رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

rattia2@hotmail.com

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

مع عباس الثانى

        هذا فصل متميز من فصول الكتاب ، أشار الأستاذ العقاد فى أوله إلى أنه فى سيرة محمد عبده شخصان مهمان فى تاريخ حياته العملية ..

      أحدهما جمال الدين الأفغانى وقد تقدم الكلام على أثر التعاون بينهما فى دعوة الإصلاح وحركة النهضة .

      والآخر الخديو عباس حلمى الثانى الذى تولى بعد الاحتلال البريطانى ، خلفًا لأبيه « محمد توفيق » الذى وقف مع الإنجليز الغزاة منذ شعبه ، وتوفيق هو ابن الخديو إسماعيل الذى عزلته دولتا الرقابة الثنائية انجلترا وفرنسا .

      كان جمال الدين ممثلاً للقوة المؤيدة الموجبة .

      وكان عباس الثانى ممثلاً للقوة المعطلة السالبة .

      كان عباس الثانى دون الثامنة عشرة حين توفى أبوه ، فوجب أن تفرض عليه الوصاية إلى أن يبلغ سن الولاية ، وينعقد الاختصاص باختيار الوصى أو الأوصياء للسلطان العثمانى ، ولكن الإنجليز لم يشاءوا التسليم بذلك التدخل العثمانى ، فاحتالوا بتقدير سن الشاب بالتقويم الهجرى ، وانحلت الأزمة حلاًّ يرضاه الأمير الشاب من ناحية لأنه أعفاه من الوصاية ، ويبغضه من ناحية أخرى لأنه ثبت عليه النفوذ البريطانى .

      جلس عباس الثانى على العرش وهو مقسم النفس بين هذين الشعورين ، وهما فى الواقع ينتهيان إلى مصب واحد هو سطوة الاحتلال .

      وواجه بحماسة السن نزعتى الحذر والاندفاع ، فغلبت فى نفسه الفتية نزعة التحدى على نزعة الحذر ، وواجه المحتلين بمعارضة لم يألفوها من أبيه الذى اعترف لهم بحماية
عرشه ، ومن ثم حفَّ به أنصار الحركة الوطنية ، وأبناء الجيل الجديد من أنداده فى السن ، وممن يكبرونه سناًّ ، ولكنهم لم يشهدوا صدمة الاحتلال وإخفاق الثورة العرابية .

      كان عباس ينفر بطبيعة الحال من الثوار ، ويسميهم بالعصاة ، ولكنه كان يتقبل عذر بعضهم لأنه لا يبرئ أباه من بعض الخطأ ومن بعض الضعف ، وكثيرًا ما سمع فى بداية حكمه يسخر من أبيه تلك السخرية التى عابها عليه اللورد كرومر فى كتابه عنه .

      ويرى الأستاذ العقاد أن رأيه فى أبيه ـ هو الذى أنساه ممالأة محمد عبده للثورة العرابية فى دورها الأخير ، مع رغبته فى الإطلاع على تاريخ لتلك الثورة يكتبه رجل يعرف أخطاء الثوار وأخطاء ولى الأمر ، عسى أن يستفيد عباس لنفسه من تجربة الحوادث .

      وفى إحدى المقابلات الغير قليلة بينه وبين الشيخ محمد عبده ، شكا إليه ما يلقاه من
عنت المحتلين وحجرهم عليه ، فاغتنم الشيخ هذه الفرصة وذكره بما يستطيعه من أسباب فى المعاهد التى له الولاية عليها دون المحتلين ، وهى معاهد الأزهر والأوقاف والمحاكم الشرعية ، فراق لعباس حديث الشيخ ، وكلفه أن يعود إليه بشرح مستفيض لوجوه الإصلاح ، وانتقل برنامج الإصلاح فعلاً من تلك الفتوى المهملة
ـ فتوى الشيخ الانبابى ـ إلى العمل الحثيث لتنفيذ الإصلاح الأزهرى فى الإدارة والتعليم .

*         *         *

      ولكن تبين بعد الوقعة الكبرى بين عباس الثانى والمحتلين ، والتى اشتهرت بحادثة الحدود (1894) ، أن النزاع كله فيما بينهم ، إنما كان نزاعًا على نفوذ الحكم لا على حقوق الأمة أو مبادئ القضية الوطنية ، ووضح أن عباس كأبيه توفيق وجده إسماعيل ـ ينازعون السيطرة الأجنبية باسم الأمة تارة ، وباسم الحقوق الدستورية تارة أخرى ، دون أن يعنيهم فى الواقع إلاَّ أن تنتقل السيطرة إليهم ، ودون أى وفاء حقيقى للحقوق الدستورية ، إلاَّ اتخاذها حجة على الدولة البريطانية .

      وقد جرب طلاب الدستور أساليب إسماعيل وتوفيق فى المناورات التى إتبعاها لتفادى الدستور ، ثم جربوا أساليب عباس بعدهما ، فتكشف لهم ولعه بالاستبداد لم يتكشف لهم مثله من أبيه وجده . ذلك أن عباسًا ما كاد يظفر بقليل من السلطان ـ فيما يورد الأستاذ العقاد ـ حتى انقلب على شيعته وشيعة الحركة الدستورية ، وساقهم تباعًا إلى السجن ، ثم ألجأهم إلى المنفى فرارًا من السجن والمصادرة .

      وإذ لاح لعباس شبح العزل بعد الوقعة الكبرى ـ حادثة الحدود ـ بينه وبين المحتلين ، والتى اصطدم فيها بالجنرال كتشنز سردار الجيش المصرى ، فإنه قنع بالقليل الميسور ، واستعاض عن السلطة بوفرة المال الذى جعل يتهافت عليه حيثما وجد السبيل إلى ذلك ، وتوارى وراء حزب سماه « حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية ».. إيذانا للمحتلين بالتسليم بدعوى الإصلاح والقناعة منهم بالمبادئ الدستورية دون الدستور الكامل على أساس سلطة الأمة ، وخلا اسم الحزب من أى كلمة عن الاستقلال ولا عن الحرية الوطنية .

      وقد حدث هذا فى أوائل سنة 1894 ، وقبل نهاية السنة تعددت زيارات محمد عبده
للخديو ، وكان يصحبه فى مبدأ الاتصال « محمد ماهر باشا » وكيل نظارة الحربية ، والذى كان يدعى آنذاك ببطل حادثة الحدود .

      وقال « أحمد شفيق باشا » فى مذكراته فى نصف قرن ، وهو من رجال الحاشية الخديوية ، أن حركة الإصلاح الحديثة فى الأزهر ترجع إلى أواخر سنة 1894 ، وذلك أن الشيخ محمد عبده لما رأى من عباس جرأته وجهاده للأخذ بناصية الحكم والحد من تدخل الإنجليز ـ مال إليه وتقرب منه بواسطة محمد ماهر باشا ، واستقبله الخديو بترحاب لما آنس فيه من صدق الوطنية وأصالة الرأى ، وتقابلا مرارًا بصفة غير رسمية وتحدثا مرارًا فيما يمكن عمله ، واقترح الشيخ ثلاث نواح لا تزال بعيدة عن تدخل الإنجليز ولا يعارضون من ثم فى العمل لإصلاحها لأنها دينية محضة . تلك هى الأزهر والأوقاف والمحاكم الشرعية، واتفقا على أن يقدم الشيخ مذكرة بما يراه من وجوه الإصلاح . وانتهى بحث محمد عبده فيها إلى تأليف مجلس إدارة للأزهر من خمسة أعضاء ، ثلاثة منهم هم أكبر علماء المذاهب فى الأزهر.. الشيخ سليم البشرى (المالكى) ، والشيخ عبد الرحمن الشربينى (الشافعى) ، والشيخ يوسف (الحنبلى). إلى عضوين آخرين ، هما الشيخ عبد الكريم سلمان والشيخ محمد عبده من العلماء المعينين لوظائف الحكومة . ولكن الشيخ عبد الرحمن الشربينى أنكر مبدأ الإصلاح من أساسه ، واستقال قبل شروع المجلس فى عمله ، ولم يقبل بعد ذلك عملاً فى إدارة الأزهر إلاَّ بعد إجماع النية على إقصاء الشيخ محمد عبده من مجلس الإدارة ، والعودة بالأزهر إلى منهجه القديم ، وكان أن اختاره الخديو عباس الثانى لمشيخة الأزهر على ما تقدم بيانه .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *