فى مدينة العـقاد ( 786 ) عقائد المفكرين فى القرن العشرين (14)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال اليومى

 

 

 

     والأديب الفرنسي  « جول رومانRomains  » من أجدر أدباء أمته ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ  بتمثيل المدرسة الإيمانية تمثيلاً وسطًا بين المقلدين وطلاب المظاهر والحذلقة من المنكرين وأدعياء الإنكار.

    ورومان فى رأى النقاد قرين إميل زولا وأونوريه دى بلزاك في الإعراب عن المزاج اللاتينى الفرنسي الأصيل.

     وقد سئل جول رومان عن عقيدته ، فكتب جوابه فى فصل موجز قال فيه إنه ليس بالشكوكى، ولا بالمتشائم ، وأنه لا يحسب العقل قادرًا على إدراك الحقيقة المطلقة ، وإنه يرجو مع تقدم الزمن أن يضطلع العلم النفسى بحكمة يقر بها العلم الطبيعي ولا يتسنى له أن يغفلها أو يحيلها بازدراء بها إلى البحث فيما بعد الطبيعة .. وأنه  يحسب نفسه ـ من بعض الجوانب ـ من العقليين الذين يقبلون ما فوق العقل « rationaist Sur »  ،  وأنه يعنى بذلك أنه مستعد للاعتراف للروح ـ عند بعض الأفذاذ ـ بالقدرة على بلوغ الحقيقة بالإلهام المباشر، وقد تكرر حدوث ذلك فى تاريخ الروح الإنسانية.

     وجملة ما يفهم من فلسفة رومان ـ فيما يورد الأستاذ العقاد ـ أن روح الإنسان وروح الأمة ملاذ صالح للمقاربة بين المقاصد الإلهية والمقاصد الدنيوية ، وأن الإجماع اللونى الذى يهتدى إليه الناس ـ بداهة وارتجالاً ـ غير مصطنع ولا مدبر ، وأنه أصدق ما يشعر به الإنسان من وحى الله  .

*           *          *

    ومن النادر جدًّا فيما يورد الأستاذ العقاد ـ يشتهر من أمم الشمال (الاسكندنافية) أديب معطل كل التعطيل ، ولكنك تلمح في كتابات مفكريهم لواعج القلق التى تشبه لواعج العاطفة .. فهى شوق مستقر وغير ضعيف وغير مفارق ، ولا حيلة لصاحبه فيه إلاَّ كحيلة الذى يقنع بما فى أعماق وجدانه من الشوق ، ثم لا يحاول أن يسلط عليه أضواء النهار.

      وقد تردد منذ سنتين ( آنذاك فى آخر آربعينيات القرن الماضى ) ـ  اسم كاتبهم السويدى « لاجر كفيت » مؤلف رواية « باراباس » ، وهو اللص الذى اختاره أحبار اليهود والشعب للعفو عنه بدلاً من السيد المسيح .

     هذا  وليس إيمان « لاجر كفيت » كإيمان البسطاء فى الرواية ، ولكنه يستلهم الإيمان من تلك البساطة ويروض حريته الذهنية من خلال السطور ، على الافتداء بهؤلاء البسطاء.

*           *          *

 

     أما فى الشعر ، فتكثر شواهد الاعتقاد الشخصى ويسهل على القارئ أن يلمحه من تصفح ديوان الشاعر .

     واختار الأستاذ العقاد شاعرًا ممتازًا من كل مرحلة من مراحل ثلاث ـ على حسب السن ـ فى الشعر الإنجليزى  .

      فاختار من المرحلة الأولى « جون ماسفيلد » الشاعر المتوج.

     ومن المرحلة الثانية « توماس إليوت » الحاصل على نوبل .

     ومن المرحلة الثالثة « ديلان توماس » أوفى الشعراء الشبان نصيبًا من تقدير النقاد الجادين .

    أما « ماسفيلد » فهو مؤمن بالله ، يتجاوب شعره في الأزمات العالمية بما يشبه الصلاة ، وفي إحدى قصائده (عونًا للإنسان) يناجى الأمل الذى يتطلع إليه ابن آدم كما يتطلع إلى فلق الصبح لا إلى نجم عابر.

     أما « إليوت » ـ فقد أمضى سنوات يطرق بابًا من أبواب المجهول ثم يوصده أو يتركه إلى غيره .. أو هو يشك لسبب ثم يشك لسبب آخر ، ثم يوازن بين الأسباب ، إلى أن انتهى به المطاف إلى الأخذ بمذهب الكنيسة الكاثوليكية الإنجليزية ، إيثارًا لاعتقاد الجماعة ، وإيمانًا بواجب الفرد أن يتصل ولا ينفصل فى مسائل الديانة قدر ما يستطيع.  

     وأما « ديلان توماس » فقد قال عن سبب جمعه ديوانه الصادر سنة 1953 ، أنه قرأ مرة عن راعى غنم سئل لماذا صنع من تمائم السحر تعويذة إلى القمر ؟ فقال الراعى إنـه لو لم يفعل لحقّت عليه لعنة الحماقة .. وأضاف الشاعر أن هذه القصائد التى تضمنها الديوان على كل  ما فيها من خشونة وشك وخلط ـ قد نظمت فى « حب الإنسان والثناء على الله » ، وأنه لو لم ينظمها لحقت عليه ـ هو الآخر ـ لعنة الحماقة ! .

   ويخرج القارئ من الديوان ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ بإيمان الشاعر بالله إيمانًا غير محدود ، أو حدوده أن الله عنوان لخير ما يرجى فى الحياة الإنسانية .

*           *          *

    هذا والاهتمام بعقائد الفنانين من المصورين والموسيقيين والممثلين ـ مطلب لا يقل فى دلالته وقيمته ـ فيما يرى الأستاذ العقاد ـ عن عقائد الشعراء والأدباء والفلاسفة .

    إلاَّ أن الصعوبة فى استقراء عقائدهم من أعمالهم، أنهم لا يسجلون آراءهم بالقلم والكلمة.. ولهذا فلا مفر من التعويل على ما كتب عنهم في المسائل الدينية ، ويرى أن الأقطاب الذين يمكن التعويل عليهم « جون كوليير ـ « Collier  الذى يصنف مع الكتاب والنقاد فى الذروة العليا ، وله فى المسألة الدينية كتاب سماه « ديانة فنان » كتبه بعد الحرب العالمية الأولى ، وتناول هذه المسألة من جميع أطرافها .

    ورأى « كوليير »  في الديانة ، أن مذهب الموحدين  Unitarianism ـ هو المذهب الذى يرتضيه الرجل العصرى  إذا فارق عقائده الموروثة ، وأحب أن يحتفظ بانتسابه إلـى المسيحية .

     ويفضل في أمر الإله ـ أن يؤمن بالإله الذى وصفه الكاتب الكبير هـ . جـ . ويلز على لسان أحد أبطاله فى رواية « برتلينج  ـ  Mr . Britling» ، أنه إله قادر على كل شىء ، ولكنه يوزع تدبير الكون على الملائكة وأكبرهم الملك المحجوب  The Invisible King ، فإذا حدث النقص والشر فى الوجود ، فذلك من فعل الملك المحجوب .

    ويخلص الأستاذ العقاد فى ختام هذا الفصل ، إلى أنه يبين مما أجمله من نماذج صالحة للقياس عليها ـ أن المؤمنين منهم بقوة غير القوة المادية يزيدون على غيرهم ، وأن القرن العشرين قد أبرز من ذوى العقائد المجتهدة طائفة لم يكن لها وجود محسوس فى القرن التاسع عشر ، الذى لم يكن فيه صوت لغير الإلحاد أو الإيمان الموروث !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *