فى مدينة العـقاد ( 788 ) عقائد المفكرين فى القرن العشرين (16)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

تابع عقائد الفلاسفة

      عَرَضَ الأستاذ « برود ـ Broad » ـ عَرَضَ براهين الإيمان وبراهين الإنكار فى محاضراته عن الدين والفلسفة والمباحث النفسية ، وبين ما فيها جميعًا من مواطن القوة والضعف ، ومؤدى ما أبداه أن الأدلة على العالم الآخر قد تستخلص من التجارب النفسية ومن القضايا المنطقية ، ولكنها لا تلزم المعارض ، وأن الفلاسفة الأقدمين الذين اعتبروا الحقيقة الإلهية مقنعة بذاتها ـ إنما سلكوا ذلك لأنهم نشأوا فى الجو العقلى الذى كان يتقبل قضايا « اقليدس » بغير برهان ، فإذا تحرج المنطقى العصرى من قبول البراهين الفلسفية ، فإن الرياضى العصرى يتحرج مثل هذا التحرج فى قبول أحكام إقليدس بعد أن كانت غنية عن برهان عند الأقدمين .

      ووازن « برود » فى محاضرته عن وجود الله بين الكفتين المملوءتين بحجج المعتقدين والمتشككين ، وضمنها بمعادلة فحواها ـ بشأن التجارب الدينية ـ أنه إذا كان الزمن يمكن أن يأتى بعقائد لا يعرفها من عرفها الآن ، فإن ذلك يسرى أيضًا على مدركات العلم ، وأنه من الهزل أن تدعى نحلة من النحل أنها فرغت من تقرير جميع الحقائق ، ومن الهزل الزعم بأن تجارب الدين كلها وهمٌ وخداع .

*            *           *

      أما الأستاذ « جود ـ goad » ، فإن قوة المعارضة أدل على فلسفته من قوة التأييد ، ومعارضتـه للمادية أشد من معارضته للبراهين الإلهية ، وصفـوة كلامه فى كتابه عن « معنى الحياة ـ The meaning of Life » أن الكون لا يمكن تفسيره بمبدأ أساسى واحد دون غيره . فالمادة ـ على كونها حقيقة واقعة ـ ليست كذلك على وجه مطلق .

      وخير ما يستفاد من المادية العصرية ، أو الإلهية العصرية ، فى اعتقاد « جود » أنها تعطينا ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ الوقت الكافى لاستجلاء محاسن القيم النفسية كالخير والحق والجمال . لأن علمنا بقوانين المادة قد أغنانا عن ملابستها كما كان يلابسها آباؤنا وأجدادنا .

      ثم يذكر الأستاذ العقاد ، أنه لدى تصحيحه هذا الفصل ـ ورد إليه كتاب « جود » الأخير : « رجعة العقيدة ـ The Recovery of Belief » ـ وفيه خطا « جود » خطوة كبيرة نحو الإيمان ، ودان بعقيدة شبيهة بعقيدة « هكسلى » الصوفية ، وختم الكتاب قائلاً : « إنه قد يكون داعيًا قويًّا إلى النظرة الربانية فى الكون ، ولكنه بالنسبة لتفسيرها المسيحى يقف موقف الإشارة دون البرهان » .

*            *           *

      وأهم المدارس الفلسفية فى غير إنجلترا وألمانيا ـ هى مدارس الوجودية الفرنسية المتدينة والملحدة ، وهى أخص المدارس الفكرية فى القرن العشرين ، لأن بواعثها لم تنتشر قبله قط كما انتشرت فيه .

      ولم تخل القارتان الأوروبية أو الأمريكية ـ فيما يسوق الأستاذ العقاد ـ من دعوات فلسفية فى مباحث « ما وراء الطبيعة » .

      نبغ « كروتشه ـ Croce » فى إيطاليا .

      ونبغ « أنا مونو ـ Unamono » فى أسبانيا وأوشك أن يضارع كروتشه فى مكانه بين الإيطاليين .

    وكاد « جوسيا رويس ـ Gosiah Royce » ـ أن يستوى وحده فى أمريكا الشمالية ، بل وكاد فى مباحثه فيما وراء الطبيعة أن ينحى مذهب وليام جيمس الذى توفى قبله ببضع سنوات .

      ومع أن آراء هؤلاء لا تستوعب فلسفة ما وراء الطبيعة فى تلك الأمم ، إلاَّ أنها تصلح فى خلاصتها كمثال لاتجاه العقول والنفوس الذى لا تنحرف الأفكار العامة عنه بعيدًا .

      وزبدة فلسفة كروتشه التى بسطها فى تصنيفاته الكثيرة ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ هى نفى المادة وتغليب الفكرة الخالقة على عوامل الكون والحياة .

      وزبدة فلسفة أنا مونو أنه يميل فى بيان ديانته ـ يميل بقلبه وشعوره إلى المسيحية دون أن يأخذ بقضايا الاعتقاد فى هذه النحلة أو تلك .

      ويضيف الأستاذ العقاد ـ أنه ليس فى روسيا اليوم ـ حين وضعه الكتاب ـ فلسفة مستقلة عن الفلسفة الماركسية التى تطبقها الدولة ، ولكن الفيلسوف الروسى المستقل « لوسيف ـ Lossev » أعلن آراءه فيما وراء الطبيعة بعيدًا عن موضوع المباحث الاقتصادية والسياسية ، واعتبر أن الوجود ثلاثة أطوار : طور فوق الفكر والوجود المدرك ، وطور كائن لا يتصوره العقل إلاَّ مع مقابل معدوم ، وهو يرادف ما يسمى بالكليات فى الفلسفة العامة ، والطور الثالث هو الصيرورة . وأن مهمة الفلسفة ومهمة العلم تختلفان حيال هذه الأطوار الثلاثة .

      العلم يتولى تحقيق الموجود الفرد الماثل للعيان والحس والتجربة .

      والفلسفة تتولى النظر فى الوجود المطلق والوجود الذى تبرزه الصيرورة .

*            *           *

      وأخيرًا فإن من الحالات التى تلوح للنظرة الأولى كإحدى المفارقات ـ أن العالم الجديد أميل إلى المحافظة الدينية من العالم القديم .

      بيد أن الأستاذ العقاد يرى أنها حالة منطقية لا مفارقة فيها ؛ فإذا قام المجتمع الأمريكى الأول على عقائد المهاجرين الذين لاذوا بالعالم الجديد فرارًا بعقائدهم من الاجتهاد ، فلا غرابة أن يغلب الميل إلى الاعتقاد على مذاهب الفلسفة التى يتمخض عنها العالم الجديد ، ويصدق هذا بصفة خاصة على مذهب « رويس » الذى سبق أن ألمح إليه .

      ويخلص من ذلك إلى أن مراكز الفلسفة فى القرن العشرين ، قد تمخضت عن ثلاثة أقسام :

    (1) طائفة نفضت أيديها من مباحث « ما وراء الطبيعة » لأنها من المجهولات التى لا تقبل المعرفة بالوسائل العلمية أو العقلية .

    (2) وطائفة جزمت بإنكار ما وراء الطبيعة ، ولا سند لها من نظريات العلم فى القرن العشرين .

    (3) وطائفة تؤمن أو تتجه إلى الإيمان ، ولا تجد من العلوم الحديثة تلك المقاومة التى كانت مترصدة لها فى القرن السابق .

      ومجمل القول فى موقف الفلسفة كلها فى هذا القرن ـ أن الفلسفة المادية تتراجع ـ فيما يرى ـ من الهجوم إلى الدفاع بسلاح غير فعال .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *