فى مدينة العـقاد ( 790 ) عقائد المفكرين فى القرن العشرين (18)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

الوجودية فى فرنسا وسويسرا

       ذاعت الوجودية فى فرنسا أبلغ ذيوع ، عقيدةً وسلوكًا من طرفى الإيمان والإنكار .

     إلاَّ أن الوجودية المؤمنة ــ انفردت فى فرنسا بظاهرة خاصة ، وهى التحول من الإلحاد إلى التدين بمذهب الكنيسة ، أو بالتوفيق بين هذا المذهب وبين التعبيرات الفلسفية التى يستعان فيها بالرمز والتمثيل .

        

    وعلى هذا المثال ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ــ تحول الفلاسفة الوجوديـون المتدينـون : « جاك ماريتانMaritain  » ، و« جبريل مارسيل ـ  Marcel» ، و« لويس لافيل ـــ  Lavelle» ـ وغيرهم ممن لم يبلغوا مبلغهم من المكانة والصيت .

     فقد ألحد « ماريتان » ، ثم تتلمذ للفيلسوف « برجسون » ـ فانتقل من الإلحاد إلى الإيمان بالقوة الخالقة ، ثم عاد فشك فى القوة الخالقة التى لا تنى تتغير لأنها محتاجة إلى قوة دائمة تحيط بهذه الغير ولا تتغير معها . ثم أعلن انتماءه إلى الكنيسة مع إيمانه بأن إرادة الله تظهر من استقراء حوادث التاريخ ومن فهم وحيه وتنزيله على ضوء الرموز والتمثيل .

   ولجأ « مارسيل » إلى العقيدة على أنها تكملة المجهود العقلى وليست بديلاً ولا نظيرًا ، ورأى أن العقل إذا اجتهد غاية اجتهاده بقى العمل الذى تتولاه العقيدة وتخف إليه . وأن آفة الآفات التى تساور النفس البائسة فى زماننا ــ أنها تعامل الإنسان معاملة موضوع يفهم ويستفاد منه Object ، ولا تعامله كأنه ذات Subject  تعاون ذاته وتمدح وتوسع معها نطاق المحسوسات والمعلومات .

    والأستاذ « لافيل » ـ يقسم الوجود إلى درجات على حسب ما فيه من العدم . فالوجود المحض الذى لا يقاربه العدم ـ هو الله ، ووسيلتنا إلى إدراكه نفسٌ تبرأ من شوائب العدم وتمتلئ بالكيان الصادق . 

   والفرق عنده  بين الوجود المحض والوجود الذى يقاربه العدم ــ أن الوجود الأول فعل محض والوجود الثاني فعل وقابلية ، أو قدرة حاصلة وقدرة موجودة بالقوة دون الفعل ، ولا يقصد لافيل قوة الأيدى والأعضاء ، بل الوعى والشعور . ومن كان وجوده صادقًا كان أوفى وعيًا وأكمل إدراكًا . وهو أقرب الموجودات إلى الله وأبعدها من العدم .

    وجود المادة التى لا تعى هو أقرب درجات الوجود إلى العدم .

   ووجود الوعى الواسع المحيط بما حوله هو أقربها إلى الله .. هو وجود محض ، يتخلص من أحبال أو أغلال الجسد ، ويكون على اتصال بالحضرة الإلهية .

*        *         *

    وتوجد فى سويسرا مدرسة وجودية تشبه المدرسة الفرنسية فى بعض ملامحها ، وتخالفها  فى ملامح أخرى .

   من وجوه الشبه أن فلاسفة سويسرا الوجوديين يدينون بمذهب الكنيسة .  

  ومن وجوه الاختلاف ، أن فلاسفة سويسرا لم يبدأوا  بالإلحاد ، ونشأ معظمهم فى خدمة الدين على مذهب الكنيسة الإنجيلية .

   وأشهر فلاسفتها « كارل بارث  ـ Barth » و« إميل برونر ـ  Brunner » و« رينولد نيبهر  ـ   Niebuhr» وهو جرمانى الأصل أمريكي النشأة      .

     كارل بارث ، يرد كل شـىء فى الدين إلى النصوص ، ويحسب الدين  كلـه قائمًا علـى « حكمة الله » كما جاءت فى تلك النصوص ، لا على اعتقاد الإنسان أو تفكيره .

    أما إميل برونر فتقوم بشارته على طبيعة الإنسان وأنها إلهية فى بعض خصائصها ،
لا تتلقى الوحى الإلهى كأنه رسالة أجنبية ، وعلامة النفحة الإلهية فى الإنسان هى الحب .

     أما نيبهر ، فهو يريد أن يعرف الإنسان بما يعبده لا بما يأكله كما يعرفه الماديون ، ولا بما يقبضه من الأجر كما يعرفه الماركسيون . ويرى أنه مادام الإنسان العصرى يخلط بين معنى العقل  Reason ومعنى الروح Spirit ، ويحسبهما ملكة واحدة ، فإنه يكون فى ضلال عن حقيقته . وسيظل الناس فى حرمان من السلام ما داموا فى طلب السطوة ، معرضين عن طلب المحبة .

   وهؤلاء الوجوديون الذين ينتمون إلى هذه المدرسة ـ أقرب فى نظر الأستاذ العقاد إلى مدارس اللاهوت منهم إلى مدارس الفلسفة .

   ومن تحصيل الحاصل ـ فيما يرى ـ أن يقال إن الفلسفة الوجودية بعامة ـ لا تنحصر فى أمة ، ولا تخلو منها أمة . ذلك أن ثورة الضمير الفردي على طغيان الجماعة ظاهرة عامة بين جميع الأمم الأوروبية ، بما فى ذلك إنجلترا التى توجد فيها الفلسفة الوجودية ولكن بغير مسماها ، والسبب أن مبدأ الحرية الفردية فى انجلترا مفروغ منه من حيث المبدأ والفكرة ، ولذلك تعرف المذاهب الفلسفية عندهم بأسماء رواد مدراسها ، كمذهب هيوم ، ومذهب بركلى ، ومذهب داروين.

   وهذه السمة التي تمتاز بها الوجودية المتدينة ــ هى الإيمان المستقل الذى يتحرر به ضمير الفرد من سلطان الشعائر المرسومة ، ويغلب أن تقترن به سمة أخرى ملحوظة فى كل نزعة وجودية ، وهى عمل المحنة النفسية فى صهر الضمير واستخلاصه للإيمان . 

    وبهذه الخصلة الوجودية ـ أصبح القرن العشرون ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ موسمًا للوجودية المتدينة بين مذاهب المتدينين على التعميم ، لأن هذا القرن هو العصر الذى امتحن الضمير المستقل أشد امتحان وأقساه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *