فى مدينة العـقاد ( 789 ) عقائد المفكرين فى القرن العشرين (17)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

 

 

الفلاسفة الوجوديون

 

      أفرد الأستاذ العقاد هذا الفصل للفلاسفة الوجوديين ، لأن الفلسفة الوجودية Existentialism ـ هى أشهر المدارس الفلسفية منذ بدأت فى القرن التاسع عشر واستفاضت فى القرن العشرين ، ولا تزال أشهر المدارس فى هذه السنوات ، لأنها تشتمل على مذهب من مذاهب السلوك ، ويغلب على مذهبها الشائع أنه يدعو إلى الإباحة وإطراح العرف والخلق وعقائد الأديان .

      وقد سبق أن تحدث الأستاذ العقاد عن الوجودية فى كتابه « أفيون الشعوب . المذاهب الهدامة » الذى تناولناه فى المجلد الأول للمدينة ، ولكنه يعرض لها هنا ضمن عقائد المفكرين فى القرن العشرين فى مسألة الإنكار والإيمان ، ويورد أن « الوجودية » مدرسة واسعة النطاق ينتمى إليها المؤمنون والملحدون ، وبين فلاسفتها أناس متدينون متصوفون لعلهم أكثر عددًا من الوجوديين المنكرين .

      ذلك أن الوجودية ليست فى ذاتها دعوة مخالفة للدين ولا للعقائد الخلقية ، وليس بين مذاهبها من وحدة مشتركة غير إنصاف الشخصية الإنسانية أمام الجماعة فى عصر شاعت فيه قيمة الكثرة والزحام ، وقلت فيه قيمة المزايا والصفات ، وما عدا ذلك يقع فيه الخلاف تبعًا لموضوع النزاع بين الحرية الشخصية وطغيان الجماعات .

      فالوجودى المتدين قد يؤمن بالله أشد الإيمان ، ولكنه لا يؤمن بالمراسم والشعائر ، ولا يذعن لسلطان الكنيسة ورجال الدين .

      كما وأن الوجودى الإباحى ، قد يكون من أقوم الناس خلقًا وسلوكًا ، ولا تتراءى فيه الإباحية إلاَّ إزاء المحظورات التى لا حجة لها غير العادة والاستسلام للتقاليد والموروثات.

      أما الوجودى الذى يتهالك على الشهوات متذرعًا بحق الفرد والشخصية الإنسانية فى حياتهما الخاصة ، ولكنه لا يستطيع أن يجعل ذلك الحق قانونًا ملزمًا للجميع ، وإنما يلتزمه فى سلوكه ولا يجهل ما قد يعرضه له من اصطدام بالجماعة أو بغيره من آحاد الناس .

      وقد تسمى الوجوديون بهذا الاسم ، لأنهم يعتبرون وجود الإنسان مقدمًا على ماهيته.

      فليس من الضرورى إذن أن يخرج الإنسان على العقائد الدينية لأنه من الوجوديين ، بل وقد تكون الوجودية الدينية ـ كما تقدم ـ أعم من الوجودية المنكرة أو الإباحية .

*            *           *

      والوجودية الدينية متعددة بطبيعتها أوسع تعدد ـ تحت عنوان واحد ، لأنها اجتهاد كل باحث فيما يعتقده بينه وبين ضميره .

      وهنا يتوقف الأستاذ العقاد لعرض خلاصة يختار منها من المذاهب التى يمثل كل منها وجهة متفقة بطبيعة التفكير والمزاج .

      من هذه المدارس ـ مدرسة « بردييف ـ Berdyeef » الروسى الذى ازدوجت ثورته على الشيوعية وعلى الديانة « الرسمية » . ويعتقد أن خلاص الإنسان عمل من أعمال الإنسان ، وترددت منه كلمات كأنها من كلمات الحلاج فى الحلول ، لولا أنه لا يؤمن بالحلول ، وإنما يقول إن وجود الإنسان فى العالم لازم لوجود الله ، وإن الحب يمحو ما بين الخالق والمخلوق من الموانع والحجب . وإنه على الإنسان أن يعلو بنفسه عن الفردية إلى الشخصية استهدافًا للقيمة التى فى سبيلها قد ينبذ الفرد حياته ولا خسارة عليه ، كذلك يجب على الجماعة أن ترتفع من كونها « جمهرة » إلى كونها رابطة روحية Community ، فالجمهرة مجموعة أفراد ، بينما الرابطة مجموعة « شخصيات » يضيف لبعضها إلى بعض فى قيم الحياة .

      ولم تكن فلسفة « بردييف » ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ فلسفة إطلاع ودراسة فحسب ، بل كانت أيضًا حصاد خبرات عريضة فى الحياة التى اختبر فيها أزمات الأمم الأوروبية فى جميع أقطارها ، وشهد من ذلك أزمة القيصرية فى روسيا ، ثم أمة الشيوعية فيها ، ثم انتقل إلى ألمانيا ثم فرنسا فخالط مدارس الفكر واختبر كل نوع من أنواع الحكم حتى مات سنة 1948 .

      ولم تزده هذه الأزمات المطبقة إلاَّ إيمانًا بالحرية الشخصية واعتصامًا بالضمير الروحانى فى وجه العالم الخارجى بجميع أهواله ، فى الوقت الذى ساء ظنه بثقافة الغرب وحضارته .

      وفى ختام آخر كتبه قبل وفاته ، يشير إلى تمييزه بين ثلاثة أنماط من الصوفية ، ويرى أن العالم اليوم يولج فى الظلام نحو صوفية وروحانية جديدة ، لا محل فيها للفت النظرة النسكية إلى الدنيا ، ولا بما توحيه هذه النظرة من العزلة واجتناب الجماعات والآحاد .

*            *           *

      وخرج فى ألمانيا الحديثة فيلسوف يضارع « بردييف » فى دعوته « الوجودية المتدينة » ، وهو كارل جاسبر Karl Jasper الذى بدأ حياته الفكرية بمعالجة الطب النفسانى ، وهدته تجربته إلى مذهبه الفلسفى القائم على تصحيح الروح بالإيمان .

      وأصح توصيف لفلسفته أنها تمهيد يصل منه كل طارق إلى المذهب الذى يختاره ، ليستوحى الباحث ديانته الخاصة من بداهته ويظل دائبًا على استحيائها طول حياته ، وخليق بكل من عرف حدود العلم أن يُلهم حقيقة الإيمان .

      والفرق فيما يرى ـ بين معرفة العلم ومعرفة الهداية الدينية ـ أن معرفة العلم مستقلة عن شخص العالم قد يحملها من غيره وإلى غيره . أما معرفة الهداية الدينية فهى جزء من حقيقة الإنسان لا تنفصل عنه ولا تخلو من مقوماته الشخصية .

      ونقص البراهين العقلية التى يستدل بها الفلاسفة على وجود الله ـ أن البرهان قوة ترغم العقل على التصديق ، بينما لا يأتى الإيمان بإرغام ، بل بطلب وشوق واجتهاد .

      وقال « جاسبر » فى كتابه « مجال الفلسفة الدائم » عند كلامه على مقومات العقيدة الفلسفية ـ بأنه يمكن تقرير العقيدة الفلسفية فى الدعائم التالية :

      ـ أن الله موجود .

      ـ وأن هناك أوامر مطلقة absolute imperative

      ـ وأن العالم طريق عارض بين الله والوجود .

      فما يعلو على وجود العالم أو يسبقه فاسمه الله . وبراهين وجود الله قد أجمع المفكرون الأمناء أنها مستحيلة إنْ كان الغرض منها إفحام العقل كالبراهين التى تثبت دوران الأرض أو وجوه القمر . ولكن براهين وجود الله لا تفقد صحتها لمجرد أنها تفتقد قوتها فى الإقناع ، وهذه البراهين تبدأ من شىء يمكن أن يوجد ويختبر كى تتأدى إلى هذه النتيجة : إن كان هذا فالله موجود .

      ووازن « جاسبر » بين دعائم الإيمان ودعائم الإنكار ، فلخص دعائم الإنكار فيما يلى :

      أولاً   لا إله . إذ لا وجود لغير العالم وقوانين الطبيعة ، والعالم هو الله .

      ثانيًا  لا أوامر مطلقة . فإن الأوامر التى تُتبع تنشأ بحكم العادة والتجربة والتقليد .

      ثالثًا  إن العالم هو كل شىء ، وهو الحقيقة الوحيدة والصادقة ، وكل شىء فيه متغير نعم. ولكن العالم نفسه دائم مطلق غير معلق على سواه .

      ويعقب « جاسبر » بأنه « لا تبنى على هذه الدعائم معرفة ، ولا يصح التعلل بسلب المعرفة للروغان من كل جواب . وأنه إزاء هذه المعرفة الممتنعة أو المسلوبة ـ تأتى العقيدة فتستولى على الجد الذى يتيح لى أن أعيش بها ، وترفعنى بقوتها إلى الحضور الإلهى » .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *