه السامع ويستغربه الذى يسمع ويفقه ما يقال ـ كيف يصغى إليه السمع وكيف يستجيب له الفهم ، وكيف يتكرر بعد تكرار اللسان فيه .

     يقولون ـ فيما يشير ـ إن قواعد الوزن تدعو الإنسان أن يقول ما لا يلزم ، تكملةً للوزن بما لا محل له فى الكلام .

     فهل يقال هذا على الشعر وحده ؟ أو يقال على شتى الفنون ؟

     ماذا يصنع منشد الغناء ، والراقص بحركات يديه وساقيه وقدميه ، والموسيقار فى صوته المرسل بغير كلام ؟

     ألا يزيد المغنى فى غنائه ليطابق فيه بين الألفاظ والألحان ؟

     إن الفنان لا يصنع فى مده أو زيادته غير ما يلزم ، بل إن اللازم هو رعاية الفن والقاعدة فى الفنون . وليس الوزن زيادة فى « المقال » بل هو قوام المقال كله ، إلاَّ أن يكون من غير الفنون .

     وملكة الشعر ـ فيما يقول ـ هى الملكة التى تقدر على هذا التفاعل بغير حشو أو فضول ، إلاَّ أن يكون لزيادة المعنى وتوكيدًا للأثر .

     وكل بيت فى الشعر المطبوع ـ لاحظ المطبوع ـ آية على صدق هذا التفاعل التام بين الألفاظ والمعانى والأوزان ، وآية على لزوم الوزن كلزوم لفظ الشعر ومعناه .

     ويضرب مثلاً لذلك من الشعر القديم ، ما قاله إمرؤ القيس فى وصف الفرس ..

 

     وقَدْ أَغْتَدِي وَالطَّيْرُ فِي وُكَنَاتِهَا ( جمع وكن وهو عش الطائر )

بِمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأوَابِدِ هَيْكَلِ

     مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا

كَجُلْمُودٍ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ

     كُمَيْتٍ ( الفرس الأصيل ) يَزِلُّ اللّبْدُ عَنْ حَالِ مَتْنِهِ

كَمَا زَلَّتِ الصَّفْرَاءُ بِالمُتَنَزِّلِ .

 

     وجدير بالذكر أننا كنا ندرس هذه الأبيات وما الشعر فى عصوره المختلفة فى دراستنا الثانوية ، ولا أعرف ما هى المناهج الآن .

     ويتوقف الأستاذ العقاد ليفصح عن أنه لا شك أن كلمات « الهَيْكَلِ » و« مِنْ عَلِ » و« المُتَنَزِّلِ » ـ قد جاءت لوزن القافية .

     ولكن السؤال هو : هل هى زائدة ؟

     والجواب بالنفى ، آية ذلك أن حذف كلمة « الهيكل » لا تنقص المعنى والأثر ، ولو كان من الكلام المنثور .

    وهكذا .

     ويستشهد الأستاذ العقاد بعدها بثلاثة أبيات للمعرى ، ليؤكد أن التزام القافية لا يخل بالمعنى ولا بالأثر .

     يقينه فيما يبدى : أن الشعر لازم ، والفن ألزم ..

     وهذا اللزوم يتم فيه المعنى واللفظ بالوزن ، وتؤدى فيه ملكة الشاعر المطبوع ـ لاحظ المطبوع ـ عملها « تفاعلاً » حيًّا بين نغماته وحروفه وكلماته ، تتزاوج فيه جميعًا لتزداد بلاغة فى الأثر وإيناسًا للسمع ، وإشباعًا للأداء ، ونفيًا للفضول ، وتجاوبًا بين الوقع والإيقاع .. وعلى ذلك جبلت ملكة الشاعر المطبوع .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *